تحليلات - شرق أوسط

العلاقات السعودية- الهندية.. بين المتطلبات الاستراتيجية والمنافع الاقتصادية

طباعة
قبل أيام، وتحديدًا في السابع عشر من فبراير الجاري، قام ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، بجولة آسيوية شملت كلًا من باكستان والصين، إلى جانب الهند التي كانت ثانية محطاته. لم تكن هذه المرة الأولى التي يلتقي فيها ولي العهد رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، حيث سبق للأخير أن قام بزيارة الرياض في أبريل 2016. إلا أن لقاءه هذه المرة كان ذا طابع خاص.
 فقد تم الاتفاق على إنشاء "مجلس للشراكة الاقتصادية"، كما اختص ولي العهد الهند وحدها باستثمارات بلغت نحو 100 مليار دولار(1)، مما يشير إلى أن العلاقة بين البلدين تأخذ اتجاهًا تصاعديًا، وتثير في الوقت ذاته عدداً من التساؤلات بشأن أهداف كلا الطرفين من هذه الشراكة، وما إذا كانت هناك أسباب أو أطراف أخرى قد تشكل عائقاً أو لا يروق لها تطور علاقة البلدين كما هي الآن.
 
أولا- تاريخ التعاون بين السعودية والهند: 
على الرغم من عدم تمتع البلدين بعلاقات وثيقة قبيل بدايات التسعينيات، فإن الفرص الاقتصادية أجبرت كلتا الدولتين على توثيق العلاقات. فبعد انتهاء الحرب الباردة، ومع التغيير في النظام العالمي، عملت الهند على إعادة توجيه سياستها الخارجية، واستحدثت سياسة اقتصادية تقوم على التحرير. وقد ادى هذا الانفتاح إلى زيادة اعتمادها على النفط، لضمان أمنها في مجال الطاقة، الأمر الذي حتم عليها التوجه إلى دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، التي وجدت فى الهند سوقا لنفطها الخام.
منذ ذلك الحين، بدأ التعاون الاقتصادي بين البلدين في النمو تدريجيًا إلى أن جاءت اللحظة الفارقة مع زيارة الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود لنيودلهي عام 2006. فخلال هذه الزيارة، وقع البلدان "إعلان دلهي"، الذي وفر إطاراً لتعزيز التعاون بينهما في مجالات التجارة والاستثمار، والطاقة، والأمن، وتكنولوجيا المعلومات. وكان من نتائج هذا التعاون ارتفاع حجم التبادل التجاري بينهما خلال عام واحد (من 2006 إلى 2007) من 3.4 مليار دولار إلى 15.9 مليار دولار(2).
ومع تطور التبادل التجاري، ازداد النشاط السياسي، وبدأت القضايا الاستراتيجية تكتسب أهمية خاصة. وما عزز الأمر "إعلان الرياض" الذي تم توقيعه بين الطرفين عام 2010 عقب زيارة رئيس الوزراء الهندي آنذاك، مانموهان سينج. فمن خلال هذا الإعلان، تم وضع الأُطر الأولية للتعاون في مجالي الأمن والدفاع.
ورغم هذا التطور، فإن التعاون لم يشهد نقلة نوعية أخرى إلا عام 2014، عندما فاز التحالف الديمقراطي الوطني بقيادة حزب "بهاراتيا جاناتا" بالانتخابات العامة وشكّل الحكومة الجديدة تحت رئاسة مودي الذي أعطى للسياسة الهندية دفعة جديدة  تقوم على الهند لعب دور أكبر فى السياسة العالمية(3). 
وبالفعل، عمل مودي على تطوير العلاقات مع الخليج بصفة عامة والمملكة بصفة خاصة، وتوج الأمر بزيارته لها في أبريل 2016 - كما سبقت الإشارة- وهي الزيارة التي نتج عنها استثمارات عدة في مجال تكرير النفط والبتروكيمياويات، فضلًا عن استثمارات بنحو 10 مليارات دولار في مجال التقنية والشركات الصغيرة(4). كذلك، تم الاتفاق على تكثيف التعاون الدفاعي بين الجانبين، عبر إجراء التدريبات العسكرية المشتركة، وتبادل استقبال السفن والطائرات الزائرة من كلا البلدين.
 
ثانيا- مستوى العلاقات الاقتصادية السعودية-الهندية:
على هذا النحو، عمدت المملكة إلى استمرار هذا التعاون وتطويره لآفاق أكبر وباستثمارات جديدة. فعقب زيارته لباكستان هبطت طائرة ولي العهد السعودي بمطار نيولدلهي (20 فبراير)، وبعد استقبال حار من رئيس الوزراء الهندي شخصيا - في خروج عن البروتوكول الحكومي المُعتاد - تم عقد مباحثات عدة تركزت بالأساس على الجانب الاقتصادي في علاقة البلدين. 
أسفر الأمر عن خمس مذكرات تفاهم في الاستثمار، والسياحة، والإسكان، والمعلومات، والإذاعة. كما أعلن ولي العهد عن استثمارات بقيمة 100 مليار دولار في مجالات تشمل الطاقة، والتكرير، والبتروكيماويات، والبنية التحتية، والزراعة، والتصنيع(5). وهي قيمة تفوق ما استثمرته الشركات السعودية بالسوق الهندية منذ بداية الألفينيات حتى عام 2016. فخلال هذه الفترة بلغ حجم الاستثمار السعودي نحو 75 مليار دولار.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فالمملكة اليوم هي رابع أكبر شريك تجاري للهند بعد الصين، والولايات المتحدة الأمريكية، واليابان. وهي مصدر رئيسي للطاقة، حيث تستورد الهند منها نحو 19٪ من احتياجاتها النفطية، بما يمثل نحو 800 ألف برميل يومياً من النفط السعودي يوميا. أما معدل التبادل التجاري بينهما، فقد ارتفع خلال الفترة من 2017 إلى 2018 بنسبة 9.5% ليصل إلى 27.48 مليار دولار(6).
كذلك، يعمل بالمملكة أكثر من ثلاثة ملايين هندي يشكلون أكبر جالية أجنبية تنخرط في سوق العمل المحلي، وهي أكثر العمالة تحويلات مالية إلى بلدها(7). فوفقًا لإحصاءات رسمية، فقد ناهزت تحويلات الهنود من السعودية 10.5 مليار دولار عام 2015.
وبالرغم من هذا التطور فى التعاون الاقتصادي بين البلدين، فإن التعاون في مجالي الدفاع والأمن بينهما لا يزال جديدًا نسبيًا. ويمكن القول إن البداية الحقيقية له كانت في فبراير 2012 مع زيارة وزير الدفاع الهندي، إيه. كي. أنتوني إلى المملكة. فخلال تلك الزيارة تم وضع الأساس لاتفاقية دفاعية على نطاق واسع، كما تم تشكيل لجنة مشتركة للتعاون الدفاعي بين الجانبين. وفي عام 2014، تم توقيع اتفاقية الدفاع المشترك بينهما(8)، فضلًا عن من المعاهدات التي تهدف إلى مكافحة تمويل الإرهاب، وغسل الأموال، وتسليم المجرمين.
 
ثالثا- آليات السعودية لتحقيق توازن علاقتها مع الهند وباكستان:
رغم تطور العلاقات بين المملكة والهند على هذا النحو، فإن ذلك لا يكون على حساب علاقاتها مع باكستان العدو اللدود للهند. فالمملكة في هذا المسار تعمل على تحقيق التوازن في علاقاتها بالطرفين. وقد ظهر هذا جليًا فى هذه الجولة التي أجراها ولي العهد، بن سلمان. إذ كانت باكستان أولى محطاته، وحرص على تعزيز التعاون الاقتصادي بينهما، عبر حزمة من الاستثمارات بقيمة 20 مليار دولار، تضمنت مصفاة، ومنشأة نفطية بقيمة 10 مليارات دولار في ميناء جوادر الاستراتيجي على بحر العرب(9).
ولم تكن هذه المرة الأولى. ففي كل مرة تجري المملكة زيارة إلى الهند، غالبًا ما تتبعها بزيارة إلى باكستان، كما كان الحال عام 2014 حينما زار الأمير سلمان بن عبدالعزيز (حينها) نيودلهي، ووقع اتفاقية للتعاون الدفاعي. فقبل هذه الزيارة، قام الأمير أيضاً بزيارة إلى إسلام أباد، وتعهد بزيادة التعاون الثنائي في مجال الدفاع.
كما أعلنت المملكة عن هذا التوجه صراحة في أحد تصريحات وزير الخارجية السعودي عادل الجبير(10)، عندما قال إن علاقة المملكة مع الهند استراتيجية، وتقوم على المصالح المشتركة، سواء الاقتصادية، أو الأمنية، بينما العلاقات مع باكستان تقوم على شراكة وتحالف تاريخي مستمر، وستبقى هكذا.
ورغم رفض باكستان المشاركة الحرب التي تخوضها السعودية في اليمن، ورفضها التحالف ضدَّ الإرهاب الذي أعلنَ عنهُ بن سلمان، فإن المملكة لا تزال حريصة على هذه العلاقة، الأمر الذي يرجع -في أحد أسبابه- إلى علاقات التحالف والتعاون التاريخية بين البلدين، حيث سبق أن ساعدت باكستان القوات الجوية السعودية في بناء طائرات مقاتلة عام 1960، فيما وعدت السعودية أيضاً بتوفير الدعم الاقتصادي والدبلوماسي لإسلام أباد، عندما أجرت الأخيرة تجاربها النووية في عام 1998(11). 
أما السبب الآخر، فهو حاجة الرياض لباكستان كشريك اقتصادي لتنفيذ خطتها طويلة الأجل لتنويع الاقتصاد، وتقليص الاعتماد على صادرات النفط الخام، إلى جانب رغبتها في ضم باكستان إلى صفوف الدول المؤيدة للمملكة، على حساب علاقاتها مع إيران.
 
رابعا- مآلات التعاون السعودي- الهندي في محاولة تطويق إيران:
لا تتوقف جهود المملكة عند حد محاولات تحقيق التوازن في علاقاتها بكلٍ من الهند وباكستان. فهي تسعى من جانب آخر إلى تطويق النفوذ الإيراني بإضعاف تحالفاتها مع الدول التي ترتبط معها بعلاقات قوية، ومنها الهند. 
فدائمًا ما كانت طهران أحد مصادر الطاقة الخارجية الأساسية لنيودلهي، حيث بلغ حجم التعاون بينهما فى هذا المجال نحو 25 مليار دولار(12)، وأصبحت إيران أكبر مورد نفط إلى الهند في أكتوبر2016، حيث قفزت واردات النفط الهندية منها ذاك العام إلى أعلى مستوياتها بعد رفع العقوبات الامريكية. وبينما تطورت العلاقة الاقتصادية بين طهران ونيودلهي، تطورت أيضًا العلاقات العسكرية ووصلت إلى حد الحقّ في استخدام القواعد العسكرية لبعضهما بعضاً في حالة الحرب.
 بصفة عامة، فالعامل الرئيسي في علاقة الهند بإيران هو رغبتها في بسط نفوذها في آسيا الوسطى وما ورائها. فالهند تعمل حالياً على تطوير ميناء تشابهار الإيراني، كبداية لطريق يمر عبر أفغانستان التي مزقتها الصراعات الداخلية، وكبوابة تنفذ منها الهند إلى آسيا الوسطى. ويعد هذا استثماراً مالياً واستراتيجياً على حد سواء، بالنظر إلى أن باكستان لا تسمح للهند بالوصول إلى أفغانستان، وآسيا الوسطى. 
بالفعل توصلت الهند خلال زيارة مودي إلى إيران في مايو 2016، لاتفاق ثلاثي بينها وبين كلٍ من طهران وأفغانستان لتطوير الميناء (تشابهار)، وخصصت له مبلغ 85 مليون دولار لتطويره، فضلًا عن خطط أخرى بلغت قيمتها الإجمالية نحو نصف مليار دولار، حيث تنظر إليه كبديل عن ميناء جوادار الباكستاني(13).
على هذا النحو، فالتحدي الحقيقي للعلاقات بين المملكة والهند هو تلك العلاقات التي تربط الأخيرة بطهران، فإن حاولت المملكة الضغط، وجذب الهند في صفوف الدول المؤيدة لها في مواجهة طهران، فسيضع ذلك الهند فى مأزق كبير، وربما سيكون عليها الاختيار بين السعودية أو طهران. 
 
المراجع:
(1) رئيس وزراء الهند: السعودية أهم شريك لنا وتمدنا بالطاقة، العربي، 20 فبراير 2019، متاح على الرابط: 
 https://bit.ly/2STwdO0
(2)Muddassir Quamarm, Indo-Saudi Relations: Emerging Strategic Dimensions, Dirasat, No. 32 Associate Fellow, Institute for Defence Studies and Analyses, New Delhi, February 2018, Available on: https://idsa.in/idsanews/muddassir-quamar-research-paper-on-indo-saudi-relations-published-by-king-faisal-center
(3) Ibid.
(4) رئيس وزراء الهند: السعودية أهم شريك لنا وتمدنا بالطاقة، مرجع سابق.
(5) India and Saudi Arabia take bilateral relationship to new heights, Arab news, 24 February, 2019, Available on: http://www.arabnews.com/node/1455606/saudi-arabia
(6) 19 February 2019, Available on:  India-Saudi Bilateral Relations, Embassay of India,
http://www.indianembassy.org.sa/india-saudi-arabia/india-saudi-bilateral-relations
(7) Why is India’s Modi visiting Saudi Arabia, Brookings, April, 2016, Available on:
https://www.brookings.edu/blog/markaz/2016/04/01/why-is-indias-modi-visiting-saudi-arabia/
(8)  رؤية هندية: أبعاد ودوافع التقارب الهندي- السعودي، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 3 فبراير 2015، متاح على: https://bit.ly/2Tci7qa
(9) بن سلمان يعلن توقيع اتفاقيات بعشرين مليار دولار مع باكستان، يورو نيوز، 17 فبراير 2019، متاح على الرابط: 
https://arabic.euronews.com/2019/02/17/mbs-signs-agreements-with-pakistan-worth-20-billion-dollars
(10) كيف يمكن فهم السياسة الخارجية الهندية في منطقة الشرق الأوسط؟، روسيا الآن، 10 أبريل 2016، متاح على الرابط: https://bit.ly/2EaiacA
(11) رؤية هندية: أبعاد ودوافع التقارب الهندي- السعودي، مرجع سابق.
(12) نويد أحمد، الهند .. شريك إيران الاستراتيجي الخفي، العربي الجديد، 15 يناير 2016، متاح على: https://bit.ly/21pK7ji
(13) المأزق الهندي بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني، الشرق الأوسط، 12 مايو 2018، متاح على: https://bit.ly/2Np8MpG
 
طباعة

    تعريف الكاتب

    دينا حلمي

    دينا حلمي

    باحثة ماجستير في العلاقات الدولية