تحليلات - قضايا عالمية

"هتاف الفيسبوكيين" ... رؤى الخبراء والمواطن الرقمي

طباعة

"الفيس بوك هو الإنترنت بالنسبة لكثير من الناس"

دوج مادوري مديرة تحليل الإنترنت في شركة كنتيك لمراقبة الشبكة.

مر نحو ثلاثة مليارات ونصف المليار حول العالم بساعات حرجة بانقطاع الفيسبوك والواتس آب والإنستجرام لمدة ست ساعات، وتعددت الرؤى حول الحدث الذي هدد شريان الحياة الرقمية في العالم، واحتل الأمر صدارة جميع وكالات الأنباء العالمية، يتابعون الحدث لحظةً بلحظة، ولكن تبقى مجموعة من الأفكار تحتاج إلى تأمل وخطاب عقلاني مستمر لا ينتهي بانتهاء الأزمة، لأن مخاطر الرقمنة لا تتهاون مع عالمنا المعاصر، وتطل علينا بين الحين والآخر بوجه جديد يحتاج إلى رؤية جديدة واستراتيجيات جديدة وتنبؤات حكيمة. ويقدم هذا الطرح رؤية حول فهم طبيعة المخاطر الجديدة، والرؤى الاجتماعية حولها، والتنبؤات المستقبلية المرتبطة بها، وكيف تعامل المواطن الرقمي مع هذه المشكلة.

أولًا- من مخاطر استخدام التكنولوجيا إلى مخاطر انقطاعها:

تشهد هذه اللحظة تحولات كبيرة على السياق العالمي، ويمكن رصد بعضها بشكل تلغرافي سريع. فقد ذهبت العديد من الأقلام في السابق إلى استخدام لفظة "المجتمعات الافتراضية" للحديث عن التفاعلات التي تتم على الصعيد الشبكي خصوصًا الفيسبوك والتطبيقات الاجتماعية التي تقدم فرص المحادثات واللقاءات السيبرانية، ولكن الآن أصبح لفظ الافتراضي يعانى مشكلة، فهي تفاعلات تسبق الواقع أحيانًا، بالشكل الذي من الأجدى فيه استخدام المجتمعات الرقمية، ويتمثل أول التحولات في التحول من المجتمع النخبوي إلى المجتمع الرقمي الواسع: لقد بدأ هذا المجتمع بشكل نخبوي، إذ إن أعداد المستخدمين فيه كانت مقصورة على فئات معينة، إلا أن الأمر بات أكثر اتساعًا وبات من الصعب الحديث عن هذا المجتمع الرقمي بأنه مجتمع نخبوي، ولكنه مجتمع عالمي يجمع في طياته بين جميع الفئات الاجتماعية . ويتمثل الثاني في التحول من الحديث عن مخاطر التكنولوجيا إلى الحديث عن مخاطر انقطاعها، حيث امتد الحديث كثيرًا حول التأثيرات السلبية للتكنولوجيا، خصوصًا على جوانب الحياة الاجتماعية، وما تثيره من أشكال جديدة من العزلة والانفصال الاجتماعي، وأن ثمة تدخلات موسعة من الخبراء في النواحي الاجتماعية والثقافية التي تحذرنا من مخاطر التكنولوجيا وسلبية الانخراط فيها. أما هذه اللحظة، فنعتبرها فارقة، لأنها حولت الأنظار نحو مخاطر انقطاع التكنولوجيا والخسائر التي تكبدها العالم جراء هذا الانقطاع، إنه واقع يستدعي الانتباه كثيرًا. والتحليل العلمي يزخم بالعديد من التحولات التي أثرت في حياتنا.

ثانياً- "الأوفلاين" وشهادات نخبة المجتمع الشبكي:

تعددت آراء الخبراء في مختلف التخصصات حول العالم في طبيعة الأزمة، وأشارت هذه الرؤى  إلى تداعيات الأزمة على مناحي الحياة، ويمكن الحديث عن هذا الأمر عبر السياق التالي:

1-نظرية تأثيرات الديمنو: ذهبت بعض الآراء إلى أن الفيسبوك ليس موقعًا مستقلاً، ولكنه يرتبط بالعديد من التطبيقات الأخرى، خصوصًا التجارية بالشكل الذي يؤثر تعطله ويؤدي إلى تداعيات لا يقف تأثيرها عند الجوانب الاقتصادية فقط، ولكن يمتد إلى معظم أركان الحياة، فهناك الكثير من التطبيقات الملحقة بالفيسبوك والواتس آب تعمل من خلال الارتباط الشبكي، وهذا الارتباط يعتمد بالأساس على الاعتماد المتبادل بين عناصر ومكونات الشبكة، والمشكلة تتضاعف إذا كان العطل في مركز هذه الشبكة، فإنه يلعب دوره بالأساس على كل جوانبها، بالشكل الذي غرد بعض المفكرين بتوصيف التعطل بـ"قفلة" لعبة الديمينو.

2-الفيسبوك شريان الحياة الرقمية: يدرك المتابع لواقع هذه الأزمة أن الفيسبوك أصبح من أهم شرايين الحياة الرقمية في العالم، وأن تحول العالم إلى الرقمنة يزيد من أهمية هذه المواقع والتطبيقات المرتبطة بها، ويمكن أن نستدل على ذلك بمتابعة الخسائر التي خسرها الفيسبوك، فبعد دقائق من التعطل خرجت إدارة الفيسبوك معلنة  الخسائر الذي تجاوزت المليارات السبعة من الدولارات في الدقائق الأولى، ثم وصلت إلى عشرين مليون قرب نهاية الانقطاع، ومازالت الاجتهادات تحصي الخسائر. ومن الجدير بالاعتبار أن هذه خسائر المنتج للخدمة دون خسائر المستخدمين التي لا يمكن حصرها بسهولة، خاصة أن هناك العديد من الأعمال تتوقف على الفيسبوك وتطبيقاته.

3-ماذا قال الخبراء عن الأزمة: ذهبت مجموعة من نخبة المجتمع الشبكي والعاملين في الحقل التكنولوجي يحللون الحدث وتأثيراته، منهم "بروك إيرين دافي" وهو أستاذ الاتصالات بجامعة كورنيل، حيث ذهب قائلاً "لقد أدى انقطاع الخدمة اليوم إلى جعل اعتمادنا  على الفيسبوك والواتس آب والإنستجرام واضحًا للغاية ... إن الانقطاع المفاجئ يسلط الضوء على المستوى المذهل الذي تتوسط به الرقمنة حياتنا بشكل متزايد". إن هذه الكلمات توضح الدور البارز للرقمنة بوصفها وسيطًا حياتيًّا لملايين البشر. وفي ذات الوقت، يذهب مارك دونلي، وهو صاحب علامة كبيرة في الأزياء قائلًا "فقدان أربع أو خمس ساعات من المبيعات قد يكون الفارق بين دفع فاتورة الكهرباء أو الإيجار لمدة شهر". إن هذه الشهادة تشير إلى التأثيرات القوية للانقطاع على النواحي التجارية وحركة البيع والشراء، خصوصًا للذين يعتمدون عليها في هذه المناحي، وهم كثر. وفي نفس الوقت، ذهب "دوجلاس فيني"، وهو أحد مشاهير الألعاب عبر الفيسبوك، والذي جمع أموالًا طائلة من اشتراك الألعاب قائلًا "أمر صعب أن ينخفض دخلك الأساسي... الوضع فعلًا مخيف". وفي نفس السياق، ذهب " آدم موسيري" مسئول الإنستجرام قائلًا "اليوم يعادل يوم الثلج". ومن أهم الشهادات مذكرة قطاع الأمن بالفيسبوك، والتي ذهب جزء منها يسرد الأزمة قائلًا "بعض الموظفين عادوا إلى العمل في المكتب ولم يتمكنوا من دخول المباني وقاعات المؤتمرات، لأن شاراتهم الرقمية توقفت عن العمل، وذهب مهندسو الأمن إلى أنهم منعوا من تقييم الانقطاع، لأنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى مناطق الخوادم... إن الانقطاع خطر كبير على الأشخاص، وخطر على الأصول، وخطر على سمعة الفيسبوك".

ثالثًا- صياحات المواطن الرقمي... بين الفرح والحزن:

يمكن القول إن الفيسبوك والتطبيقات الرقمية أفرزت مواطنة جديدة، وهي المواطنة الرقمية، وارتبط بها مواطن رقمي، ولا يمكن أن نضع جميع المواطنين الرقميين في سلة واحدة، فثمة أنماط لهذا المواطن تكشف عن طريقة تعامله مع الأزمة. هناك المواطن النشط الذي يتعامل مع التكنولوجيا ويتعاطى معها بشكل قوي، وهذا المواطن في الغالب له العديد من البدائل التي يستطيع الهجرة إليها ليشبع رغبته في التفاعل، وتستمر ديمومة تفاعلات الرقمية. وهناك المواطن التضامني، وهو المواطن الذي لم يتأثر كثيرًا جراء الانقطاع، ولكنه يتضامن مع المتأثرين به. وهناك المواطن الرقمي الهامشي، وهو الذي ينظر إلى الحدث من بعيد دون أن يتأثر بالانقطاع أو بالاستمرار.

وقد كشفت العديد من المواقع الإخبارية عن سؤال، مفاده: ماذا فعلت فى أثناء فترة توقف الفيسبوك؟ إن المتأمل لواقع التعليقات يجد أنها اتجهت إلى عدد من المسارات: المسار الأول هو هتاف الفيسبوكيين بضرورة العودة إلى الحياة الاجتماعية وتفاعلات الوجه بالوجه مرة  أخرى، إذ شعروا بأن العالم الرقمي فرض عليهم قيود الشاشات والباقات والهواتف الذكية، وتمنى هؤلاء، خصوصًا الذين لا تربطهم مصالح تجارية مع هذه المواقع باستمرار التعطل. أما المسار الثاني من التعليقات، فقد ذهب إلى الملل من قضاء الوقت دون هذه المواقع، فهذه المواقع تعد أسلوب حياة، خصوصًا لدى الذين تربطهم علاقات مصالح مع هذه المواقع، أو لديهم إدمان للتكنولوجيا بشكل عام، وهذه المواقع بشكل خاص. أما المسار الثالث والأخيرة، هو الأغلب، وقد اتجه إلى السخرية من الانقطاع بالاعتماد على ثقافة الصورة أو الكلمة أو الكوميكسات.

رابعًا- هل ثمة تنبؤات مستقبلية؟

يحاط المستقبل القريب بالعديد من الأمور التي يمكن التنبؤ بها، وبه بعض المسارات التي سيكون من الصعب التنبؤ بها. أما الأمور المستقبلية المحتملة، فإننا نتوقع سيلاً من الدراسات حول إحصاء الخسائر المباشرة وغير المباشرة للتعطل، فإذا كان من السهولة حصر الخسائر المرتبطة بالمواقع التي تعطلت، فليس من السهولة حصر الخسائر المرتبطة بهذا التعطل، لذا سيعمل العديد من الباحثين، والعديد من الفرق والمعاهد البحثية على هذا الأمر في المستقبل . كما أن المستقبل القريب سيشهد حركة تحولات نحو التطبيقات الأخرى، مثل "تويتر" الذي نال شعبيته بعد انقطاع الفيسبوك، بل ستحاول العديد من الدول أن تقود تجربة إنشاء مواقع تواصل اجتماعي محلية خاصة بها. أعتقد أن هذا الأمر بات وشيكًا، وسيزيد من تفتت العلاقات الشبكية في المستقبل القريب، وستحاول العديد من الدول جاهدة أن تسعى إلى إنشاء مواقع التواصل المحلية الخاصة بها.

وثمة توقعات مستقبلية يصعب التنبؤ بها، وبصرف النظر عن سبب التعطل الذي شابه الكثير من الغموض والعديد من الاجتهادات والشائعات، وبصرف النظر عن التبريرات التي قدمتها إدارة الفيسبوك، فليس من السهولة التعرف على مستقبل تعطل هذه التطبيقات مرة  أخرى، وتداعيات ذلك، وسيبقى التساؤل: هل هذه المشكلة ستعيد النظر في صياغة العلاقات الاجتماعية على نحو واقعي أكثر، كما ذهب العديد من المتفاعلين أم لا؟ إنها خيارات المستقبل، وهو ليس ببعيد.

وأختتم  بما قالته إدارة الفيسبوك "نحن آسفون... شكرًا لتعاونكم معنا".

طباعة

    تعريف الكاتب

    د. وليد رشاد زكي

    د. وليد رشاد زكي

    أستاذ مساعد علم الاجتماع الرقمي- المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية