مقالات رأى

الانكشاف وتهديد الأمن القومى المصرى عبدالمنعم المشاط

طباعة
عند تصعيد الصراعات الدولية والإقليمية والقومية، تسعى مختلف الأطراف إلى تهديد الأمن القومى لأعدائها بزيادة درجة الانكشاف Vulnerability الذى تتعرض له الدولة والمجتمع بحيث يتحول التهديد إلى اختراق للأمن القومى بما يؤدى إلى انهيار الخصم وتسليمه بمطالب الآخرين بما فى ذلك الاستسلام، وتَبَنِّى الدول استراتيجيات تحقيق الانكشاف على أساس تعريض الدولة والمجتمع لجملة من المخاطر المتشابكة والمتزامنة فى آن واحد، وخلق حالة من الشك العميق فى الثقة بالذات، وأفول الرغبة فى المقاومة ناهيك عن المواجهة، هذا فضلاً عن عمليات تمزيق التكامل الاجتماعى واستبداله بالاستقطاب والتجزئة والفُرقة السياسية والمذهبية وما شابهها.
 
وجوهر النعم التى وهبها الله لمصر يكمن فى تكامل النسيج القومى ووحدته؛ فعلى الرغم من مر العصور منذ سبعة آلاف عام، لم تشهد مصر حربًا أهلية أو انشقاقًا داخليًا مهما تكالبت عليها المحن وتكاثر عليها المعتدون، ولا شك ان هذا التلاحم الوطني، والذى يعيه المصريون بوعى تاريخى واضح، يشكل الظهير الاستراتيجى المضمون لصانع سياسات الأمن القومى المصري؛ فعند حسابات القوى الشاملة لمصر ومقارنتها بأعدائها، يعد التماسك الداخلى من الثوابت التى يعول عليها ويستحضرها دائمًا، ولم يحاول الغزاة والطامعون على مر العصور اختراق هذا التماسك والتجانس بغرض تعريض الأمن القومى للخطر نظرًا لفهمهم للخصائص القومية للشعب المصرى وحرصه على اندماجه وانصهاره فى مجتمع متكامل، بيد أن الظروف الراهنة ومنذ ثورة 25 يناير 2011، وبصورة خاصة بعد ثورة 30 يونيو 2013، والتى اجتثت بذور الدولة الثيولوجية الشمولية، بدأت قوى الإسلام السياسي، وعلى رأسها جماعة الإخوان، والتى يخطط لها ويحركها التنظيم الدولى للإخوان ودول طامعة فى مصر، تدير معركة ضد كل من الدولة المصرية والمجتمع المصرى أساسها خلق درجة عالية من الانكشاف تمهيدًا لتهديد الأمن القومى واختراقه، ومن ثم؛ النيل من الدولة والأمة المصرية، وأول مظاهر الانكشاف تتمثل فى محاولات تشتيت القدرات العسكرية، وذلك بإشعال حرب عصابات إرهابية فى سيناء، ويعلم الإرهابيون الذين تدعمهم وتساندهم قوى الإسلام السياسى فى مصر والخارج، أن سيناء صحراء ممتدة ذات طبوغرافية صعبة المراس، تقع على حدودها الشرقية إسرائيل، المصدر الرئيسى لتهديد الأمن القومى المصري، وجماعة حماس الإخوانية التى لا تؤمن مثل إخوان مصر بالدولة القومية، ومن ثم؛ دخلت تلك الجماعات فى حرب استنزاف للقوات المسلحة ولقوات الأمن بغرض تعريضها للخطر وانكشافها خصوصًا وأنها تتولى بالضرورة أيضًا حماية الجبهة الداخلية من محاولات تمزيقها أو تخريبها أو تقويضها، ولم يدرك هؤلاء أن جميع الغزاة الذين جاءوا عبر الحدود الشرقية قد أبيدوا على مر التاريخ ما عدا فترات محدودة كانت الدولة المصرية منشغلة بقضايا ثانوية وأغفلت الحماية الجدية لتلك الحدود، سيناء وبحق مقبرة الغزاة سواء كانوا أجانب أو إرهابيين بعضهم مصريون.
 
يضاف إلى ذلك المحاولات المستميتة لانكشاف قوات الأمن الداخلي، والذى اتضح تمامًا أثناء ثورة 25 يناير وبعدها؛ حيث حاولت قوى الإسلام السياسى وعلى رأسها الإخوان إسقاط تلك القوات بإشعال الحرائق والنيل منها بالإقصاء أحيانًا والاغتيالات أحيانًا أخرى وادعاء إعادة الهيكلة أحيانًا ثالثة، ولقد حاول الحكم الثيولوجى الشمولي، ولمدة عام، اختراق هذا الجسد بغية تفكيكه والسيطرة عليه وإحلاله بعناصر موالية له، وفوق ذلك؛ فإن عناصر الإخوان التى تنتشر فى الشارع المصرى أو فى المؤسسات التعليمية تستهدف تشتيته وإضعافه وتعريضه للخطر، صحيح ان جهاز الأمن الداخلى فى حاجة إلى تجسير الفجوة بينه وبين المواطنين، إلا أن دوره فى حفظ الأمن الداخلى يجب ألا يخضع لأية مساومات أو مواءمات لأنه يشكل الجناح الداخلى للمؤسسة العسكرية لصيانة وحفظ الأمن القومي، ومن هنا؛ فإن تكامل مسئوليات الجيش والشرطة والمجتمع يفوت الفرص أمام محاولات اختراق أى منها خصوصًا أجهزة المعلومات.
 
يضاف إلى ذلك محاولات الانكشاف السياسي، والتى تتمثل فى خلق شكوك حول نظام الحكم ورفض قراراته وسياساته والتعويل على مؤسسات غير رسمية وغير شرعية لها ارتباطاتها الخارجية. إن محاولات اختراق تحالف الشعب المصرى فى 30 يونيو، كما حدث لثورة 25 يناير، وذلك بجر الدولة إلى الانسياق وراء الأجندة الإخوانية الخارجية التى تستهدف خرق الاتفاق الوطنى حول خارطة الطريق، والرغبة الوطنية للفكاك من المرحلة الانتقالية إلى مرحلة الاستقرار وبناء المؤسسات، تتطلب جهودًا مضنية من جانب الحكومة الراهنة للحفاظ على التماسك السياسى وصد الهجوم الإخوانى باتخاذ قرارات استراتيجية غير تقليدية هدفها المجتمع بكامله، ولا مانع من إقصاء أعدائه مرحليًا إلى أن يعودوا إلى طريق التيار الوطنى المتجانس المستقل عن الأعداء الخارجيين.
 
أما محاولات فرض الانكشاف الاقتصادي؛ فقد بدأت بالمطالب الفئوية ولم تنتهِ بعد؛ فقد حاول النظام الثيولوجى الشمولى تعميقه وتصعيده بأمرين متلازمين؛ يتمثل الأول فى الاقتراض قصير الأجل من قطر وبسعر فائدة يصل إلى 5%، وهو ظلم بَيِّن للدولة المصرية لأن سعر الفائدة على الدولار لا يصل إلى 0.5%، والثانى محاولات بيع منطقة قناة السويس لدولة قطر أيضًا بما يعنيه ذلك من فقدان السيادة عليها، إن محاولات شل الاقتصاد المصرى بالإضرابات والمظاهرات وخنق السياحة وإبطال الاستثمارات الأجنبية يعمق من الانكشاف الاقتصادى أمام المواطنين والعالم، وأن هذا الانكشاف يعنى زيادة معدلات الفقر وزيادة نسبة الحرمان الاقتصادي، وكلاهما يضيف إلى مصادر التهديد الداخلية للأمن القومي، وباستقراء تجارب الدول الأخرى، نجد أن كوريا الجنوبية، والتى بدأت التنمية الاقتصادية عام 1961 على يد الرئيس بارك، والذى كان يشغل القائد العام للقوات المسلحة الكورية، كانت أكثر انكشافًا عن مصر آنذاك، ولكن الرئيس بارك وضع استراتيجية مزدوجة للنهوض بالدولة؛ فمن ناحية، بدأ خطة اقتصادية خمسية قوامها التصنيع، ومن ناحية أخرى، بادر بخطة للتنمية الزراعية الشاملة عبر المحليات، وهكذا، استند التقدم الاقتصادى الكورى على التنمية الصناعية الفريدة، والتنمية الزراعية الشاملة، وصارت كوريا من النمور الآسيوية ومن أكثر الدول تقدمًا ضمن منظومة الدول النامية.
 
ويمتد الانكشاف إلى القوة الدافعة إلى التقدم والتنمية ألا وهى الإرادة السياسية أو الإرادة الوطنية، وهى الرابطة التى لا تنفصم لكافة عناصر ومقومات الأمن القومي، وتتعلق برغبة المواطنين فى الحفاظ على الدولة والوطن ضد أية تهديدات داخلية أو خارجية أو مشتركة بينهما، وهناك محاولات مستميتة من جانب قوى الإسلام السياسى للتشكيك فى الدولة وما ينتج عنها؛ تشكيك فى الدستور الوليد، تشكيك فى المؤسسات القائمة، والتى ستقوم، تشكيك فى القدرات الوطنية، وخاصةً ما يتعلق منها بالموارد، إن حالة التشكيك تلك تستهدف خلق حالة عدم اهتمام سياسى بمجريات الأمور والإقلاع عن المشاركة الإيجابية وتجزئة الإرادة الوطنية وبعثرة الإجماع القومى بصورة تحد من قدرة هذا العنصر المعنوى على تعبئة الموارد الوطنية للدولة لمواجهة التحديات الكبرى، كما تهز حالة التشكيك تلك من إدراك الشعب بأنه مصدر السيادة، وأنه المرجعية النهائية لأية تطورات سياسية فى مصر.
 
إن مواجهة محاولات الانكشاف وتهديد الأمن القومى تتطلب حزمة من الإجراءات الإبداعية الاستيعابية الملحة وقصيرة الأجل، تعلوها أن تتوافق الحكومة فيما بينها على السياسات العامة، وأن تكرس وقتها كله للنهوض بالوطن؛ فمما لا شك فيه أن التباين الفج بين أعضائها فيما يتصل بقضايا ومشروعات مصيرية واتجاهات سياسية مهمة تضيف إلى أنصار الانكشاف وتحد من قدرة الدولة على المواجهة المباشرة والتصدى لها، ويلى ذلك حتمية الإعداد السريع والواعى والرشيد للاستفتاء على الدستور، وهى خطوة محورية تحد - فى حالة إقراره بنسبة عالية من أصوات المصريين- من حدة الانكشاف الداخلي، وتتزامن مع ذلك سرعة الاتفاق على قانون الانتخاب، وفى هذا الشأن وعلى الرغم من عدم قناعتى السياسية بنظام الانتخاب الفردي، والذى يؤدى إلى إضعاف الأحزاب -الضعيفة أصلاً- وتفشى استخدام المال والثراء فى شراء الأصوات، إلا أنه من الضرورى استخدامه وحده فى الانتخابات القادمة، وهكذا؛ فإننى أرفض نظام القائمة تمامًا لأنه وسيلة فعالة لإفساد مجلس النواب القادم، وزيادة الانكشاف الذى نسعى إلى احتوائه ومجابهته تحقيقًا للاستقرار القومي.
 
-------------------------
* نقلا عن الشروق المصرية، الثلاثاء، 17/12/2013.
 
طباعة

تعريف الكاتب

د. عبدالمنعم المشاط

د. عبدالمنعم المشاط

عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة المستقبل.