مقالات رأى

ماذا كشف "الأسبوع السيبراني 2025" عن حروب المستقبل؟

طباعة

 بات الأمن السيبراني اليوم أحد المفاتيح المركزية لفهم تحوّلات الصراع الدولي وإعادة تشكيل مفاهيم القوة والردع في النظام العالمي المعاصر. وقد تجلّى هذا التحوّل بوضوح خلال "الأسبوع السيبراني 2025" أو ما يسمى بـــ "Cyber Week 2025"، الذي انعقد بين 8 و11 ديسمبر في جامعة تل أبيب، حيث تحوّل المؤتمر إلى منصة لإطلاق خطاب أمني إسرائيلي صريح يعيد تعريف طبيعة الحرب وحدودها. فبحضور آلاف الخبراء وصنّاع القرار من أكثر من مئة دولة –حسب ما جرى نشره إعلاميًا- قُدِّمت الحروب القادمة بوصفها صراعات تُخاض داخل الشبكات والبنى التحتية والبيانات، لا على خطوط تماس تقليدية، وباعتبار أن شلّ الدول من الداخل، وتعطيل وظائفها الحيوية، وفرض الوقائع السياسية، يمكن أن يتحقق من دون إطلاق رصاصة واحدة. في هذا السياق، لم تعد "الحرب السيبرانية" توصيفًا مجازيًا أو مفهومًا نظريًا، بل تحوّلت إلى عقيدة صراع مكتملة تُعاد على أساسها صياغة مفاهيم الردع، والدفاع، والأمن القومي.

هذا الخطاب لا يمكن فصله عن المسار الذي قطعه الأسبوع السيبراني على مدى خمسة عشر عامًا، حيث تحوّل تدريجيًا من مؤتمر أكاديمي– تقني إلى منصة استراتيجية عابرة للقطاعات، تُعرض فيها الرؤية الإسرائيلية للأمن القومي في عصر الرقمنة. فالمؤتمر لم يعد يكتفي بتبادل الخبرات التقنية أو استعراض الابتكارات، بل بات مساحة لصياغة مفاهيم الحرب، والردع، والدفاع الوطني في عالم تتداخل فيه التكنولوجيا مع السياسة، والاقتصاد، والإعلام.

يُقام الأسبوع السيبراني بشراكة مؤسسية واسعة تجمع بين مراكز بحثية أكاديمية وهيئات رسمية إسرائيلية، مما يعكس طبيعة الرسالة التي يسعى إلى ترسيخها: الأمن السيبراني ليس مسألة تقنية منفصلة، بل ركيزة مركزية من ركائز الأمن القومي وإدارة الدولة الحديثة. وفي هذا الإطار جرى تقديم الفضاء السيبراني بوصفه ساحة الصراع المقبلة، حيث تتحول البنية التحتية الرقمية –من كهرباء، ومياه، واتصالات، ونظم معلومات– إلى خط المواجهة الأول.

في الكلمة الافتتاحية لمؤتمر 2025، طُرح تصور بالغ الدلالة لمستقبل الحروب، يقوم على فكرة "الحرب بلا رصاص". ووفق هذا التصور، لم تعد الحرب تُخاض بالضرورة عبر الجيوش والدبابات، بل يمكن أن تبدأ وتنتهي في الفضاء السيبراني، عبر تعطيل الوظائف الحيوية للدولة ودفعها إلى الشلل الوظيفي والسياسي بأدوات رقمية منخفضة الكلفة وعالية التأثير. هذا التحول لا يعني إلغاء القوة العسكرية التقليدية، بل إزاحتها عن موقع الحسم النهائي لصالح أدوات رقمية قادرة على تحقيق النتائج ذاتها، وربما بفعالية أكبر.

دلالة هذا الطرح تتجاوز توصيف التهديد، لتصل إلى إعادة تعريف معنى الحرب نفسه. فبدل الحديث عن التكامل بين الضربات العسكرية والهجمات السيبرانية، برزت قناعة متزايدة بأن نتائج الصراعات المقبلة قد تُحسم عبر الهجوم السيبراني وحده. ومن هنا جاءت الدعوات المتكررة خلال المؤتمر إلى بناء "شبكة دفاع وطنية متكاملة" تتجاوز منطق الاستجابات القطاعية، وتعامل الدولة كوحدة رقمية واحدة، لا كسلسلة مؤسسات منفصلة.

ضمن هذا السياق، برز مشروع "القبة السيبرانية" (Cyber Dome) بوصفه أحد التعبيرات العملية عن هذا التحول، إذ يسعى إلى نقل منطق الدفاع الجوي –القائم على الاعتراض المبكر والآني– إلى الفضاء السيبراني، عبر منظومات قائمة على الذكاء الاصطناعي قادرة على رصد الهجمات والتصدي لها في الزمن الفعلى. وهنا لا يعود الدفاع الرقمي مجرد إجراء تقني، بل يتحول إلى أداة ردع استراتيجية موازية لمنظومات الدفاع العسكري التقليدية.

وقد جرى خلال المؤتمر تقديم قراءة تاريخية لتطوّر الحرب السيبرانية، انطلاقًا من مرحلة كانت فيها الساحة الرقمية منفصلة عن القتال الفيزيائي، مرورًا بتفاعل متزايد بين المجالين، وصولًا إلى الحرب الهجينة، قبل الانتقال إلى ما وُصف بـ"الحرب القائمة على الفضاء السيبراني (Cyber-Based War) ، في هذا الطور الأخير، لا تعود الهجمات الرقمية وسيلة دعم أو إرباك، بل تصبح أداة الحسم الأساسية، حيث يكفي تعطيل الكهرباء والمياه والاتصالات، إلى جانب بثّ حملات تضليل نفسي وإعلامي، لإفقاد الدولة قدرتها على العمل بوصفها كيانًا وظيفيًا متماسكًا.

الذكاء الاصطناعي شكّل العامل الأكثر حضورًا في هذا النقاش، بوصفه مضاعِفًا نوعيًا للتهديدات السيبرانية. فالهجمات لم تعد تعتمد على فرق بشرية محدودة تكتب الشيفرات وتنفذ الاختراقات، بل باتت تُدار عبر وكلاء ذكاء اصطناعي قادرين على التعلّم الذاتي، واكتشاف الثغرات، والتكيّف مع الدفاعات، دون تدخل بشري مباشر. هذا التحول ينقل الهجوم السيبراني من كونه فعلًا محدود النطاق إلى عملية واسعة النطاق، يمكن أن تُنفّذ في وقت واحد وعلى مستويات متعددة، مستهدفة البنية التحتية والرأي العام معًا.

ورغم هذا التركيز الكثيف على التكنولوجيا، لم يخلُ Cyber Week 2025 من مراجعة نقدية داخلية لافتة. فقد أقرّ متحدثون بأن التفوق التقني لا يكفي وحده، وأن التكنولوجيا المتقدمة تفقد فعاليتها إن لم تُدعَم بحُسن التقدير البشري وسلامة القرار القيادي. وقد جرى التذكير بأن إخفاقات التقدير السياسي والعسكري قد تُفرغ أكثر الأنظمة تطورًا من مضمونها، في حين أن حسن القيادة ووضوح الصورة الميدانية يظلان خط الدفاع الأخير في مواجهة أي تهديد، مهما بلغ تعقيده التقني.

في المحصّلة لا يمكن فصل الخطاب الذي طُرح خلال الأسبوع السيبراني 2025 عن سياق التوترات السيبرانية المتصاعدة بين إيران وإسرائيل، والتي يبدو أنها دخلت مرحلة متقدمة وغير مسبوقة. فقد عكست المداولات والتقارير التي نوقشت في المؤتمر إدراكًا إسرائيليًا متزايدًا بأن الصراع بين الطرفين قد يقترب من عتبة أول مواجهة سيبرانية شاملة في التاريخ المعاصر، لا تُدار بالأدوات العسكرية التقليدية، بل عبر استهداف منظومات الحياة اليومية نفسها. وفي هذا الإطار حذّر المدير العام للإدارة الوطنية للأمن السيبراني في إسرائيل "يوسي كارادي" من أن طهران تمتلك قدرات تمكّنها من فرض ما يشبه "الحصار الرقمي"، من خلال تعطيل أنظمة حيوية تشمل الكهرباء، والنقل، والمياه، بما يحوّل الفضاء السيبراني إلى أداة ضغط استراتيجي قادرة على شلّ الدولة من الداخل من دون إطلاق صاروخ واحد.

على هذا الأساس لا تبدو التحذيرات التي أطلقها المؤتمر توصيفًا نظريًا لمخاطر مستقبلية بعيدة، بل قراءة استباقية لمسار صراع يتشكّل بالفعل، حيث تتحول الحرب من مواجهة عسكرية محدودة الزمن إلى حالة استنزاف رقمية مستمرة، تُدار في الخفاء، وتُقاس نتائجها بقدرة الدول على الصمود الوظيفي والمؤسسي. وهنا تحديدًا تتجلى خطورة المرحلة المقبلة: ليس في اندلاع الحرب، بل في تطبيعها كواقع دائم، تُعاد في ظله صياغة مفاهيم الردع والسيادة والأمن القومي في عصر الشبكات.

 

طباعة

    تعريف الكاتب

    د. خالد وليد محمود

    د. خالد وليد محمود

    باحث متخصص في السياسة السيبرانية