تحليلات

الإشراف القضائى الكامل... ضمانة أكيدة لنزاهة الانتخابات

طباعة

 لم تكن استجابة الرئيس عبدالفتاح السيسى السريعة لمقترح مجلس أمناء الحوار الوطنى بإجراء تعديل تشريعى يسمح بالإشراف القضائى الكامل على العملية الانتخابية مفاجئة أو غير متوقعة لكنها جاءت متوافقة مع ما يؤمن به الرئيس من ضرورة اتخاذ كافة الإجراءات الواجبة لضمان نزاهة الانتخابات فى كل مراحلها، وعلى كافة مستوياتها.

كان مجلس أمناء الحوار الوطنى قد تقدم بمقترح للرئيس عقب انتهاء جلسته مساء الأحد الماضى بإجراء تعديل تشريعى فى قانون الهيئة الوطنية للانتخابات، وبالتحديد على نص المادة (34) بما يوجب إتمام الاقتراع والفرز، فى الانتخابات والاستفتاءات التى تجرى فى البلاد، تحت إشراف كامل من أعضاء الجهات والهيئات القضائية بنظام قاض لكل صندوق، وذلك فى ضوء أن المادة المشار إليها تحدد مدة الإشراف القضائى الكامل بعشر سنوات من تاريخ العمل بالدستور، وذلك اعتبارا من 18 يناير 2014، وتنتهى فى 17 يناير 2024، وذلك كله ضمن النص الدستورى، وقانون الهيئة الوطنية للانتخابات، اللذين يعطيانها ـ باعتبارها هيئة مستقلة دون غيرها ـ الاختصاص بإدارة الاستفتاءات والانتخابات الرئاسية والنيابية والمحلية.

على الفور كانت استجابة الرئيس عبدالفتاح السيسى للمقترح عبر منشور على حساباته الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعى أكد فيه أنه تابع باهتمام جلسة مجلس أمناء الحوار الوطنى، ويثمن العمل المستمر من أبناء مصر المخلصين الذين يسعون نحو الحوار والنقاش من أجل البلاد، وأنه وجه الحكومة والأجهزة المعنية فى الدولة لدراسة مقترح الحوار الوطنى بشأن التعديل التشريعى الذى يسمح بالإشراف الكامل من الهيئات القضائية على العملية الانتخابية, إضافة إلى بحث آليات تنفيذها.

-

مقترح الحوار الوطنى الذى حظى بإجماع أعضاء مجلس أمناء الحوار، واستجابة الرئيس يؤكدان جدية الحوار الوطنى الذى أطلقه الرئيس عبدالفتاح السيسى خلال إفطار الأسرة المصرية فى رمضان الماضى حينما دعا إلى حوار وطنى شامل تحت مظلة «وطن يتسع للجميع» وشعار «الاختلاف فى الرأى لا يفسد للوطن قضية»، وهى المبادرة التى كانت بمثابة المفاجأة، السارة لإفطار الأسرة المصرية فى العام الماضى، ولاقت ترحيبا واسعا من كافة الأطياف السياسية حينذاك، معتبرين تلك الخطوة بمثابة نقلة نوعية تسهم فى تحقيق حلم بناء الدولة الديمقراطية المدنية الحديثة، وتعزز مبدأ «المواطنة» كأساس للعمل السياسى فى المرحلة المقبلة.

جاءت مبادرة الحوار الوطنى فى سياقها الطبيعى بعد مرحلة شاقة وعسيرة من أجل تثبيت أركان الدولة المصرية، ومواجهة شرسة مع الإرهاب الذى كاد يهدد كيان الدولة المصرية، وتحملت الدولة فى تلك المواجهة فاتورة ضخمة اقتصادية وبشرية حتى تحقق النصر فى تلك المعركة الشرسة، وعادت الأمور إلى سياقها الطبيعي.

لم تكن مواجهة الإرهاب سهلة أو يسيرة، وإنما كانت معركة بكل ما تحمله الكلمة من معان، واستمرت ما يقرب من 8 سنوات خلال الفترة من 2014 حتى نهاية العام الماضى بتكلفة شهرية بلغت ما يقرب من المليار جنيه، وبأعداد ضحايا بلغت أكثر من 3277 شهيدا، و12280 مصابا.

بحسبة بسيطة يتضح أن تكلفة الحرب على الإرهاب بلغت ما يقرب من 90 مليار جنيه، وأن هناك أكثر من 15 ألف أسرة تضررت من الحرب على الإرهاب، إما بفقد شهيد أو إصابة أحد أفرادها.

رغم الحرب الشرسة على الإرهاب، لم تتوقف الدولة عند حدود تلك الحرب، لكن إلى جوار الحرب على الإرهاب وبالتوازى أطلقت المشروعات القومية العديدة التى ساهمت فى تغيير وجه الحياة فى مصر خلال الفترة الماضية، وكان أبرز تلك المشروعات مشروع «حياة كريمة» الذى سوف يؤدى إلى تغيير شامل ومتكامل لصالح ما يقرب من 60٪ من أفراد الشعب المصرى بإجمالى تكلفة تصل إلى تريليون جنيه تقريبا.

بعد تلك النجاحات كان من الطبيعى إطلاق مبادرة الحوار الوطنى فى إطار الدولة القوية المستقرة التى تتسع لجميع مواطنيها تحت مظلة «وطن يتسع للجميع».

خلال العام الماضى، ومنذ إطلاق مبادرة الحوار الوطنى جرت مياه كثيرة فى هذا المجال، واستعادت لجنة العفو الرئاسى فاعليتها، وخلال تلك الفترة ساهمت اللجنة فى إطلاق سراح ما يقرب من 1400 من المحبوسين احتياطيا ـ بحسب ماذكره لى طارق العوضى المحامى وعضو اللجنة وذلك فى إطار جهود اللجنة لتنفيذ الإفراج عن أكبر عدد من المحبوسين احتياطيا بالتنسيق مع الجهات المعنية بالدولة وبعد استيفاء كافة الإجراءات القانونية اللازمة، وهو ما يؤكد جدية عمل اللجنة، والتعاون الوثيق معها من الجهات المعنية سواء كانت وزارة الداخلية أو النيابة العامة من أجل إتمام عمل اللجنة على أكمل وجه خلال المرحلة المقبلة.

ولأن نزاهة الانتخابات هى حجر الزاوية فى أى نظام سياسى جاء مقترح لجنة الحوار الوطنى بضرورة الانتباه مبكرا قبل انتهاء مدة العشر سنوات التى حددتها المادة 34 من قانون الهيئة الوطنية للانتخابات والتى تنتهى فى 17 يناير من العام المقبل، وبما يتيح مد الإشراف القضائى الكامل بنظام قاض لكل صندوق كما كان يحدث طوال العشر سنوات الماضية تأكيدا لنزاهة الانتخابات وضمانا لاستقلالها.

المادة 210 من الدستور تقول: يتولى إدارة الاقتراع والفرز فى الاستفتاءات والانتخابات اعضاء تابعون للهيئة تحت إشراف مجلس إدارتها، ولها أن تستعين بأعضاء من الهيئات القضائية.

يتم الاقتراع والفرز فى الانتخابات، والاستفتاءات التى تجرى فى السنوات العشر التالية لتاريخ العمل بهذا الدستور، تحت إشراف كامل من أعضاء الجهات والهيئات القضائية، وذلك على النحو المبين بالقانون.

تختص المحكمة الإدارية العليا بالفصل فى الطعون على قرارات الهيئة المتعلقة بالاستفتاءات والانتخابات الرئاسية والنيابية ونتائجها، ويكون الطعن على انتخابات المحليات أمام محكمة القضاء الإدارى، ويحدد القانون مواعيد الطعن على هذه القرارات، على أن يتم الفصل خلال عشرة أيام من تاريخ قيد الطعن.

هذا هو نص المادة 210 فى الفصل التاسع المتعلق بالهيئة الوطنية للانتخابات، والذى جاء بعد المادة 209 من الدستور التى أوضحت طريقة تشكيل الهيئة الوطنية للانتخابات، وأنها مكونة من عشرة أعضاء جميعهم من القضاة، ويختارهم مجلس القضاء الأعلى، والمجالس الخاصة للجهات والهيئات القضائية المختلفة، بما يؤكد أن تشكيل الهيئة الوطنية المشرفة على الانتخابات من القضاة، وأنها هيئة مستقلة، ثم جاءت المادة 210، وتركت الباب مفتوحاً أمام الهيئة الوطنية وقانون الإنتخابات للاستمرار فى الإشراف القضائى الكامل من عدمه بما لا يتعارض مع الدستور فى كل الأحوال سواء أكان ذلك إشرافا قضائيا كاملا أم لا، وذلك بعد انتهاء الفترة الانتقالية التى حددها الدستور بعشر سنوات، والتى تنتهى فى يناير المقبل.

يحسب للأمانة العامة للحوار الوطنى تبنيها مبكرا لتلك القضية الحيوية لأن الأشراف القضائى الكامل هو الضمانة الأكيدة لنزاهة الانتخابات، لأنه لا يزال أمامنا شوط طويل حتى يستقر مبدأ نزاهة الانتخابات فى وجدان المرشحين والناخبين على السواء.

قاض لكل صندوق هو الضمانة الأكيدة لعدم التدخل بالضغوط من المرشحين أو الناخبين داخل اللجان، ونصب فخ الاغراءات أو التهديد للفئات الأخرى المحتملة لتولى الإشراف على الانتخابات من موظفى المحليات أو المدرسين، أو العاملين فى الإدارات الحكومية المختلفة فى حالة الاستعانة بهم للإشراف على صناديق الانتخابات داخل اللجان، كما حدث فى انتخابات 2010 الشهيرة، وساهمت فى إشعال فتيل الغضب فى النفوس، نتيجة حجم التزوير الهائل الذى حدث فى تلك الانتخابات، وكانت أحد أسباب الغضب فى 25 يناير 2011.

أعتقد أن سرعة إنجاز توجيه الرئيس عبدالفتاح السيسى للحكومة والأجهزة المعنية لدراسة مقترح الحوار الوطنى بشأن التعديل التشريعى المقترح لضمان استمرار الإشراف القضائى الكامل من الهيئات القضائية «قاض لكل صندوق» على العملية الانتخابية سوف يكون إحدى ثمار الحوار الوطنى الناجحة والمؤثرة إلى جوار ما حققته لجنة العفو الرئاسى من نجاحات فى اطار اكتمال أركان تحقيق حلم الدولة الديمقراطية المدنية الحديثة خلال المرحلة المقبلة إن شاء الله.

طباعة

    تعريف الكاتب

    ا. عبد المـحسن سـلامة

    ا. عبد المـحسن سـلامة

    رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام