تحليلات

المخاوف الداخلية والخارجية لعودة ترامب المحتملة

طباعة

 سيشهد الخامس من نوفمبر لعام 2024 إجراء الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأكثر صعوبة؛ حيث تشير استطلاعات الرأى العام التى أجرتها (رويترز/إبسوس) إلى دعم شعبى متقارب يتقدم فيه "جو بايدن" على منافسه فى السباق الرئاسى "دونالد ترامب"  بفارق 1% فقط (1)، وعلى الرغم من الدعم الذى يتمتع به المرشحان فإن كلا منهما يواجه بعض التحديات؛ فالرئيس الحالى "جو بايدن" يواجه انتقادات لاذعة من الحزبين الديمقراطى والجمهورى بشأن عدة إخفاقات تتعلق بأمن الحدود الجنوبية وموقفه من الحرب على غزة، بالإضافة إلى اتهامه بعدم قدرته على أداء مهامه؛ نظرًا لضعف ذاكرته وتدهور حالته الصحية التى كشفت عنها التقارير الطبية، لكن لا يزال "بايدن" البالغ من العمر 81 عاما يسعى إلى فترة رئاسية جديدة، فيما يواجه المرشح الآخر والرئيس السابق للولايات المتحدة "دونالد ترامب" عدة قضايا جنائية تتعلق بالتزوير والأموال غير المشروعة التى قد تفضى إلى الحكم بالسجن إذا تمت إدانته، وبالفعل قد مثل " ترامب " فى أبريل الماضى أمام محكمة جنائية فى مانهاتن "نيويورك" متهما بالتزوير، وما زالت المحاكمات مستمرة.

 لكن على الرغم من تقارب المشهدين والتحديات التى يواجهها كلا المرشحين، فإن "ترامب" تحديدًا يعد السياسى الأكثر إثارة للانقسام والجدل فى الولايات المتحدة، وتثير عودته رئيسا للولايات المتحدة من جديد المخاوف ليس فقط داخليا بل خارجيا أيضا.

إن سياسات ترامب المتأثرة بانتمائه إلى الحزب الجمهورى المحافظ تتسبب دائمًا فى إثارة الجدل، فكما هو معروف، يهيمن على النظام السياسى فى الولايات المتحدة حزبان رئيسيان هما: الحزب الديمقراطى والحزب الجمهورى، وينتمى كل رؤساء أمريكا فى العصر الحديث إلى أحد هذين الحزبين، فالحزب الديمقراطى -حزب الرئيس الأمريكى الحالى "جو بايدن"- هو حزب سياسى ليبرالى، يفضل الاقتصاد المختلط وتدخل الحكومة فى الاقتصاد، ويدعم نظام الضرائب التصاعدية، والضمان الاجتماعى، والرعاية الصحية الشاملة، والتعليم العام، والإسكان المدعوم، كما يدعم تطوير البنية التحتية واستثمارات الطاقة النظيفة لتحقيق الأهداف الاقتصادية، فيما الحزب الجمهورى الذى ينتمى إليه المرشح الرئاسى "دونالد ترامب" هو الحزب السياسى المحافظ فى الولايات المتحدة، ومن أبرز اتجاهاته خفض الضرائب وتقليص دور الحكومة، ودعم السياسات المتشددة تجاه الهجرة والإجهاض.

مع اقتراب موعد السباق الرئاسى وإمكانية وصول "ترامب" إلى البيت الأبيض مرة أخرى، ظهرت حالة من القلق بين السياسيين والمواطنين الأمريكيين من جهة وحلفاء واشنطن من الجهة الأخرى؛ فى نظر البعض إلى سياسات واتجاهات"دونالد ترامب" على أنها تشكل تهديدا داخليا وخارجيا للولايات المتحدة، خاصة أنه فى الوضع الحالى لا تعد تلك السياسات مجهولة بل اختبرتها الولايات المتحدة والعالم من قبل خلال فترته الرئاسية السابقة، وفى الوقت الذى يسعى فيه "دونالد ترامب" إلى إعادة انتخابه مرة أخرى، يستمر خطابه فى الابتعاد عن الشكل التقليدى لخطابات المرشحين الرئاسيين فى تاريخ الولايات المتحدة، ولم تمر تصريحاته المثيرة دون أن يلاحظها أحد، فقد سلط العديد من الخبراء الضوء على ما يمكن أن تواجهها الولايات المتحدة إذا تُرجم هذا الخطاب إلى سياسة فعلية؛ حيث تعكس تصريحات ترامب وحملاته الانتخابية صورة فترة حكم تتميز بلغة متطرفة وسياسات مثيرة للانقسام بشأن العديد من القضايا الداخلية والخارجية.

أولًا- مخاوف تتعلق بالشأن الداخلي للولايات المتحدة:

الترحيل الجماعي للمهاجرين وتأثيره على الاقتصاد الأمريكي

تفاقمت المخاوف بشأن الوضع الداخلى للبلاد فى حال عودة "دونالد ترامب" بعد خطابهالذى ألقاه فى "ميشيجان"؛ حيث قدم فيه تصورا للسياسات التى سينتهجها إذا وصل إلى السلطة، فتشمل خطط ترامب المعلنة السعى للانتقام من المعارضين السياسيين، وتطهير الحكومة الفيدرالية، وتنفيذ عمليات ترحيل جماعى، ونشر الجيش داخل البلاد لملاحقة المهاجرين، وحذر من أن العنف والفوضى سوف يلتهمان أمريكا إذا لم يفز فى انتخابات الخامس من نوفمبرالقادمة.

جعل ترامب من الهجرة أهم القضايا الداخلية لحملته، حيث توعد بأنه سيقود أكبر عملية ترحيل جماعى للمهاجرين فى التاريخ الأمريكى بمجرد إعادة انتخابه، وسيقوم بإنشاء معسكرات احتجاز واستخدام الحرس الوطنى والجيش لملاحقتهم، رغم أن القوانين لا تسمح بتدخل عناصر القوات المسلحة فى تطبيق القوانين داخل البلاد، كما أنه سينهى حق المواطنة بالولادة وسيوسع حظر السفر على الأفراد من دول بعينها.

فى تصريحاته الأخيرة، وصف "ترامب" المهاجرين بشكل غير قانونى فى الولايات المتحدة بأنهم "حيوانات وليسوا بشرا"، وأشار كثيرا فى خطاباته إلى أن المهاجرين الذين يعبرون الحدود بشكل غير قانونى قد هربوا من السجون والملاجئ فى بلدانهم الأصلية ويزيدون من جرائم العنف فى الولايات المتحدة، وانتقد تعامل إدارة بايدن مع الحدود الجنوبية بسبب تدفق بين 800 إلى 1000 مهاجر مؤخرا إلى "وايت ووتر"؛ ولهذا السبب تعرضت إدارة "بايدن" لملف الهجرة لانتقادات من جمهوريين وديمقراطيين؛ إذ بلغ عبور المهاجرين للحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك مستويات قياسية خلال فترة ولايته ما أثر بشكل واضح فى كفاءة التعليم والصحة (2).

تسبب أسلوب "ترامب" الجرىء والمثير للجدل فى وصف المسئولين والسياسيين الديمقراطيين خطاباته بالخطابات المتطرفة التى تعزز الانقسام والكراهية والعنف فى البلاد، وأكد الباحثون أنه وفقا للبيانات فإن الأشخاص الذين يعيشون فى الولايات المتحدة بشكل غير قانونى لا يرتكبون جرائم عنف بمعدل أعلى من المواطنين المولودين فى الولايات المتحدة، وفى مسألة أمن الحدود يلقى "بايدن" باللوم على "ترامب" بسبب تشجيعه للجمهوريين على عدم تمرير تشريع فى الكونجرس كان من شأنه تعزيز الأمن على الحدود الجنوبية وتقديم إجراءات جديدة تهدف إلى الحد من الهجرة غير الشرعية.

من جهة أخرى، يشعر بعض الاقتصاديين بالقلق من أن حملة ترامب المقترحة ضد الهجرة - إذا نجت من التحديات القانونية - ستؤدى إلى نتائج عكسية على الاقتصاد الأمريكى؛ وذلك من خلال تفاقم أزمة نقص العمالة، ورفع التضخم، الذى من شأنه أن يخلف عواقب خطيرة على بنك الاحتياطى الفيدرالى، حيث سيكون مجبرا على رفع أسعار الفائدة لفترة أطول من المتوقع لمحاربة التضخم (3)؛ لذلك غالبًا ستكون قضية الهجرة واحدة من القضايا المركزية فى انتخابات نوفمبر، حيث سيستمر كل من المتنافسين فى محاولة تصوير الآخر على أنه مخطئ فيما يتعلق بأمن الحدود.

إعادة تشكيل الحكومة الفيدرالية وتهديد الديمقراطية

بالإضافة إلى ما سبق، فإن ترامب أيضا متهم بأنه يشكل تهديدا على الديمقراطية فى الولايات المتحدة؛ بسبب رغبته العميقة فى تغيير وتحويل الحكومة الأمريكية بالكامل، ويتضح ذلك فى خطاباته التى تشمل هجمات على المعارضين السياسيين والمؤسسات والأعراف الديمقراطية؛ فقد أدلى بتصريحات تشكك فى نزاهة انتخابات عام 2020، ما يعنى التشكيك فى أساس العملية الديمقراطية فى الولايات المتحدة(4)، كما أنه يخطط لإعادة تشكيل الحكومة الفيدرالية بشكل جذرى إذا عاد إلى البيت الأبيض، وسيقوم بإلغاء الوكالات الحكومية وتسريح عشرات الآلاف من العمال واستبدال الموالين له بهم، ما يعنى أن إدارة ترامب ستكون مختلفة تمامًا حيث يسعى لحشد السلطة من قبل المنظمات المحافظة المحيطة به (5).

ثانيًا: مستقبل العلاقات الخارجية الأمريكية  تحت ولاية ترامب:

الانسحاب من الناتو وقطع التمويل العسكري

مع أن عودة ترامب ليست مؤكدة حتى الآن لكن احتمالية العودة ترغم زعماء أوروبا على التفكير فى آثار هذا السيناريو، فيرى المسئولون الأوروبيون أن وصول ترامب إلى البيت الأبيض يمكن أن يشكل خطرا كبيرا على الأمن الأوروبى؛ فقد تحدث "ترامب" دائما خلال فترة رئاسته عن رغبته فى وقف تمويل حلف شمال الأطلسى (الناتو)، كما أثنى أيضا على ذكاء القادة الذين يعدون خصومًا لنفس التحالف العسكرى، بما فى ذلك الرئيس الروسى "فلاديمير بوتين"، وقال إنه قد يشجع الهجوم الروسى إذا لم يلتزم حلفاء واشنطنبدفع الالتزامات المادية؛ لذلك هناك قلق بشأن ما قد تعنيه رئاسته الثانية للصراع بين روسيا وأوكرانيا؛ حيث صرح مؤخرًا بأنه سيكون قادرًا على حل الصراع بين روسيا وأوكرانيا فى يوم واحد فقط، كما انتقد ترامب حلف شمال الأطلسى (الناتو) لاعتماده المفرط على الولايات المتحدة؛ ومن ثم ازدادت المخاوف حول احتمالية انسحاب الولايات المتحدة من الناتو(6).

ومؤخرا مع بدء الحملات الانتخابية، أظهر ترامب رغبته المستمرة فى مقاومة حلف شمال الأطلسى والدعم الحربى لأوكرانيا، والجدير بالذكر أنه بالفعل كان ترامب قد اقترب من إعلان الانسحاب الأمريكى من الناتو فى قمة بروكسل عام 2018، لذلك يؤكد السياسيون أن ترامب سيكون أكثر تصميما على الخروج من الناتو إذا أعيد انتخابه عام 2024، وحتى إذا لم يتخذ خطوة جدية تجاه سحب الولايات المتحدة من التحالف، فإن الدعم المالى لأوكرانيا قد يتم سحبه أو ربطه بشروط رغم حقيقة أن "كييف" أصبحت فى حاجة ماسة إلى المساعدات العسكرية الغربية للتصدى للهجوم الروسى.

لقد أشار" ترامب" إلى أن دعم الناتو مشروط بأن يلتزم الحلفاء "بشكل عادل" بالوفاء بالتزاماتهم المتعلقة بالإنفاق الدفاعى، وحذر من أن الفشل فى تحقيق ذلك قد يترك الحلفاء وحدهم، واقترح أن تقديم المساعدات الحربية من الولايات المتحدة سيعادل فقط ما تقدمه الدول الأوروبية، ما يؤكد أن ولاية ترامب الثانية ستكون لها آثار عميقة فى الأمن الأوروبى، وحتى لو بقيت الولايات المتحدة فى حلف شمال الأطلسى، فإن مستوى التزام الإدارة بالدفاع الجماعى وتحديدا تجاه أوكرانيا سيكون موضع قلق؛ حيث ستقوم الولايات المتحدة بإيقاف التوسع والعمليات فى المنطقة، وتسحب الكثير من وجودها العسكرى من أوروبا، وستصر على أن تصبح الجيوش الأوروبية خط الدفاع الرئيسى ضد روسيا، والواقع يقول إن حلف شمال الأطلسى غير مستعد على الإطلاق لهذا الاحتمال، فمن غير الممكن أن تنجح استراتيجيات حلف شمال الأطلسى فى غياب واشنطن.

 حرب تجارية محتملة مع الصين

تتصدر علاقة الولايات المتحدة بالصين أيضًا أجندة دونالد ترامب وبرنامجه الانتخابي ، وتترقب بكين عودة السياسي الأكثر تشددًا تجاهها، فلقد تحسنت العلاقات نوعيا بين الصين والولايات المتحدة خلال العام الماضي تحت إدارة بايدن، ولكن هناك مخاوف واسعة النطاق من أن صعود ترامب إلى الرئاسة قد يؤدي إلى هدم ما أنشأه القادة في كلا البلدين في أعقاب القمة الرئاسية الصينية الأميركية في كاليفورنيا عام 2023؛ حيث دخلت الدولتان بالفعل مرحلة من العلاقات الأكثر اعتدالا وأكثر تفاعلية.

أحد الأسباب الرئيسية وراء قلق بكين من عودة ترامب هي احتمالية تبنيه لسياسات اقتصادية  أكثر صرامة تجاه الصين ؛ حيث يستطيع أن يتبنى سياسات أكثر عدوانية فيما يتعلق بتشديد ضوابط التصدير وفحص الاستثمار، مما سيلحق ضرراً كبيراً بصادرات الصين واستثماراتها الأجنبية ، كما هدد ترامب في فبراير الماضي بفرض رسوم جمركية تتخطى 60% على البضائع الصينية ، ومع ضعف الصادرات الصينية، بالطبع ستشكل هذه السياسات مصدر قلق كبير للحكومة الصيني؛ حيث

يخاف السياسيون الصينيون من أن تشعل عودة ترامب إلى البيت الأبيض حرب تجارية بين الدولتين، قد تتحمل فيها الصين تكاليف اقتصادية باهظة، لكنهم من جهة أخرى يرون أن غضب ترامب من حلف شمال الأطلسي يمكن أن يؤدي إلى مكاسب ضخمة حيث سيتم تقويض النظام الأمني ​​الذي تقوده الولايات المتحدة في آسيا، مما يحرر الصين لتتصرف كما يحلو لها في تايوان على سبيل المثال.(7)

 لكن في الحقيقة سواء أسفرت نتائج الانتخابات عن فوز ترامب أو فوز بايدن ، فإن كلا المرشحين سيستمران في اتخاذ قرارات صارمة تجاه الصين ؛ فالعلاقات متوترة حاليًا بين الولايات المتحدة والصين بسبب القيود التكنولوجية التي تفرضها إدارة بايدن على الصين ولا يبدو أن ذلك سيتغير في المستقبل إذا استمرت إدارة بايدن، مما يعني أنه بالنسبة للصين لا يوجد تصور بأن بايدن أو ترامب أفضل ، بل تعتبر مسألة من هو الأقل ضررًا. فمن ناحية، أثبت بايدن أنه الرئيس الأكثر قابلية لتنبؤ خطواته، مما يعني أن العلاقات ستكون أكثر استقرارًا، لكن أيضًا القيادة الأمريكية الأكثر ثباتاً يمكن أن تعزز شراكاتها في منطقة آسيا والمحيط الهادئ خاصة في الوقت الذي تشعر فيه الصين بأنها محاصرة بشكل متزايد من قبل حلفاء واشنطن مثل اليابان وأستراليا والفلبين ، لكن من ناحية أخرى، نظرًا لسياسات ترامب التي يصعب التنبؤ بها تخشى الصين عودة ترامب بشكل أكبر بكثير من استمرار بايدن لفترة ثانية.  

علاقة جديدة مع روسيا

أما بالنسبة للعلاقات الروسية – الأمريكية ، فقد تتحسن علاقة واشنطن بروسيا - إذا عاد ترامب - في نفس الوقت الذي تتدهور فيه علاقة واشنطن بأوروبا ؛ فقد كان ترامب خلال فترة ولايته الأولى على علاقة جيدة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كما أغدق الثناء على بوتين وأشاد بذكائه ورفض الوقوف في وجهه بشأن مجموعة من القضايا منها غزو أوكرانيا، بل تفاخر ترامب مؤخرًا في تصريحاته بأنه قادر على إنهاء الغزو الروسي لأوكرانيا في يوم واحد فقط ، بالإضافة إلى قيام الجمهوريين تحت قيادة ترامب في مجلس النواب حاليًا بمنع المساعدات التي تشتد حاجة أوكرانيا إليها.

وتبدو الأسباب التي تدفع بوتين إلى تفضيل ترامب واضحة ؛ حيث تتعلق تلك الأسباب بسياسة انخراط أمريكا في السياسة العالمية التي يفضلها بايدن ؛ فمن وجهة نظر بايدن : يجب أن تدافع الولايات المتحدة عن الديمقراطية عندما تهاجمها إحدى الدول الاستبدادية ، وأن تتدخل في الصراعات الدولية، لذلك يقدم بايدن دعمًا للجيش الأوكراني ويقود تحالفًا دوليًا يعارض الغزو الروسي لأوكرانيا ، بينما على النقيض اقترح ترامب أنه سينهي هذا الدعم. لقد أبدى ترامب القليل من الاهتمام بهذه القضايا؛ فهو يفضل أن تتجنب الولايات المتحدة الصراعات الدولية ويتبني سياسة الانعزال و يرفع شعار «أمريكا أولا»؟(8)

- الشرق الأوسط : موقف ترامب من القضية الفلسطينية

لا تخفى علينا حقيقة أن ترامب حليف مخلص لإسرائيل ، وفيما يتعلق بالكارثة الإنسانية في غزة ، لم يتطرق ترامب كثيرًا إلى القضية الفلسطينية، لكن من خلال تصريحاته البسيطة في هذا الشأن بدا متناقضًا، فقد انتقد " ترامب" الرئيس " بايدن" سابقًا بسبب عدم دعمه لاسرائيل، وفي بداية شهر مارس الماضي صرح بدعمه للحرب على قطاع غزة، ثم في نهاية نفس الشهر خلال إحدى المقابلات لم يقدم ترامب إجابة مباشرة بشأن دعمه لإسرائيل، لكنه حث "بنيامين نتنياهو" على وقف الحرب على غزة والانتهاء من الأمر، ودعا إلى حل سريع لسفك الدماء؛ لأن اسرائيل تخسر حرب العلاقات العامة والدعم تمامًا ويجب العودة إلى الحياة الطبيعية والسلام في الشرق الأوسط، وحين سُئل عن موقفه من هجوم حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر الماضي، أكد أنه كان سيرد بنفس طريقة إسرائيل رغم أنه وصف مشاهد القصف الاسرائيلي لغزة وصور الضحايا الفلسطينيين " بالمروعة".(9)  من المحتمل أن يكون السبب وراء إحجام ترامب عن الحديث عن هذه القضية متعمدًا؛ حيث يفقد خصمه " بايدن" الدعم من المستقلين والحزب الديمقراطي بسبب طريقة تعامله مع الصراع؛ لذلك ينأى ترامب عن أن يقول شيئًا في هذا الشأن ليستفيد من الانقسام بين الديمقراطيين حول هذه القضية وخسارة بايدن للدعم، مما يعزز فوز ترامب في الانتخابات.

ختامًا: مع أنه عادة لا يتم تنفيذ ما يردده المرشحون فى حملاتهم الانتخابية بعد وصولهم إلى السلطة، فإنأسلوب ترامب المختلف وشخصيته المثيرة للجدل تجعل من الصعب التنبؤ بخطواته التى سيأخذها إذا تولى زمام الأمور؛فمثل هذه التصريحات التي تثير القلق حول مستقبل العلاقات الخارجية الأمريكية، والخطابات الجريئة التي تشمل الهجوم على إدارة بايدن، والتهديد بالفوضى، والوعود بحملات التطهير للمؤسسات الفيدرالية، والآثار الاقتصادية والسياسية المترتبة عليها،تعنى أن سياسات ترامب السابقة لن تتغير فى حال فوزه فى السباق الرئاسى بل سيستمر فى إثارة مخاوف وتساؤلات خبراء الديمقراطية والشخصيات السياسية فى العالم؛ خاصة أن النبرة العامة لتصريحات ترامب تشير إلى تبنيه نهجا مختلفا عن نهج المرشحين الرئاسيين بشكل عام، ومع تطور الحملة الانتخابية، واستمرار هذه التصريحات المثيرة، سيبقى العديد من الأمريكيين والحلفاء الغربيين متخوفين بشأن المسار المستقبلى للمشهد السياسى فى الولايات المتحدة؛ فالعواقب المترتبة على خطاب ترامب واحتمالية تحول كلماته إلى أفعال سياسية لا تزال موضع تدقيق عميق مما يثير التساؤلات حول التأثير المحتمل لهذه المبادئ والسياسات على البلاد إذا فاز "ترامب" فى السباق الرئاسى وعاد إلى البيت الأبيض من جديد.

المراجع:

1.Lange, Jason. “Biden vs. Trump: Who Is Leading the Polls? | Reuters.” Reuters, May 15, 2024. https://www.reuters.com/world/us/biden-has-marginal-1-point-lead-over-trump-reutersipsos-poll-shows-2024-03-14/

2. Schulz, Joe. “Trump Attacks Immigration in Return to Wisconsin.” WPR, April 3, 2024. https://www.wpr.org/news/trump-attacks-immigration-in-return-to-wisconsin.

3. Beckwith, Ryan  Teague. “Despite Inflation Complaints, Trump’s Second Term Plans Involve Raising Prices on Everything.” MSNBC, May 9, 2024. https://www.msnbc.com/opinion/msnbc-opinion/trump-inflation-higher-prices-proposals-rcna151264.

4. Weissert, Will. “Trump Wants to Fire Thousands of Government Workers. Liberals Are Preparing to Fight Back If He Wins.” AP News, February 16, 2024. https://apnews.com/article/biden-2024-government-regulations-democrats-6badc3b424b9eff3ba51e0ec35a8d824.

5. Moynihan, Donald P. “Trump Has a Master Plan for Destroying the ‘Deep State.’” The New York Times, November 27, 2023. https://www.nytimes.com/2023/11/27/opinion/trump-deep-state-schedule-f.html.

6. Walker, Alex. “Can NATO Be ‘Trump-Proofed’?” UK in a changing Europe, May 9, 2024. https://ukandeu.ac.uk/can-nato-be-trump-proofed/.

7. McCarthy, Simone. “China Is Worried about the Return of Trump, but It Also Sees Opportunities If He Wins the 2024 Election.” CNN, March 11, 2024. https://edition.cnn.com/2024/03/10/china/china-two-sessions-trump-election-analysis-intl-hnk/index.html.

8. Leonhardt, David. “China, Russia and Trump.” The New York Times, April 2, 2024. https://www.nytimes.com/2024/04/02/briefing/china-russia-trump-campaign.html.

9. Hall, Richard. “Trump Calls for Israel to ‘stop Killing People’ in Gaza. so What Is His Policy?” The Independent, April 5, 2024. https://www.independent.co.uk/news/world/americas/us-politics/trump-gaza-israel-policy-war-b2524136.html.

طباعة

    تعريف الكاتب

    حبيبة زيدان

    حبيبة زيدان

    باحثة فى العلوم السياسية