مما لا شك فيه أن السياسة المصرية بعد عام 2013 أدركت جيدًا دروس التاريخ، وعلى رأسها درس الستينيات، حين تحولت الشعارات السياسية إلى عبء استراتيجي استنزف الدولة وأضعف قدرتها على الفعل. ومن هنا لم يعتمد الرئيس عبدالفتاح السيسي في سلوكه أو خطابه السياسي على إثارة مشاعر الجماهير بحثًا عن مجد شخصي أو شعبوية عابرة، بقدر ما انصرف إلى إعادة إحياء وبعث الهوية المصرية، وترسيخ منطق الدولة، في وقت أصبحت فيه الواقعية السياسية والصبر الاستراتيجي عنوانين ثابتين للسياسة الخارجية المصرية.
ويخطيء كل من يروج أن مصر تضع المصالح الاقتصادية في مواجهة المصالح الجيوسياسية، وأنها تتعامل مع الاستثمار باعتباره بديلًا عن السياسة أو قيدًا على القرار الوطني، والدقيق أن مصر جعلت من الاستثمار أداة من أدوات النفوذ والضغط تُستخدم لصالح الدولة لا ضدها. فبينما بدت القاهرة صبورة في إدارة ملفاتها الإقليمية، كانت القوة الصلبة المصرية تُعاد هندستها على الأرض، ليتحول الفعل إلى بديل عن القول، والقدرة إلى أساس للسياسة.
وقد أتاح هذا النهج لمصر، وللمرة الأولى في تاريخها الحديث، القدرة على رسم خطوط حمراء واضحة، مستندة إلى انتشار عسكري وبحري غير مسبوق عبر قواعد وأساطيل تمتد على طول الحدود والجبهات الاستراتيجية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على عمقها العربي والإفريقي، وعدم الانزلاق إلى منطق الهيمنة أو الاستعراض.
لم تتصرف مصر كقوة عظمى تسعى إلى فرض سيطرتها على الإقليم، رغم امتلاكها مقومات ذلك بحكم التاريخ والجغرافيا، بل كقوة توازن تهدف إلى منع انهيار الدول، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار في إقليم تعصف به صراعات الهوية والنفوذ ضد قوى أخرى تعيش هوس فكرة “القوة العظمى”، وتسعى إلى إعادة هندسة الإقليم بما يتجاوز قدراتها الحقيقية.
وتبرز إسرائيل في مقدمة هذه القوى، حيث بات استهداف المصالح المصرية في العمق بوصلة شبه ثابتة لسياستها الخارجية. ويتجلى ذلك بوضوح في دعمها غير المباشر لإثيوبيا في مساعيها للضغط على الحصة التاريخية لمصر من مياه النيل، ثم في تحركاتها المتسارعة داخل القرن الإفريقي، وعلى رأسها الاعتراف بما يسمى "صومالي لاند"، والتخطيط لإقامة موطئ قدم عسكري في منطقة شديدة الحساسية تطل على البحر الأحمر.
ورغم محاولة تل أبيب تسويق هذه التحركات تحت لافتة مواجهة التهديدات القادمة من اليمن، فإن القراءة الاستراتيجية تكشف عن أهداف أعمق، تتعلق بإعادة تشكيل موازين القوى في البحر الأحمر، والضغط على أمن قناة السويس، وخلق بيئة إقليمية تسمح بتوفير غطاء غير مباشر لطموحات إثيوبيا في امتلاك منفذ بحري، بما يمس أحد الثوابت الجوهرية للأمن القومي المصري.
ومن هذا المنطلق لا يمكن قراءة التطورات الجارية في اليمن بوصفها مجرد امتداد لصراع داخلي، بل باعتبارها ساحة اختبار لإعادة توزيع الأدوار على أحد أهم الممرات البحرية في العالم. فاليمن لم تعد مجرد ساحة حرب، بقدر ما أصبحت بوابة لإدارة أمن باب المندب، حيث تتقاطع مصالح قوى تدرك أن التحكم في خطوط التجارة والملاحة بات يعادل، وربما يفوق، السيطرة على الأراضي.
وفي هذا السياق تتباين سياسات الفاعلين الإقليميين؛ بين البحث عن الاستقرار طويل الأمد، وتأمين الحدود والمصالح الحيوية، وبين النظر إلى البحر الأحمر والقرن الإفريقي من زاوية إدارة الموانئ ونقاط النفوذ اللوجستية، في تعبير واضح عن التحولات الجارية في طبيعة الصراعات من منطق الجبهات العسكرية إلى منطق التحكم في العقود الاقتصادية والممرات الاستراتيجية.
غير أن المشهد اليمني يتجاوز هذه الأبعاد، إذ تتقاطع تطوراته مع أطروحات أوسع لإعادة رسم الخريطة السياسية لشبه الجزيرة العربية ذاتها. فثمة تصورات غير معلنة، لكنها حاضرة بقوة في دوائر التفكير الاستراتيجي، ترى في استمرار الصراع مدخلًا لتقسيم الجزيرة العربية أفقيًا، عبر إعادة إحياء فكرة "دولة الجنوب العربي" أو ما يُعرف اصطلاحًا بـSouth Arabia ، بما يشمل جنوب اليمن، والمناطق الساحلية المطلة على بحر العرب، وباب المندب. وتكمن خطورة هذه التصورات في كونها تستهدف تفكيك واحدة من أكثر الكتل العربية حساسية وهي الجزيرة العربية.
وفي هذا الإطار لا ينفصل مشروع إعادة هندسة اليمن عن تحركات موازية في القرن الإفريقي، حيث يُعاد إنتاج المنطق ذاته القائم على تفكيك الدول، وإعادة تركيب الإقليم حول كيانات وظيفية تخدم الاستراتيجية الإسرائيلية. وهو منطق، إن كُتب له النجاح، لن ينعكس فقط على الدول المعنية، بل سيرفع من كلفة وتأمين الملاحة في البحر الأحمر، ويحوّل أحد أكثر الممرات البحرية أمانًا نسبيًا إلى منطقة عالية المخاطر، بما يضاعف تكلفة المرور والتجارة على المصالح الدولية ذاتها.
ومن هنا فإن التحركات الإسرائيلية في "صوماليلاند" لا يمكن فصلها عن هذا السياق الأوسع. فهي لا تستهدف فقط توسيع هامش الحركة الإسرائيلية في البحر الأحمر، بل تسعى إلى خلق بيئة أمنية مضطربة تُضعف القدرة على الإدارة المستقرة للممرات البحرية، وتفرض معادلات جديدة تسمح بزيادة الضغط السياسي والاقتصادي على الدول المشاطئة، وفي القلب منها مصر.
في المقابل تواصل القاهرة إدارة هذا المشهد المعقد بمنطق القوة الهادئة. فهي لا تصطدم ولا تنافس على إدارة الموانئ، ولا تسعى إلى فرض نفوذ مباشر في دول القرن الإفريقي، لكنها في الوقت ذاته تضع خطوطًا فاصلة لا تسمح بتجاوزها، وتعمل على منع تحويل البحر الأحمر إلى ساحة صراع مفتوحة أو منصة لابتزاز المصالح المصرية أو الدولية.
وتحرص مصر على الحفاظ على شبكة تحالفاتها الاستراتيجية، وعلى رأسها العلاقات مع المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وتركيا، باعتبارها ركيزة أساسية لتثبيت التوازن الإقليمي. وتدرك القاهرة أن ما قد يطرأ من تباينات تكتيكية بين هذه القوى لا يمس جوهر الشراكة، ولا يرقى إلى مستوى الخلاف الاستراتيجي، في ظل إدراك مشترك لطبيعة التحديات التي تواجه المنطقة وخطورة تفكيكها.
وفي المقابل تواصل إسرائيل التحرك بعقلية القوة العظمى، مدفوعة بهوس دائم بإعادة تشكيل الإقليم وفق تصورات أحادية تتجاهل حقائق التاريخ والجغرافيا. غير أن هذا النهج، القائم على توسيع دوائر التوتر وبناء النفوذ عبر إضعاف الآخرين، يصطدم حتى الآن بتوازنات إقليمية صلبة لم تعد تسمح بقواعد لعب مفتوحة أو مغامرات بلا تكلفة.
ومن ثم فإن الصراع الدائر حول اليمن، والقرن الإفريقي، والبحر الأحمر، لا يتعلق فقط بتقاسم النفوذ، بل بمن يمتلك القدرة على إدارة الإقليم ومنع انزلاقه إلى فوضى شاملة. وفي هذه المعادلة تبرز مصر بوصفها قوة توازن لا تسعى إلى إعادة رسم الخرائط، بل إلى منع العبث بها، ولا تبحث عن أدوار بطولية عابرة، بل عن استقرار طويل المدى يحفظ مصالحها ويصون أمن محيطها العربي والإفريقي.
وبينما تراهن إسرائيل على تسريع الأحداث وفرض الوقائع بالقوة، تراهن القاهرة على إدارة الزمن، وتثبيت الخطوط الحمراء، والحفاظ على تحالفات مرنة قادرة على امتصاص الصدمات ومنع تحول البحر الأحمر إلى مسرح دائم للصراع. وهي سياسة قد تبدو أقل صخبًا، لكنها أثبتت حتى الآن قدرتها على حماية المصالح المصرية، والحفاظ على استقرار أحد أهم شرايين التجارة العالمية، في زمن باتت فيه المغامرة السياسية أقصر الطرق إلى الفوضى.