مقالات رأى

ضدّان لا يجتمعان!

طباعة
لا وجود لـ "قمر" بلا شمس تمدّه بالضياء، ولا وجود لـ " شمس" بلا قمر يعطيها التوازن داخل حركة الأفلاك في منظومة المجرَّة الكونية "لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ  وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ" ( يس 40).
 
ولكن هل يستوي هذا القياس، مع الفارق طبعًا، إذا ما حاولنا الدخول إلى معترك المقارنة لتحقيق التقارب بين السياسة والثقافة؟ وهي ضروريات حتمية لاستقامة الحياة في المجتمعات البشرية، حتمية وجود الشمس والقمر في هذا الكون العظيم، وهل هما ضدان أو نقيضان لا يجتمعان؟ ومن سيقوم بدور الشمس؟ ومن سيقوم بدور القمر؟ أم ستكون العلاقة تبادلية للأدوار بحسب المناخ السائد في هذه المجتمعات؟
 
فالعلاقة بين الثقافة والسلطة تحمل قدرًا كبيرًا من التناقض، نظرًا لاختلاف تركيبة كل منهما. فالسلطة هي الترجمة الواقعية للسياسة بكل نفوذها، وسطوتها، وامتلاكها لكل أدوات التنفيذ على أرض الواقع. والثقافة هي نتاج فكر الشريحة التي تحمل مشعل التنوير، تقودها-بالطبع-كوكبة من العلماء، والمفكرين، والأدباء، والشعراء، ورسالتهم هي التغيير المستمر للواقع المعيش، والحلم الدائم بالاتجاه للأفضل. ومن هنا، يأتي الصدام بين ما تفرضه السياسة وما يسعى إليه المثقفون.
 
 ولكن تبقى الحياة الثقافية في حاجة إلى السلطة، كي تمنحها الحماية والقدرة على التأثير الاجتماعي المنشود، ومنح الضالعين بها فرصة التحرك بين الجماهير، دون الالتزام والتقيد بمقولة: إن من يأكل من عيش السلطان لا بد أن يضرب بسيفه، وحتى لا يتم اتهام المثقف بأنه "مثقف سلطوي". وهي لن تكون "سُبَّة" بالمعنى المطلق للكلمة، بل ربما تكون ميزة في تأكيد الالتحام بين المثقف والسلطة في التوجهات السياسية التي تهدف إلى رفعة ورقي المجتمع، وتؤكد معاني الانتماء والولاء للوطن، دون النظر إلى الأشخاص الذين يهيمنون على كراسي السلطة، والتحكم في دفة التوجهات السياسية.
 
إذن بتلاحم المثقفين مع النظام السياسي، يتم تحقيق نسبة كبيرة من الاستقرار في المجتمعات بولائها للمنظومة السياسية السائدة، وعندها تتحقق الثقافة السياسية، والسياسة الثقافية التي تضع وتضمن تطبيقها كل أجهزة الدولة، خاصة الجهات أو الوزارة القائمة على وضع الخطط الاستراتيجية على المديين القصير والطويل للتوجهات الثقافية المُحددة الهدف، وتعرف ماذا تريد من بث الروح الثقافية المعرفية بين الأجيال الصاعدة الواعدة. كما كانت وزارة الإرشاد القومي- وزارة الثقافة في الستينيات من القرن الماضي- حيث انتشرت قصور الثقافة في المدن، والقرى، والنجوع تدير "ساقية الري" لحقول الفكر والإبداع للعقول المستنيرة، فتحققت الطفرة الإيجابية الهائلة آنذاك. وحين نضبت تلك "الساقية"، تشققت الحقول الثقافية، ولم تنتج سوى ما نراه على الساحة من بقايا الهشيم الذي لايصنع أجيالاً تحمل بين جنباتها العزة، والتباهي بالانتماء والاحتواء بين ضلوع الوطن وقلبه النابض.
 
ما يثير دهشتنا أن المثقف حين يلتحم مع "السلطة" في توجهاتها التي تعبر عن اقتناعاته لإصلاح المجتمع، يجد أن من يدافع عنهم هم أول من يتهمونه بتهمة "التطبيل"، والتملق، والنفاق، حتى نكاد نقنع بصدق ما قاله الثائر"جيفارا" عن نفسه: أخشى أن أكون شمعة تحترق لتنير الطريق للعميان. أي أن المثقف يقع بين طرفي الرحى: السلطة والجمهور، ويشعر بأن ثقافته وثوريته لا تحميانه، ولا تحميان هذا "العصب العاري" الواضح للعيان بأنه نصير المهمشين والطبقة الفقيرة، ولكن هؤلاء المهمشين يكيلون له الاتهامات لمجرد إعلان توجهاته الصريحة الموازية لجانب السلطة.
 
 صحيح أن المثقف الثوري لابد أن يقف دومًا على يسار أي سلطة تحكمه، حتى ولو كان مناصرًا لها، ومؤيدًا لخطواتها الإصلاحية. وفي هذه الحال، تكون المعارضة "إيجابية" تأمل وتحقق تعديل المسارات والتوجهات، حين تجنح أو تحيد عن الطريق السوي نحو الهدف المرسوم.
إذن، لابد من العمل على التعايش السلمي بين الثقافة والسلطة، وبين السلطة والثقافة، ليكون الفكر في خدمة القوة، والقوة في خدمة الفكر. والقوة هنا ليست بمعنى البطش والقهر، ولكنها القوة المساندة لشجرة الإبداع والابتكار، كما صنعت الثورة المصرية في ستينيات القرن الماضي، والتي ستظل أملاً ومثالاً يحتذى. فلسنا دعاة العودة إلى الخلف، فنحن نعيش عصر التحولات الكبرى للمجتمعات العربية، بعد الثورات التي اندلعت في أرجائها تطالب بالتغيير، بحيث لا تسعى السلطة الحاكمة إلى الانتصار لثقافتها التي قد تتعارض مع فكر النخبة والصفوة من مثقفيها. وهنا، يحدق الضرر الكامل بالثقافة والمثقفين، فينتصر بكل العنجهية النظام السياسي، وتلقى الثقافة الهزيمة المُرَّة، ولا يستقيم لها عود أخضر على الأرض. 
 
لا تجعلوا قيم ثقافتنا العريقة تغيب عن واقعنا المعاصر، ولتكن الأصالة والمعاصرة هما ديدن طرفي المعادلة الصعبة وطرفيها: السياسة والثقافة، فلا تتحول السياسة إلى سلطة قمعية، ولا يتحول المثقف من منتج للوعي إلى حارس غبي للسلطة، وهذا يتطلب العمل على إيجاد استراتيجية لمؤسسة الثقافة، تساندها رؤية مستقبلية واعية للسلطة، وسياستها على أرض الواقع. وهنا، فالشمس والقمر يجتمعان، كل يمد ما يملكه لمساندة الآخر.. فهلا بدأنا؟
 
 
 
 
طباعة

تعريف الكاتب

أ.د.إلهــام سيــف الدولــة حمــدان

أ.د.إلهــام سيــف الدولــة حمــدان

أستاذ العلوم اللغوية ـ أكاديمية الفنون