تحليلات - مصر

قراءة سوسيولوجية فى الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان2021 (1-2)

طباعة

يتطلب الارتقاء بحقوق الإنسان على مستوى جميع مناحى الحياة الاعتماد على عدة مرتكزات، هى الإرادة السياسية العازمة على تنفيذ ذلك، والالتزام باحترام الدستور الذى يحقق نقلة نوعية كبيرة فى مجــال كفالــة الحقــوق والحريــات الأساســية، ويؤكــد علــى مبــادئ المواطنــة وســيادة القانــون فــى إطــار مــن المســاواة وعــدم التمييــز، وكذلك دعم ذلك، من خلال مناخ تنموى داعم لإعمال الحقوق الأساسية للإنسان باعتبارها محور العملية التنموية. 

فعلى الرغم من الجهود والإنجازات التى حققتها مصر فى مجال حقوق الإنسان على كافة المستويات التشريعية والتنفيذية والمؤسسية، إلا أن حماية هذه الحقوق هى عملية تراكمية الأثر ومستمرة، ولا تظهر نتائجها إلا بشكل متدرج، ومهما بُذل من جهد أو إنجاز يظل قاصًرا عن بلوغ الكمال، وتظل دائما هناك تحديات تتعلق بتمتع الجميع بحقوقهم وحرياتهم الأساسية على نحو متساو.

تأتى أهمية الاستراتيجية، لأنها تبنى على التقدم الفعلى المحرز، وتأخذ فى اعتبارها خصوصية السياق الوطنى المصرى من تحديات وفرص، كما تنبع من قناعة وطنية بضرورة اعتماد وتعزيز حقوق الإنسان والحريات الأساسية من النواحى الاقتصادية، والمدنية، والسياسية، والاجتماعية، والثقافية، بغية تحقيق المساواة وتكافؤ الفرص دون أى تمييز.

تعد الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان خريطة طريق وطنية -فى مجال حقوق الإنسان- محددة لمدة خمس سنوات من عام 2021 وحتى عام 2026، وأداة مهمة للتطوير الذاتى فى هذا المجال، وتم تأسيسها على رؤية تهــدف إلــى النهــوض بجميع حقــوق الإنســان فــى مصــر من أجل تعزيــز احترام وحمايــة كافــة الحقــوق المدنيــة، والسياســية، والاقتصاديــة، والاجتماعيــة، والثقافيــة، المتضمنة فـى الدسـتور، والتشــريعات الوطنيـة، والاتفاقيـات الدولية والإقليميـة المنضمــة إليهـا مصــر؛ تحقيقًا للمســاواة، وتكافــؤ الفــرص دون أى تمييــز.

إن أهم ما يميز الاستراتيجية الوطنية الاعتماد على منهجية شملت النهج التشاركى والتشاورى الموسع لجميع الأطراف المعنية بحقوق الإنسان، حيث تم إدارة الحوار المجتمعى، من خلال التعاون مع كافة الأطراف المعنية بملف حقوق الإنسان وتوافق القوى المجتمعية حوله. 

فى هذا السياق، تسعى الدراسة إلى إبراز أهم ملامح وأبعاد الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان من خلال قراءة سوسيولوجية تهتم برصد نقاط القوة فى الاستراتيجية، بجانب التركيز على إمكانيات وفرص تحقيق التقدم فى الاستراتيجية على المستوى التنفيذى على أرض الواقع، وذلك بشكل إجمالى وشامل للمحاور الأربعة التى شملتها الاستراتيجية دون تفنيد لتلك المحاور. ونتناول فى هذا الجزء الأول من الدراسة: المرتكزات التى اعتمدت عليها الاستراتيجية فى التأسيس، والمحاور التى شملتها الاستراتيجية.

أولا- المرتكزات التى اعتمدت عليها الاستراتيجية فى التأسيس:

اعتمدت الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان على عدد من المرتكزات، هى:

·الضمانات التى يكفلها الدستور فى مجال حماية وتعزيز واحترام حقوق الإنسان، التى تشمل تكافؤ الفرص والمساواة وعدم التمييز بين المواطنين. وقد جعل الدستور التمييز جريمة يعاقب عليها القانون. وكفل الدستور استقلال السلطة القضائية، فهى تعد وســيلة الانتصــاف الأساســية لضمــان الإنفــاذ الفعلــى لكافــة مبــادئ حقوق الإنسان وحرياته الأساسية.

·استراتيجية التنمية المستدامة: رؤية مصر 2030، التى تســعى إلــى تحقيــق التنميــة الشــاملة، مــن خـلال بنــاء مجتمــع عــادل يتميــز بالمســاواة والتوزيــع العــادل لفوائــد التنميــة، وتحقيــق أعلــى درجــات الاندمــاج المجتمعــى لكافــة الفئــات، وتعزيــز مبــادئ الحوكمــة، حيث تؤكــد هــذه الرؤيــة التنمويــة علــى أن تحقيــق التنميــة المســتدامة يتطلــب احترام مبــادئ حقــوق الإنســان وســيادة القانــون. وتســعى الاستراتيجية إلــى تعزيــز التوجــه القائــم علــى احترام وتعزيــز حقــوق الإنســان لذلــك المشــروع التنمــوى المتكامــل لمصــر، ودمــج أهــداف ومبــادئ حقــوق الإنســان فــى السياسات العامـة للدولــة.

·الالتزامات الدولية والإقليمية لمصر فى مجال حقوق الإنسان: ساهمت  مصر فى الكثير من الجهود المبذولة على المستوى متعدد الأطراف فى صياغة القانون الدولى لحقوق الإنسان، حيــث شــاركت فــى صياغــة الإعــلان العالمــى والعهديــن الدولييــن لحقــوق الإنســان، وســاهمت بفاعليــة فــى المشــاورات والأعمــال التحضيريــة لصياغــة الاتفاقيــات الدوليــة والإقليميــة لحقــوق الإنســان. ويتخذ الدستور منحنى أكثر تقدما فــى مجــال ضمــان الوفــاء بالالتزامات الدوليــة لمصــر فــى مجال حقوق الإنسان، حيث خصص لأول مرة فى المادة (93) نصًا يقتضى بأن «تلتــزم الدولــة بالاتفاقيــات والعهــود والمواثيــق الدوليــة لحقــوق الإنســان التــى تصــدق عليهــا مصــر، وتصبــح لهــا قــوة القانــون بعــد نشــرها»، فالالتزام يســبغ علــى الحقــوق والحريــات الأساســية الــواردة بهــا الحمايــة المقررة للقاعدة الدستورية. وبموجب هذا النص الدستورى، تلتزم السلطة التشريعية –أيضا- بعدم سن أى تشريع يناقض التزامات الدولة المقررة بموجب هذه الاتفاقيات. وانضمــت مصــر لثمانــى اتفاقيــات دوليــة أساســية لحقــوق الإنســان، فضلا عن عدد من الاتفاقيات الإقليمية فى إطار المنظومتين العربية والإفريقية لحقوق الإنســان، وأهم ما تسهم فيه هذه الاستراتيجية هو إيجاد نهج شامل لتنفيذ كافة تلك الالتزامات.

عند فحص هذه المرتكزات، نجد أنها تشتمل على تكوين بناء قوى لتعزيز حقوق الإنسان فى المجتمع المصرى، من خلال رؤيتين، الأولى: الرؤية الداخلية للمجتمع الميكرو Micro، بحيث تركز على البناء الاجتماعى وأساليب الضبط السائدة التى تكفل الحقوق الأساسية والمساواة، وتمنع عدم التمييز، من خلال الدستور والسلطة القضائية الناجزة التى تضمن تنفيذ مقتضيات القوانين وتحقيق العدل والمساواة. والأخرى تشمل الرؤية الأوسع للمجتمع الماكرو Macro، بحيث ترتبط بالالتزام بالاتفاقيات الدولية فى إطار حقوق الإنسان الإقليمية والعربية والدولية.

ثانيا- المحاور المختلفة التى شملتها الاستراتيجية:

اشتملت الاستراتيجية على أربعة محاور عمل رئيسية تتكامل مع بعضها بعضا، هذه المحاور هى: الحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وحقوق الإنسان للمرأة والطفل، والأشخاص ذوى الإعاقة، والشباب، وكبار السن، وأخيرًا التثقيف وبناء القدرات فى مجال حقوق الإنسان. وعالجت الاستراتيجية هذه المحاور، من خلال منهجية ركزت على إبراز نقاط القوة والفرص المتاحة التى نبنى عليها، والتحديات التى تواجه تنفيذها، والنتائج المستهدفة ذات الصلة، بحيث تكون رؤية شاملة ومتكاملة لهذه المحاور.

ونركز فى عرض المحاور على رؤية مختصرة لأهم النقاط المضيئة التى تسعى الاستراتيجية لتنفيذها فى كل محور، وطرح ما اشتمل عليه المحور من حقوق أساسية، وذلك على النحو التالى:

المحور الأول- الحقوق المدنية والسياسية:

ركزت الاستراتيجية فى رؤيتها للحقوق المدنية والسياسية على حقوق أساسية تهم كل مواطن، وتعبر عن حريته فى التعبير عن آرائه الشخصية، واستيعاب هذه الآراء ودمجها فى حيز التنفيذ، حيث شملت هذه الحقوق (الحق فى الحياة الآمنة والسلامة الجسدية، والحق فى الحرية الشخصية بما يتنافى مع وسائل الضبط الاجتماعى والقوانين فى المجتمع، والحق فى التقاضى وتعزيز ضمانات المحاكمة المنصفة، والحق فى المعاملة اللائقة للسجناء والمحتجزين على ذمة القضايا، والحق فى حرية التعبير، والحق فى حرية التجمع السلمى، والحق فى حرية التنظيم الذى يشتمل على "الحق فى تكوين الجمعيات والمؤسسات الأهلية والانضمام إليها- الحق فى تكوين النقابات العمالية والانضمام إليها، وحق تكوين النقابات المهنية والانضمام إليها- والحق فى تكوين الأحزاب السياسية"، وحرية الدين والمعتقد، والحق فى ممارسة الشعائر الدينية، وحرية إقامة دور العبادة لكافة الأديان السماوية، والحق فى الخصوصية لحياة المواطن واحترام حرمتها وأسرارها، وعدم انتهاك الخصوصية أو إفشاء الأسرار).

بالنظر فى جملة الحقوق التى اشتمل عليها المحور الأول الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، نجد أنه اشتمل على حقوق أساسية للإنسان؛ بل إنها من أهم حقوقه المرتبطة بالحياة الآمنة، وسلامته الجسدية، وعدم انتهاك حرمته وخصوصيته، وحقه فى الدين وحرية الاعتقاد، وكذلك حقه فى التعبير عن الرأى وتكوين الجمعيات والمؤسسات المختلفة وغيرها من الحقوق التى كفلها الدستور والمجتمع من أجل تعزيز حقوقه فى الحياة الكريمة داخل المجتمع، والتى تسعى الاستراتيجية لتعظيم الاستفادة من تحققها فى المجتمع، وإزالة أى معوقات تحول دون تحقيق الحياة الآمنة الكريمة للإنسان، ومن ثم فإن تحقيق هذه الحقوق المدنية والسياسية تعمل على ضبط البناء الاجتماعى للمجتمع، وتعزز قدرات أبنائه على العمل والجهد والإنتاج، وتحكم سلوكيات التفاعل الاجتماعى فيما بينهم، وتحقق العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، وتخلق مناخا مجتمعيا منضبطا متقبلا لحرية الآخرين فى الدين والاعتقاد والتعبير عن الرأى.

فعلى الرغم من سعى الدولة على بذل مزيد من الجهد فى تحقيق الحقوق المدنية والسياسية للمواطن المصرى بما تشتمل عليه من حقوق أساسية وحريات فى الدين والتعبير عن الرأى؛ إلا أنه مازالت مثل هذه الجهود غير مكتملة، وذلك لعدم وجود مناخ وبيئة مجتمعية تعزز هذه الجهود. فالمناخ الثقافى والاجتماعى السائد يعد أحد العقبات التى تحول دون تحقيق الحقوق المدنية والسياسية للأفراد فى المجتمع، لذا يجب تكثيف الجهود فى مجال الوعى المجتمعى بما تشتمل عليه هذه الحقوق وتعزيز ثقافة الأفراد بحقوقهم الأساسية.

المحور الثانى- الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية:

يعد هذا المحور الأهم على مستوى المحاور الأربعة التى شملتهم الاستراتيجية، فهو يشمل الحقوق الأساسية التى تكفلها الدولة للمواطن، وتخص معيشته وصحته وتعليمه وعمله، فهى حقوق لا يمكن الاستغناء عنها، كما أنها تقع على عاتق الدولة فى توفيرها للمواطن، وكفلتها كافة الدساتير والقوانين فى المجتمع، فهى تعد حق المواطن على الدولة وبدونها لا يوجد مجتمع، كما أن التقصير فى مثل هذه الحقوق من قبل الدولة فى ظل الأزمات، أو الأوبئة، أو الحروب تتحمل الدولة آثارها وتقوم بالتعويض عنها، أو تدارك تلك الآثار. وتشمل هذه الحقوق كلا من:

1) الحق فى الرعاية الصحية والخدمات العلاجية هو حق أساسى ورصين للفرد، وقد بذلت الدولة المصرية -ومازالت- الكثير من الجهود لتكفل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للأفراد، وتحقيق ما التزمت به من قبل الدستور والقوانين المختلفة، لتوفير الحياة الآمنة لهم، وتحقيق مستويات جودة مناسبة فى مجال الصحة والرعاية والخدمات التى توفرها للمواطنين. وأسهمت المبادرات والحملات العلاجية المختلفة "100 مليون صحة" فى الكشف عن الأمراض المزمنة والقضاء على بعضها، مثل شلل الأطفال وفيروس التهاب الكبد c، كما أسهمت فى توعية المواطنين بحقوقهم فى توفير الرعاية الصحية والاهتمام بالصحة بوجه عام. وعلى الرغم من جل هذه الجهود التى تقدمها الدولة للنهوض بالخدمات الصحية والرعاية المقدمة للمواطنين وانتشارها جغرافيا إلا أنه لا تزال هناك الكثير من التحديات بحاجة إلى مكافحتها. فالجودة فى الخدمات الصحية المقدمة مازالت متوسطة، والانتشار الجغرافى لم يصل بالخدمة الصحية لجميع القرى والنجوع، حتى القوافل الطبية لم تف بذلك الأمر لعدم استمراريتها، وعدم تناسب عدد الأطباء وأعضاء هيئة التمريض مع عدد الحالات التى تحتاج للخدمة والرعاية الصحية بالمستشفيات الحكومية، وأثر انتشار فيروس كورونا فى تأجيل الكثير من البرامج العلاجية والخطط لظروف الأزمة والاهتمام بمكافحة الفيروس، ومحاولة احتواء انتشاره بتوفير اللقاح والتطعيم ضده.

2) فيما يتعلق بالحق فى التعليم، فهو حق يكفله الدستور، وتلتزم بتطبيقه الدولة، وتخصص من ميزانيتها نسبة 1% للإنفاق على التعليم، وقد بذلت الدولة الكثير من الجهود فى مجال تطوير التعليم بداية من إنشاء المدارس والجامعات وانتشارها جغرافيا لتقليل الفجوة بين الريف والحضر، والفجوة بين الجنسين، وطورت المناهج فى المراحل التعليمية المبكرة والتعليم الجامعى، واعتمدت فى تطويرها للتعليم الثانوى على تطوير نظم الامتحانات من خلال استخدام اللوح التكنولوجية والتابلت، واعتمدت نظام التعليم عن بُعد فى ظل مكافحتها لأزمة فيروس كورونا، وعملت على الدمج بينه وبين التعليم التقليدى لبعض الأوقات، واهتمت بالتعليم الثانوى الصناعى وأتاحت أنواعا مختلفة منه، وتم إنشاء العديد من الجامعات الأهلية والخاصة لتستوعب الطلاب، وتعاونت مع العديد من الجمعيات الأهلية فى مكافحة الأمية والتسرب من التعليم، وما تزال ظاهرة الأمية والتسرب من التعليم مستمرة حتى الآن، كما توجد فجوة كبيرة بين نوعية التعليم ومتطلبات سوق العمل، الأمر الذى يؤدى للتسرب من التعليم وفقدان قيمته، وما تزال هناك فجوة بين النوعين فى المساواة بين التعليم واختيارات التعليم فى بعض المناطق، كما يوجد ضعف فى بنية المعلمين من حيث العدد والكفاءة والنقص فى التدريب، وعدم جاهزية البنية التحتية التكنولوجية لاستيعاب التعليم عن بُعد فى جميع المراحل الجامعية وما قبل الجامعية، بجانب ضعف منظومة البحث العلمى فى مصر والحاجة إلى تطويرها بما يتناسب مع المعايير العالمية. 

3) الحق فى العمل، تكفله الدولة والدستور وتلتزم بعدم التمييز فى المعاملة والمساواة فى الأجور وتوفير عمل لائق ومناسب للجميع، وسعت الدولة لتوفير الكثير من فرص العمل عن طريق إنشاء العديد من المشروعات القومية التى تستوعب الكثير من العمالة، وتتعاون وزارة القوى العاملة مع الكثير من المؤسسات والجهات لتوفير فرص العمل لخفض نسب البطالة، والعديد من البرامج لتمكين النساء فى القطاع غير الرسمى، والالتزام بتوفير حقوق العمال فى القطاع الرسمى والخاص. ومن أهم التحديات، عدم كفاءة العمال ونقص مهارات وجودة التدريب على المستجدات الحديثة فى العمل، وعدم توافر العمل اللائق وشروط السلامة الصحية والمهنية فى كثير من مؤسسات القطاع الخاص، وعدم المساواة فى الأجور بين النوعين، وعجز الجهود الرامية لدمج القطاعين الرسمى وغير الرسمى لتقنين أوضاع العاملين وضمان حقوقهم، وضعف دور القطاع الخاص فى تفعيل الحق فى العمل.

4) الحق فى الضمان الاجتماعى الذى يكفلهما الدستور والدولة لكل مواطن لا يستطيع العمل، أو عاجز عن تأديته، فعلى الدولة أن تكفل له الضمان الاجتماعى لتساعده فى الحياة الكريمة، وذلك من خلال فلسفة ورؤية تنتهجها الدولة فى التكافل والتضامن الاجتماعى القائم على توفير حياة كريمة للمواطنين العاجزين عن العمل، أو كبار السن، أو ذى العاهات المستديمة والأمراض المزمنة، والعاطلين عن العمل، أو النساء الفقيرات، وذلك لتحقيق العدالة الاجتماعية، وخاصة منذ بدء تطبيق برامج الإصلاح الاقتصادى والتخفيف من آثاره عن طريق شبكة للحماية الاجتماعية، من خلال برنامج دعم نقدى مشروط "تكافل وكرامة" الذى تم تخصيص ميزانية كبيرة له، وتم استهداف الفئات الفقيرة بمحافظات الوجه القبلى بنسبة 70%، واستفاد من البرنامج 3,8 مليون أسرة، كما زادت الموازنة المخصصة لبرنامج تكافل وكرامة من 147 مليون جنيه عام 2015/2014، حتى بلغت 18.5 مليار جنيه فى البرنامج المالى لموازنة عام 2020/2019. وتمت الموافقة على إنشاء صندوق لتمويل "تكافل وكرامة" للعمل على استدامة التمويل والتوسع فى استهداف المستفيدين عند الاحتياج، وعند الأزمات كنهج استباقى للتعامل مع الكوارث والأزمات، وزيادة المخصصات المستهدفة لمعاشات التأمين الاجتماعى لأصحاب المعاشات، والمبادرة الرئاسية "حياة كريمة" لتنمية وتطوير القرى المصرية 2022/2018، والعمل على ميكنة الخدمات المقدمة لشبكات الأمان الاجتماعى، وبطاقات الدعم، وغيرها من الخدمات، وتخصيص إعانات نقدية وشهرية للعمالة غير المنتظمة والمتضررة من أزمة فيروس كورونا، وإنشاء صندوق لدعم العمالة غير المنتظمة ضد المخاطر والأزمات الاقتصادية.

على الرغم من جل هذه الجهود فى مجال الحق فى الضمان الاجتماعى التى تبذلها الدولة لتحقيق العدالة الاجتماعية، إلا أن شبكة الحماية الاجتماعية والضمان لم تعد كافية لتغطية جميع الفئات الفقيرة والمستحقة، كما أن الزيادة السكانية، خاصة بين الأكثر فقرا، تشكل ضغطا على برامج الحماية الاجتماعية، بجانب عدم شمول الخدمات التأمينية لجميع الفئات المستحقة، كما كشفت أزمة كوفيد-19 عن الحاجة إلى المزيــد مــن التعزيــز لنظــم الاســتعداد والاســتجابة فــى توفير المساعدات الاجتماعية والإعانات العاجلة فى حالات الطوارئ والأزمات.

5) الحق فى الغذاء، هو حق يكفله الدستور وتلتزم الدولة بتوفير الغذاء الصحى والكافى لجميع المواطنين، وحرصت الدولة على تعزيز نمط الغذاء وتوفيره، وذلك بإطلاق المشروع القومى لاستصلاح المليون ونصف المليون فدان كخطوة أولى، وإصدار تشريعات بشأن استصلاح أراض جديدة ومنع التعدى على الأراضى الزراعية، ومحاولة تحقيق الاكتفاء الذاتى من السلع الأساسية، وتطوير وإصلاح منظومة دعم الخبز لاستهداف الفئات الأولى بالرعاية والأكثر احتياجا حيث بلغ عدد المستفيدين 79 مليون مواطن، البدء فى برنامج المشروع القومى لإنشاء (50) صومعة لتخزين القمح والغلال فى 17 محافظة بأحدث تكنولوجيا التخزين، وتطوير منظومة التموين، والجهود المبذولة فى الثروة الحيوانية والسمكية، وصدور القانون الخاص بإنشاء الهيئة العامة لسلامة الغذاء، وحماية المستهلك، وغيرها من الجهود التى تكفل الغذاء الكافى والآمن للأفراد. ولازالت هناك معوقات تحول دون توفير الغذاء الكاف لجميع المواطنين بسبب التأثر بقلة موارد المياه وفقدها فى الترع والمصارف، وآثار ملء سد النهضة، وعدم تغطية منظومة التموين ودعم الخبز للفئات المستحقة نظرا لضعف البنية المعلوماتية، واستمرار تفتيت الحيازات الزراعية والتعدى على الأراضى الزراعية، عدم وجود أجهزة رقابية على سلامة الغذاء، وقلة عدد الجمعيات الأهلية العاملة فى مجال مكافحة سلامة الغذاء وحماية المستهلك.

6) حق المواطن فى مياه الشرب الآمنة والصرف الصحى، يكفله الدستور أيضا للمواطن، وذلك من حيث الحفاظ على المياه الآمنة فى نهر النيل والخالية من الملوثات والمطابقة للمواصفات العالمية، والعمل على إيجاد بدائل لتوفير مياه صحية للشرب، مثل "إطلاق الاستراتيجية القومية للتوسع فى إنشاء محطات لتحلية مياه البحر 2025/2020"، التوسع الآمن فى المياه الجوفية، والاستفادة من حصاد الأمطار والسيول، التوعية بترشيد استهلاك المياه، والتوسع فى المشروع القومى للصرف الصحى بالقرى. وبالطبع من أكبر التحديات التى تواجه الدولة فى توفير مياه الشرب الآمنة للمواطنين أزمة سد النهضة وما ستتركه من آثار على الأجيال القادمة فى انخفاض حصة مصر من مياه نهر النيل، بجانب ثقافة سوء استخدام المياه، وعدم استكمال مشروعات تغطية الترع والمصارف، والصرف الصحى.

7) كما تلتزم الدولة بتوفير سكن لائق وصحى وآمن لجميع المواطنين من خلال مشروع الإسكان الاجتماعى الذى توفره لمحدودى ومتوسطى الدخل بما يتناسب مع مستويات وقدرات المواطنين، بجانب القضاء على المناطق العشوائية وغير الآمنة، وإطلاق "استراتيجية الإسكان فى مصر 2020"، ومبادرة "سكن كريم" فى محافظات الصعيد، وتوفير الحق فى حرمة وملكية المسكن، ووضع الضوابط القانونية التى تحقق هذا الأمر.

تظهر نقاط الضعف فى الحق فى توفير سكن صحى وآمن حيث لا يوجد تشريع لتنظيــم قطـاع الاســتثمار العقــارى لإيجـاد علاقــة متوازنــة بيــن حقــوق المســتثمرين العقارييــن وكافــة الأطــراف، وندرة الأراضى المخصصة للبناء فى بعض المحافظات ضمن مشروع الإسكان الاجتماعى، وتوفير نمط الإيجار ضمن مشروع الإسكان الاجتماعى لمحدودى الدخل لعدم قدرتهم على التملك، وزيادة تكلفة بناء الوحدات ضمن هذه المشروعات.

8) أما فيما يتعلق بالحقوق الثقافية، فتلتزم الدولة بأحقية كل مواطن فى نيل أنواع مختلفة من الثقافة، وأنها حق لكل مواطن دون تمييز، وفقا للقدرة المالية أو المنطقة الجغرافية أو غيرها، كما تلتزم الدولة بحماية الآثار وعدم إهدائها أو تبادلها حفاظًا على التراث الثقافى والخصوصية المصرية. ورغم جهود الدولة فى الحق فى الثقافة إلا أنه مازال هناك نقص كبير فى الوعى بأهمية الثقافة والفنون، والتمييز فى القدرة المادية والجغرافية، ويشكل ضعف التمويل ظاهرة مؤرقة فى تنوع النشاط الثقافى، كما أن ضعف إنفاذ التشريعات الخاصة بحماية الملكية الفكرية والثقافية، وإهمال قصور الثقافة كان له الأثر الكبير على التوعية بأهمية الحياة الثقافية. 

بالنظر فى الحقوق التى تناولها المحور الثانى، التى تتعلق بالجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والتى تكفلها الدولة لجميع المواطنين نجد أن هذه الحقوق واجب الدولة تجاه مواطنيها، وعليها الالتزام بتوفيرها لتحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة وعدم التمييز بين أفراد المجتمع، وهى لبٌ الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، وبدون توفير هذه الحقوق لا يتحقق البناء الاجتماعى للمجتمع، ويفشل فى الحفاظ على مواطنيه، ومن ثم يدفعهم لهجرته مادامت لا تتوافر لهم هذه الحقوق، كما أوضح عالم الاجتماع الألمانى ماكس فيبر فى كتاباته أن علاقة الدولة بالمواطن عملية تبادلية مركبة بين الحقوق والواجبات فيما بينهما، ومن ثم تترتب عليها ازدهار وتقدم المجتمع، فالمجتمع الجيد هو الذى يوفر لأعضائه الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وبالتالى يستطيعون من خلال ذلك، خدمة المجتمع والعمل على تقدمه ورقيه. 

المحور الثالث - تعزيز حقوق الإنسان للفئات المختلفة:

يعنى هذا المحور بتعزيز حقوق الإنسان للفئات المختلفة، حيث يشمل المرأة، الطفل، والأشخاص ذوى الإعاقة، والشباب، وكبار السن، وذلك من خلال جهود الدولة فى تحقيق تكافؤ الفرص لهذه الفئات وتعزيز فرصهم فى المجتمع، وتحقيق قدر من المساواة لهم بوصفهم من الفئات الأكثر ضعفا والتى تحتاج، فى بعض مراحل حياتهم، للدعم والمساندة لتحقيق المنافسة والوصول للعدالة والمساواة فيما بينهم على مستوى المجالات المختلفة. وقد عمدت الاستراتيجية الوطنية الإشارة لهذه الفئات لحاجتهم لمزيد من تعزيز حقوقهم على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وإتاحة الفرص لتأهيلهم وتمكينهم من الحياة الكريمة اللائقة.

1) حقوق المرأة:

على صعيد نقاط القوة التى ركزت عليها الاستراتيجية التى قامت بها الدولة لتمكين المرأة على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، يكفل الدستور للمرأة المساواة بين الجنسين فى جميع الحقوق، وبموجبه تلتزم الدولة بضمان جميع حقوق المرأة، إعمالا لمبدأ المساواة والعدالة وعدم التمييز وتكافؤ الفرص، واضطلع المجلس القومى للمرأة بحماية وتعزيز هذه الحقوق للمرأة من خلال "الاستراتيجية الوطنية لتمكين المرأة المصرية 2030" التى أطلقها، وعمد على دمج مفهوم المساواة بين الجنسين فى استراتيجية مصر للتنمية المستدامة "رؤية مصر 2030"، كما ساعد المجلس فى التقدم المرصود على صعيد تمكين المرأة اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا، حيث نالت المرأة الحق فى التصويت والانتخاب بصورة متساوية، كما خصص لها نسبة 25% فى المجالس المحلية ومقاعد مجلس النواب عام 2019، كما تم تخصيص نسبة 10% للسيدات فى مقاعد مجلس الشيوخ. هذا بخلاف زيادة نسب النساء فى تقلد الوظائف القيادية والوزارية فى العديد من الوزارات والهيئات القضائية. وفيما يتعلق بالتمكين الاقتصادى، تم تخصيص وحدات لتكافؤ الفرص بين الجنسين فى كل الوزارات لتحقيق المساواة النوعية فى بيئة العمل. كما دعم قانون الاستثمار الجديد 2017 ضمان تكافؤ فرص الاستثمار بين الرجال والنساء، وارتفاع نسب مشاركة المرأة فى العمل بالقطاعين الرسمى وغير الرسمى، وبلغت نسبة النساء المستفيدات من برنامج تكافل وكرامة 78% بهدف تحسين حياتها المعيشية وتحقيق التمكين الاقتصادى للفئات الفقيرة، بالإضافة إلى إطلاق برنامج "فرصة" بهــدف تمكيــن النســاء المســتفيدات مــن معــاش تكافــل مــن الحصــول علــى فرصــة عمــل جيــدة مــن خــلال المشــاريع متناهيــة الصغــر التــى تمولهــا وزارة التضامن. وعلى الصعيد الاجتماعى والصحى، ارتفعت نسب النساء المتعلمات تعليمًا جامعيًا، والملتحقات بالتعليم، واستفادت 30 مليون امرأة من مبادرة دعم صحة المرأة من الأمراض السرطانية، وغيرها من المبادرات التى تهدف إلى دعم وتوعية النساء بالصحة الإنجابية وتنظيم الأسرة فى إطار الاستراتيجية القومية للصحة الإنجابية 2020/2015، علاوة على مبادرة "مصر بلا غارمين 2018" بهدف تسديد ديون النساء الغارمات والغارمين، وكذلك مناهضة العنف ضد المرأة فى المجتمع، من خلال إطلاق ثلاث استراتيجيات لحماية المرأة من العنف والممارسات الضارة ضدها، وهى "الاستراتيجية الوطنية لمجابهة العنف ضد المرأة"، و"الاستراتيجية الوطنية لمكافحة ختان الإناث"، و"الاستراتيجية الوطنية للحد من الزواج المبكر" فى عام 2015، بجانب إصدار العديد من القوانين والتشريعات التى تعزز حماية المرأة وتمنع العنف والتحرش والممارسات الضارة ضدها وتغليظ العقوبة على الجانى، وإنشاء وحدات لمكافحة العنف ضد المرأة فى الوزارات المختلفة، ومجلس شكاوى المرأة التابع للمجلس القومى للمرأة والخط الساخن، وغيرها من المبادرات وحملات التوعية المختلفة لتعزيز بيئة مجتمعية آمنة للفتيات وحمايتهم من الممارسات الضارة والعنف تجاههم.

النظر فى هذه الجهود، التى بذلتها الدولة لتعزيز حماية المرأة فى المجتمع وتحقيق المساواة وتكافؤ الفرص لها، يعد تقدمًا ملموسًا على المستوى التشريعى والمؤسسى. أما على مستوى التنفيذ والمعاملة فى الواقع، نجد أنه مازال هناك ممارسات تمييزية ضد النساء ترجع للموروثات الثقافية المؤثرة فى بعض المحافظات التى تقيد حرية المرأة فى التعليم، والعمل، وامتلاك المشروعات، والحصول على الميراث، إلى جانب تفتت جهود مجابهة العنف ضد النساء فى المجتمع، وعدم وجود قانون موحد وشامل للعنف ضد المرأة، لذا ينبغى الاستمرار فى حملات التوعية لمنع الممارسات الضارة ضد النساء، مع استخدام القوى الناعمة كالدراما والسينما. 

2) حقوق الطفل: 

على مستوى حقوق الطفل وحماية الطفولة من مختلف أشكال الاستغلال والعنف ضدها، كفل الدستور صيانة هذه الحقوق، وألزم الدولة بالعمل على تعزيز هذه الحماية، ولذلك أطلقت الدولة الاستراتيجية الوطنية للطفولة والأمومة 2030/2018، والخطة الوطنية 2022/2018. كما اضطلع المجلس القومى للطفولة والأمومة بمهام حماية الأطفال وتعزيزها، وانخفضت نسبة وفيات الأطفال، والتوسع فى برنامج التغذية المدرسية المجانية، والاهتمام بالأطفال بلا مأوى، وتطوير نظام الأسر البديلة لحماية الأطفال المحرومين من الرعاية الأسرية، وإنشاء "صندوق الطفل"، وإطلاق مبادرة "قرية صديقة للطفل" لتحسين حياة الأطفال وفق الاتفاقيات الملتزمة بها مصر ومنع جميع أشكال الإساءة والعنف ضد الأطفال بحلول عام 2025، والحد من عمالة الأطفال، والحد من الزواج المبكر بين الأطفال. كما أنشئت محكمة الطفل النموذجية فى عام 2017 بالقاهرة، وقامت النيابات العامة بتطوير عدد من نيابات الطفل لتلائم ظروفهم وخصوصيتهم، وأطلقت الاستراتيجية الوطنية للرعاية البديلة للأطفال والشباب 2021.

جل هذه الجهود ينقصها الوعى المجتمعى بحقوق الطفل داخل الأسرة والمجتمع. فالتفكك الأسرى، وانتشار الطلاق، وحالات الزواج غير الرسمى أثر بالسلب على مستقبل الأطفال، ورفع أعداد الأطفال بلا مأوى أو المحرومين من النسب، والتى تزيد على السعة الاستيعابية للمؤسسات المخصصة للأطفال، مع أن ضعف التمويل، وتكلفة رعاية الأطفال المالية تسببا فى نقص عدد الجمعيات والمؤسسات التى ترعى وتحمى الأطفال، بالإضافة إلى ضعف تنفيذ القوانين التى تحمى الأطفال، وضعف دور شبكات الحماية الاجتماعية فى رعايتهم صحيًا وتعليميًا.

3) حقوق الأشخاص ذوى الإعاقة:

 يقر الدستور كفالة الدولة لحقوق الأشــخاص ذوى الإعاقــة والأقــزام، صحيًا واجتماعيًا وتعليميًا، وتوفيــر فــرص العمــل لهــم، مــع تخصيــص نســبة لهــم فيها، وتهيئــة المرافق العامة والبيئة المحيطة بهم، وممارســتهم لجميــع الحقــوق السياســية، ودمجهــم مــع غيرهــم من المواطنين، إعمالا لمبــادئ المســاواة، والعدالــة، وتكافــؤ الفــرص. وبذلت الدولة العديد من الجهود لتكفل حقوق الأشخاص ذوى الإعاقة على مختلف المستويات، حيث أصدرت قانون حقوق الأشخاص ذوى الإعاقة 2018 كأول تشــريع مصــرى شــامل لهم، كما أنشئت المجلس القومى لشئون ذوى الإعاقة 2019، وخصصت نسبة 5% لهم فى جميع الوظائف الحكومية والوزارية، كما التزمت بتمثيلهم بنسب ملائمة فى المجالس المنتخبة، وبلغت تكلفة الدعم النقدى للمستحقين منهم 5 مليارات جنيه سنويا. بجانب التوســع فــى إنشــاء مراكــز التأهيــل التخاطبــى، والعلاج الطبيعــى، إضافــة إلــى العمــل علــى توفيــر الأجهــزة التعويضيــة، وتجهيز البنية التحتية لهم، والحفــاظ علــى حقوقهم فى الســكن الملائم من خلال إلزام المهندس أو المكتب الهندسى المصمم بالاشتراطات العامة لاستخدام المعاقين، وفقا لأحــكام الكــود المصــرى لتصميم الفراغــات الخارجيــة والمبانــى، ودعــم مــدارس الدمــج (للطــلاب ذوى الإعاقــة البســيطة)، ومــدارس التربيــة الخاصــة (لــذوى الإعاقة المتوســطة والحــادة والمتعــددة)، والتدريــب المســتمر للأخصائييــن بتلــك المــدارس، وتفعيــل الأنشــطة التربويــة الصيفيــة بمــدارس ذوى الإعاقــة، علاوة على زيادة اهتمام وسائل الإعلام بقضايا ذوى الهمم.

إن ما ينقص تلك الجهود الوعى المجتمعى بأهمية حقوق الأشخاص ذوى الإعاقة ومتطلباتهم، وعدم كفاية التقنيات التى تدعمهم وتساعدهم على مواصلة الحياة فى مختلف المجالات، وارتفاع البطالة فيما بينهم، وعدم تدريبهم ورفع كفاءتهم باستمرار، وعدم تناسب كافة الخدمات لاحتياجاتهم، سواء فى وسائل النقل، أو الطرق، أو السكن، أو المدارس، بجانب نقص فى الأدوية والأجهزة التعويضية التى يحتاجون إليها، وصعوبة تمثيلهم ثقافيًا وإعلاميًا.

4) حقوق الشباب:

تلتــزم الدولــة بموجــب الدســتور برعايــة الشــباب والنــشء، والعمــل علــى اكتشــاف مواهبهــم، وتنميــة  قدراتهــم الثقافيــة والعلميــة والنفســية والبدنيــة والإبداعيــة، وتشــجيعهم علــى العمــل الجماعــى والتطوعــى، وتمكينهــم مــن المشــاركة فــى الحيــاة العامــة، ويحظى الشباب باهتمام وتشجيع القيادة السياسية، وتعقد -بصورة دورية- المؤتمرات والندوات المحلية والدولية التى تضم الشباب "منتدى شباب العالم 2018"، كما أنشئت الأكاديمية الوطنية لتدريب الشباب، وأطلق البرنامج الرئاسى لتأهيل الشباب للقيادة، كما عملت الدولة على الاهتمام بفئة الشباب على كافة المستويات فى مجال الصحة، والتعليم، والعمل، ورفع وعيهم الثقافى، ومبادرات التمويل لقروض الشباب، والتوسع فى إنشاء مراكز وبيوت الشباب فى جميع المحافظات، وكذلك التوعية ضد الهجرة غير الشرعية.

تكمن حلقة الضعف فى الاهتمام بالشباب فى انخفاض نسب مشاركة الشباب فى الحياة العامة، وقلة الاهتمام بالصحة العامة، وقلة عدد الجمعيات الأهلية المعنية باحتياجات ومطالب الشباب، وقلة وعيهم بالمخاطر والظواهر المجتمعية المختلفة وانسياقهم وراء الحقائق المزيفة، والرموز اللامعة، وسطوة وحب المال، والبعد عن القيم والأخلاقيات والعادات الأصيلة فى المجتمع.

5)حقوق كبار السن: 

تلتــزم الدولــة بموجــب الدســتور بضمــان حقــوق المســنين صحيًا، وثقافيًا، واجتماعيًا، واقتصاديًا، وترفيهيًا، وتوفيــر معــاش مناســب يكفــل لهــم حيــاة كريمــة، وتمكينهــم مــن المشــاركة فــى الحيــاة العامــة. كمــا تلتــزم بــأن تراعى فـى تخطيطهــا للمرافق العامــة احتياجــات المســنين، وأن تعمــل علــى تشــجيع منظمــات المجتمــع المدنـى علــى المشــاركة فــى رعايــة المســنين. وقد منحت الدولة معاشًا ضمانيًا لكبار السن لمن لا يتقاضون معاشًا تأمينيًا، كما طورت شبكة الأمان الاجتماعى ببرنامج "كرامة"، ومنح كبار السن فوق الخامسة والستين عامًا معاشًا، أو من يعانون من مرضًا مزمًنا أو عجزًا، وأتاحت لهم أندية ومؤسسات لرعاية المسنين، كما أتاحت الهيئة العامة لتعليم الكبار الفرصة لمواصلة تعليمهم، وصولا للتعليم الجامعى.

لكن ما ينقص حقوقهم عدم وجود تشريع يعزز حقوق كبار السن، وضعف خدمات الرعاية الاجتماعية والنفسية والصحية لهم، وعدم الوعى المجتمعى بحقوقهم.

ركز هذا المحور على تعزيز حقوق الفئات الأكثر ضعفًا فى المجتمع "المرأة، والطفل، الأشخاص ذوى الإعاقة، والشباب، وكبار السن"، ورصد نقاط القوة والفرص التى تمنحها الدولة لمساندة ودعم هذه الفئات لتحقيق العدالة والمساواة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص وعدم التمييز، والتى تنص عليها المواثيق والاتفاقيات المختلفة لحقوق الإنسان على مستوى العالم. فهذه الفئات تستحق الدعم والمساندة الفعلية من الدولة، والسعى نحو تنفيذ الاستراتيجيات والمبادرات المختلفة التى تطلقها الدولة، وخلق مناخ مجتمعى داعم ومساند لحقوق هذه الفئات، من خلال الوعى بحقوقهم فى مختلف المجالات، وباستخدام مختلف الوسائل الإعلامية التقليدية والحديثة.

المحور الرابع- التثقيف وبناء القدرات فى مجال حقوق الإنسان:  

تعنى الاستراتيجية فى هذا المحور رفع قدرات أفراد المجتمع فى مجال حقوق الإنسان، عبر نشر الوعى بهذه الحقوق على مستوى الأفراد، والمؤسسات، والمجتمع ككل، فهذا المحور بمنزلة الجانب التطبيقى للاستراتيجية، وذلك من خلال عدة بنود:

1. نشر ثقافة حقوق الإنسان: بما يضمن رفع الوعى لدى المواطنين بحقوق الإنسان، وتدريب الإعلاميين على قيم ومبادئ حقوق الإنسان، وإطلاق المبادرات الإعلامية والدينية لدعم قيم المواطنة والانتماء والتسامح واحترام حق الآخر فى الحوار.

2. إدماج مكون حقوق الإنسان فى مراحل التعليم المختلفة: اتخاذ خطوات جادة فى دمج قيم ومبادئ حقوق الإنسان فى مناهج التعليم ما قبل الجامعى، وتخصيص مواد تدرس للتعليم الأساسى بعنوان "احترام قيم وحقوق الآخر"، وتدريس مادة "حقوق الإنسان ومكافحة الفساد" فى المرحلة الجامعية كمادة إلزامية لإدراج مبادئ الشفافية والنزاهة.

3.  تدريب أعضاء هيئة الشرطة: تطوير العمل فى المؤسسات الشرطية فى مجال دعم حقوق الإنسان، وتنوع التدريبات المختلفة لأعضاء هذه المؤسسات الشرطية على قيم ومبادئ حقوق الإنسان، وإدراج مواد دراسية إلزامية "حقوق الإنسان" و"أخلاقيات الوظيفة الأمنية" فى المناهج الدراسية للطلبــة ودبلومــات الدارســات العليــا بأكاديميــة الشــرطة، وإدراج موضوعــات حقــوق الإنســان المرتبطــة بمكافحــة الفســاد، والإتجــار بالبشــر، والهجــرة غيــر الشــرعية ضمــن المناهــج التعليميــة بأكاديمية الشرطة.

4. تدريب أعضاء الجهات والهيئات القضائية: تنــوع جهــات ومراكــز التدريــب والبحــوث التابعــة للجهـات والهيئـات القضائية المعنيــة بنشــر المعارف وصقــل المهـارات فى الموضوعـات ذات الصلة بحقــوق الإنســان، والتنوع فى الخبرات العلمية والتطبيقية لدى أعضاء الجهات القضائية العاملة فى مجال التدريب.

5. تعزيز برامج العاملين بالجهاز الإداري للدولة وتثقيفهم فى مجال حقوق الإنسان: من خلال التوسع فى البرامج التدريبية فى مجال قيم ومبادئ حقوق الإنسان، وتوفير البنية المؤسسية التى تتيح التنوع فى البرامج التدريبية، وشمولية التدريب لجميع العاملين بالجهات الإدارية والمؤسسات فى الدولة لنشر الوعى بثقافة حقوق الإنسان وتعزيزها. 

يشير هذا المحور إلى دور الدولة التطبيقى فى نشر الوعى بقيم ومبادئ حقوق الإنسان عبر مستويات مختلفة، تشمل الأفراد والمؤسسات والعاملين بها، من خلال مكونى التدريب والتوعية، كما تركز على إرساء التعامل بمقتضيات حقوق الإنسان وتعزيزها فى الجهات المنوطة بالتعامل لاكتمال هذه الحقوق كالجهات القضائية والشرطية والأمنية عن طريق تدريس المواد الدراسية المختلفة، والتدريب على طرق التعامل التى تحترم حقوق الإنسان.

وسوف نتناول فى الجزء الثانى من الدراسة أهم التحديات التى تواجه تنفيذ الاستراتيجية، وأبرز الإيجابيات التى اشتملت عليها.

طباعة

    تعريف الكاتب

    د. هند فؤاد السيد

    د. هند فؤاد السيد

    أستاذ علم الاجتماع المساعد، المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية.