مقالات رأى

حرب الثواني الست

طباعة

مع قدوم شهر أكتوبر من كل عام، نستقبل شحنات رائعة من الإحساس بالعزة والكرامة والنصر، نتذكر خطاب السيد الرئيس محمد أنور السادات في مجلس الشعب (النواب حاليا) يوم الثلاثاء الموافق 16 أكتوبر 1973  الذى ذكر فيه جملته الخالدة : "ان التاريخ العسكري سوف يتوقف طويلا بالفحص والدرس أمام عملية يوم السادس من أكتوبر سنة 73، حين تمكنت القوات المسلحة المصرية من اقتحام مانع قناة السويس الصعب، واجتياح خط بارليف المنيع وإقامة رءوس جسور لها على الضفة الشرقية من القناة بعد ان أفقدت العدو توازنه كما قلت.. في ست ساعات".

"ست ساعات" هذه الفترة الزمنية منذ بداية الحرب، حيث كانت بالفعل هى الأهم والأخطر على الإطلاق. ففيها عنصر المفاجأة والتنفيذ المتقن لأكبر خطة خداع استراتيجي وما بها من تنفيذ للعمليات الجوية والبرية من عبور واقتحام واشتباك وسيطرة. هذه الفترة الزمنية استخدمها الرئيس السادات للتعبير عن دلالات  كثيرة ومعبرة، افقدنا العدو توازنه في ست ساعات، وليس ستة أيام كماروج الإعلام الغربي لنكسة يونيو.

من المفارقات المدهشة أنه بعد ست سنوات تحولت حرب الأيام الستة إلى حرب الساعات الست. بالطبع استمرت الحرب حتى قرار وقف إطلاق النار الأول في 22 أكتوبر 1973، وهو ما لم يتم الانصياع له، ما دفع إلى إصدار قرار وقف إطلاق النار الثاني بعده بعدة أيام قليلة، إلا أن كل هذا وما تلاه من اتفاقيات فض الاشتباك، وصولا إلى معاهدة السلام واسترداد سيناء كاملة حتى نقطة طابا، اعتمد اعتمادا أساسيا على الست ساعات الأولى التي أشار إليها الرئيس الراحل، وهو ما يمكن بالفعل أن يصف هذا الإنجاز الكبير كما سبقت الإشارة.

مدد الحروب سيطرح سؤالا حول أقصر حرب في التاريخ، وهى الحرب التي حدثت عام  1896 بين انجلترا وزنجبار، استغرقت 40 دقيقة فقط، ما يمكن اعتباره استسلاما أكثر من اعتباره حربا بالمقاييس العسكرية التقليدية، خاصة في تلك القرون البعيدة قبل أن نصل إلى القرن العشرين واستخدام التقنيات الحديثة، ليس على مستوى تطوير السلاح التقليدي فقط، ولكن أيضا بإدخال مفاهيم جديدة، مثل مفهوم الحرب الإلكترونية الذي بدأ مرتبطا بالطبع بوسائل الاتصالات ربما قبيل الحرب العالمية الأولى وتطور مع الرادارات وأنظمة التحكم والتوجيه الآلية وهو ما كان مستقرا حتى وقت قريب.

أما مع دخول العالم للألفية الثالثة، فإن الأمر أصبح مختلفا كثيرا. فبالرغم من دخول العالم في عصر الثورة الصناعية الثالثة -ثورة المعلومات- بداية من عام 1969 تميزا لها عن العصرين الأول والثاني المرتبطين بالعصر الصناعي ككل، إلا أن ملامح ذلك العصر احتاجت ربما إلى ثلاثين عاما على الأقل بعد ذلك التاريخ حتى وصل إلى درجة نضج يمكن معها بالفعل أن يطلق عليه "ثورة" بالفعل.

هذه الملامح اشتملت على تطور وانتشار تصنيع الرقائق الإلكترونية والحواسب الآلية وانخفاض سعرها، وكذا انتشار الهواتف الخلوية، وصولا إلى الهواتف الذكية وانخفاض سعرها وزيادة إمكانياتها مع تطور كبير في كفاءة شبكات الاتصالات والمعلومات، وصولا إلى شبكة الشبكات Network Of Networksوالمعروفة بشبكة الإنترنت التي يصل عدد المتصلين بها حاليا إلى نحو 5 مليارات و473 مليون شخص يشكلون نحو 69% من إجمالى عدد سكان الأرض، كما وصل أعداد مستخدمى التليفونات الذكية إلى 6.64 مليار مستخدم، يشكلون نسبة 83.3% من إجمالى عدد السكان، ويرتفع هذا الرقم إلى 7.26 مليار مستخدم إذا أضفنا مستخدمي التليفونات العادية غير الذكية.

الأرقام السابقة لها دلالة تكتمل بالحديث عن شبكات التواصل الاجتماعى التى بدأت إرهاصاتها خلال عقد التسعينيات من خلال تطبيقات صغيرة متناثرة للتواصل بين المستخدمين، وصولا إلى تطبيق فيسبوك الذي بدأ فى الظهور عام 2004 ثم توالى ظهور باقى التطبيقات الأخرى تباعا، حيث ظهر تطبيق يوتيوب فى 2005، ثم تطبيق تويتر فى 2006، ثم تطبيق واتساب والانستجرام، وصولا إلى تطبيق الترفيه التافه والخطير فى نفس الوقت المسمى تيك توك  عام 2016.

التطبيقات السابقة المرتبطة بشبكات التواصل الاجتماعي، جنبا إلى جنب مع تطور ونمو قواعد البيانات الرقمية التي تحتوى على الكثير من البيانات والمعلومات، إضافة إلى رقمنة ما سبق تلك الفترة أيضا، سمح بإعادة النظر فى مفاهيم تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة، وهى المفاهيم التي لم تكن لتعطى نتائج مرضية نتيجة نقص البيانات الموجودة وقت أن بدأ الحديث عنها ربما قبل 70 عاما من الآن ما أعطى إشارة الانطلاق لما أطلق عليه "عصر الثورة الصناعية الرابعة" فى عام 2016، وهى الثورة المستمرة، التى نلمس كيف غيرت أنماط الحياة المختلفة إلى الأبد. ساهم فى ذلك أيضا جائحة كورونا وما فرضته من تباعد اجتماعي وحظر تجوال وخلافه، وهى الجائحة التي بالرغم من آثارها السلبية على مجالات عدة إلا أن العاملين فى مجال التحول الرقمى يدركون تماما كيف ساهمت تلك الجائحة فى الإسراع بمعدلات هذا التحول وتعريف قطاعات مختلفة لم تكن لتندمج فيه لولا تلك الجائحة.

هذا التحول نلمسه في كل القطاعات، فالاقتصاد يتحول جزء كبير منه إلى الاقتصاد الرقمى وما يحتويه من تسويق إلكترونى وشمول مالى وحركة للبضائع والخدمات عبر الحدود والشبكات، كما أن أغلب القطاعات قد اعتمدت تلك التقنيات، مثل القطاع الصحى والتعليمى والثقافى والإعلامي وغيره الكثير، وهو ما لا أرى ضرورة لسرده فى هذه المساحة، ولكن كل ما سبق يستطيع المستخدم أن يدرك أغلبه من خلال الاحتكاك المباشر. أما فيما يتعلق بالقطاعات الخدمية، فإن الأمر يختلف، فحتى على مستوى ما يتلقاه المستخدم من خدمات إلكترونية، سواء من قطاع حكومي أو خاص، فإن البعض يحاول لعب دور محامى الشيطان بالسؤال العكسي عن مدى أهمية هذا التحول الرقمى وهذه الميكنة الشاملة، خاصة وهو يرى هذا التحول قد طال جميع القطاعات بنسب متباينة، ولكن مع دخول هذه التقنيات إلى القطاع الصناعي، وإلى بعض القطاعات المهمة والحرجة فى الدول، وهو ما يطلق عليه البنية التحتية الحرجة للدول Critical Information Infrastructure (CII)التى تعتمد عليها فى القطاع العسكري والشرطي والصحي والتعليمي والصناعي والمالي والمصرفي والبورصات وخدمات الاتصالات والنقل والكهرباء والمياه والوقود، فإن الأمر يستلزم وجود استراتيجيات على المستوى القومي، منها ما أطلقته الدولة المصرية عام 2017 بعنوان الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني، التى تحتوى على ستة محاور أساسية للحماية والتطوير وتنمية الموارد البشرية والشق التشريعي أيضا، خاصة أن الأرقام تتحدث عن خسائر وصلت إلى 6 تريليونات دولار عام 2021 من جراء الهجمات السيبرانية، التى من المتوقع أن تصل إلى 10 تريليونات دولار بنهاية هذا العام.

هذا التوجه أفرز ما يطلق عليه الحروب السيبرانيةCyber Wars  بين الدول المختلفة نتيجة ترابط تلك الشبكات واعتماد منظومات البنى التحتية على تلك التقنيات في إدارة عملها، وليس أدل على ذلك مما حدث من هجوم سيبرانى تعرضت له وزارة الدفاع الأوكرانية وعدد من البنوك الكبيرة فيها نوع "تعطيل الخدمة"، أدى إلى تعطيل كل الخدمات الرقمية التي تقدم من خلال تلك الجهات قبل بدء العمليات العسكرية في 24 فبراير الماضى. بالطبع، اتهمت روسيا بالضلوع فى تلك الهجمات، وهو ما نفته موسكو تماما مثلما يتم تبادل الاتهامات بين واشنطن وموسكو أو واشنطن وبكين، أو واشنطن وطهران بخصوص ضرب أهداف أمريكية من خلال هجمات سيبرانية متكررة.

ومع ارتفاع معدلات الانتقال إلى العالم الرقمي واهتمام الجيوش النظامية بتطوير منظومات دفاع ومنظومات هجوم سيبرانى، يتم تطويع تقنيات الذكاء الاصطناعي بها، فإن التوقعات تشير إلى أن فترات الحروب قد تتقلص فى المستقبل لتصل إلى 6 دقائق، وربما 6 ثوانٍ فقط.

طباعة

    تعريف الكاتب

    م. زياد عبد التواب

    م. زياد عبد التواب

    خبير التحول الرقمي وأمن المعلومات، الرئيس السابق لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار برئاسة مجلس الوزراء