مقالات رأى

النمو الديموغرافي... اتجاهات عالمية مثيرة

طباعة

ما الذي يمكن أن يكتبه المرء عن المفاوضات المضنية التي دارت بشأن تقليص الدين الفيدرالي الأميركي الضخم؟ أو عن مخاطر وفرص سحب عدد كبير من القوات الغربية من أفغانستان؟ أو عن الأزمة في اليونان؟، أو عن الأزمة الأكبر حجماً والأوسع نطاقاً المتعلقة بالعملة الأوروبية الموحدة؟ أوعن "الربيع العربي" وما يحدثه من آثار مزعزعة في كل من سوريا واليمن وليبيا وربما أيضاً مصر وغيرها من البلدان؟ أو عن النزعة التوسعية الصينية ومخاطر انفجار اقتصاد الفقاعة الصيني؟ أو عن احتمال شن هجوم شرس من إيران على إسرائيل، أو قيام إسرائيل بهجوم أحمق على إيران؟ يمكن للقارئ أن يتصدى لأي من تلك الأسئلة محاولاً الإجابة عليها، ولكن عليه أن يعلم أن أي خيار يختاره كإجابة لن يكون بالأمر الميسور بحال.

مع ذلك، وفي خلفية الصورة، نرى أن هناك اتجاهات عالمية أكثر إثارة للقلق، يجري إخفاؤها في الصفحات الداخلية في كافة الصحف بما فيها صحفنا الدولية الأكثر تميزاً. ففي الرابع من مايو الماضي نشرت "نيويورك تايمز"، عدة فقرات في صفحتها الأولى تحت عنوان "الأمم المتحدة تتوقع ارتفاع سكان العالم إلى 10.1 مليار نسمة". على أي حال لاحظت أن كبار المختصين والصحفيين لم يكتبوا عن هذا الموضوع، على الرغم من أهميته البالغة، في الوقت نفسه خصصوا صفحات عديدة لتحليل الوضع في ليبيا، ومحاولة توقع إلى متى سيبقى القذافي قابضاً على السلطة في ليبيا هل ثلاثة أشهر، أم ستة أشهر؟ فمثل تلك الموضوعات كانت على ما يبدو أهم بالنسبة للخبراء، من موضوع زيادة عدد السكان في العالم! هذا يعد إدانة محزنة في الحقيقة، على افتقارنا لوجهة نظر عالمية، وعلى اهتمامنا المبالغ فيه على ما هو موجود هنا والآن.

وطالما أن الأمر كذلك، فما رأيكم في العودة مرة ثانية إلى العالم الحقيقي؟ بمجرد أن دخلنا إلى القرن الحادي والعشرين كان عدد سكان العالم قد تجاوز حاجز الستة مليارات نسمة. وفي شهر أكتوبر المقبل وخلال فترة تبلغ أقل من 12 عاماً على اجتياز عتبة القرن، سيكون عددنا قد وصل إلى 7 مليارات نسمة، ويالها من بصمة قدم هائلة تمتد من القارة القطبية الجنوبية إلى ضفاف "نيوفاوندلاند". وهذه في حقيقة الأمر أرقام تبعث على الفزع، لأن العلماء الديموغرافيين يعلمون علم اليقين أن هناك زيادة محتمة قادمة على الطريق، حتى وأن كانوا يتوقعون أنه سيحدث نوع من التباطؤ النسبي في الزيادة السكنية في العالم عندما يصل إجمالي سكانه إلى 9 مليارات نسمة في منتصف القرن الحالي. هذه الزيادة ستكون أمراً سيئاً بما فيه الكفاية، ولكن التوقع الأخير بأن عدد سكان العالم من المنتظر أن يصل إلى 10.1 مليار نسمة حسب تقديرات الأمم المتحدة عام 2100، وهو ما يعني ضمناً أنه على النقيض مما كان العلماء قد توقعوا لن تكون هناك فترة من الإبطاء النسبي عند منتصف القرن تقريباً، وهو شيء مثير للخوف حقاً.

" التحول السكاني" لن يحدث في فترة قريبة ولا بالسرعة التي يتوقعها المتنبئون. الموضوع المركزي في هذه السردية هو أفريقياً وبعض الدول العربية. فهناك بعض الموضوعات الأصغر تلفت الأنظار: على سبيل المثال فسكان الولايات المتحدة وبريطانيا والدانمرك وأستراليا سينمون بشكل جديد. في حين أن السكان الشائخين في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، وروسيا واليابان سيواجهون أوقاتاً أكثر صعوبة بما لا يقاس في العقود القديمة. يشير التقرير المذكور كذلك إلى أن التطبيق الصارم لقانون"طفل واحد للأسرة الواحدة" في الصين على مدار نصف القرن الماضي سيجني ثماراً مرة متمثلة في الآثار الكارثية لهذا النمو السكاني المنحرف على الأجيال الصينية القادمة، فعدد السكان الحالي البالغ 1.4 مليار نسمة وهو عدد مستقر، وأن كان يتجه للشيخوخة على نحو حثيث سيشهد انخفاضاً ليصبح في حدود 940 مليون نسمة بحلول عام 2100 وهو ليس بالنتيجة المتوقعة بحال للقرن الصيني!

ولكن ماذا عن أفريقيا؟ نقل عن "شارل ديجول" قوله إن القرن العشرين لم يكن رحيماً على أفريقيا. والرسالة الواضحة الذي يحملها هذا التصريح أن القرن الحادي والعشرين، قد يكون أكثر قسوة على القارة السوداء من القرن الحالي. وفي الواقع لا أرى أي حل بديل، وخصوصاً بعدما قرأت التوقعات التي تشير إلى أن القارة ستشهد زيادة كبيرة في عدد السكان من العدد الحالي، وهو ما يقرب من 1 مليار نسمة إلى عدد آخر مذهل وهو 3.6 مليار بنهاية القرن الحالي. والمشكلة أن أفريقيا لا تزال تعاني من مشكلاتها التي عرفت بها دوما: النساء والأطفال الذين يعانون سوء التغذية والمجتمعات التي يهيمن عليها الرجال، والثقافة التي تغلب عليها القيم الذكورية، وفقر الخدمات الصحية، وغير ذلك من مشكلات قد يصعب حصرها. وهذه المشكلات موجودة في القارة منذ قرون، ومع ذلك فإن التقرير المذكور لا يشير إلى أنها ستختفي خلال فترة قريبة، بل قد لا تختفي على الإطلاق في بعض البلدان، وإن كان يجب القول إن الإيدز لم يعد يضرب سكان القرن بالعمق الذي كان يفعل به ذلك في الماضي، وذلك بفضل التوصل لعقاقير لعلاج ذلك الوباء بفعالية.

هل هذا هو كل شيء؟ هل هذا أمر يمكن احتماله؟ بالقطع لا. يقول علماء السكان والجهات المنوط بها توفير الإمدادات الغذائية في العالم، إن الاقتصاد القادر على إدامة حياة 9 مليارات إنسان سيكون اقتصاداً مناسباً. ولكن هؤلاء العلماء وتلك الجهات قد يتحدثون عن كمية الامدادات الغذائية، وطرق توصيلها ولكنهم لا يتحدثون عن المناورات السياسية المتعلقة بالتحكم في آليات توزيع الغذاء على من يحتاجونه من سكان - وهي مناورات تكون على درجة كبيرة من الرداءة في بعض الأحيان-كما لا يبذلون اهتماماً واجباً بأسعار المواد الغذائية المتزايدة على المستوى العالمي، ولا يتساءلون عن من الذي يستطيع أن يدفع ثمن توفير الاحتياجات الغذائية للشعوب المحتاجة، ولا يبذلون اهتماماً كافياً باحتياجات الصين والهند المتزايدة من الغذاء وتأثير ذلك على توافر الغذاء في الأسواق العالمية، حيث من المنتظر أن تعمد الدولتان إلى شراء أي فوائض غذائية لدى الولايات المتحدة، والبرازيل، وكندا، وأستراليا على سبيل المثال لا الحصر.

وهم أيضاً لا يهتمون اهتماماً كافياً بمشكلة نقص كميات المياه العذبة في العالم، وهي المشكلة التي ستعتبر مقياساً لرفاهية الأمم خلال القرن القادم. فنقص المياه سوف يؤدي لإبطاء نمو بعض الدول، وسيجعل النمو ممكناً في دول أخرى. لقد اهتممنا في الآونة الأخيرة أكثر من اللازم بالأزمة المالية في اليونان، وبمغامرات الرئيس السابق لصندوق النقد الدولي، وأن الوقت قد حان للتفكير بجدية بشأن التحديات الأكبر التي ستواجه العالم في القرن الحادي والعشرين.

----------------

* المقال نقلا عن صحيفة الاتحاد الإماراتية.

 

طباعة

    تعريف الكاتب

    بول كينيدي

    بول كينيدي

    استاذ التاريخ بجامعة "يل"