التطرف والإرهاب

سيناريوهات ما بعد هزيمة "داعش" في العراق

  • إيمان زهران

  • 12-7-2017

طباعة
جاء إعلان رئيس الوزراء العراقي "حيدر العبادي" في يوليو الجاري بانتصار قواته في مدينة الموصل، وتحريرها من تنظيم "داعش" الإرهابي ليثير تساؤلات حول السيناريوهات المحتملة لمستقبل العراق، لاسيما أن نتائج تحرير تلك المدينة تشكل محددا أساسيا للتفاعلات الإقليمية بل والسياسية الداخلية بين المكونات السنية والشيعية والكردية في هذا البلد. أضف لذلك، فإن تحرير الموصل يثير كذلك استفهاما أساسيا حول مصير فلول تنظيم "داعش"، وما إذا كان هذا التنظيم قد تحلل أم سيعيد تمركز عناصره بأساليب أخرى تلاءم البيئة العراقية.
 
 ففي العام 2014، بدأ توسع تنظيم "داعش" في المناطق السنية العراقية لتأسيس خلافته الإسلامية المزعومة، مستخدما في ذلك حواضن اجتماعية في المنطقة عانت من سياسات حكومة المالكي التي همشت السنة في هذا البلد. وبعد ثلاث أعوام، حققت القوات العراقية، والفصائل الشيعية المسلحة، وقوات البيشمركة الكردية خلال النصف الأول من العام 2017 تقدما كبيرا في مدينة الموصل شمال البلاد، مدعومة بالتحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، حيث استطاعوا تحرير معظم أحياء الجانب الغربي، وقبلها الجانب الشرقي بالكامل، بما أفضى نحو خلخلة التنظيم، وخسارته مسقط رأسه في العراق. 
 
في ضوء ما سبق، ثمة سيناريوهات محتملة أمام تنظيم "داعش" بعد تحرير الموصل، ومن أبرزها: 
 
أولا: سيناريو التحلحل، ويعني أن يعلن تنظيم "داعش" حل نفسه، خاصة بعد خسارته أكثر من 60% من مناطق سيطرته، وأكثر من 80% من عائداته،ـ ومصادر الدخل التي كان يعتمد عليها في إدارة دويلته المزعومة "الخلافة الإسلامية".
 
ثانيا: سيناريو الإحلال، حيث قد يعمل تنظيم "داعش" على إحلال خطته في "العمق الجغرافي"، والمتعلقة بإرساء قواعد "دولة الخلافة"، ليطور من عمليات "الذئاب المنفردة" التي أطلقها قبل نحو عامين، بأن يعتمد على خلايا نائمة تنفذ سلسلة هجمات مشابهة لما مارسه تنظيم "القاعدة" بأماكن متفرقة.
 
ثالثا: سيناريو إعادة التمركز، إذ إن هنالك من يرجح أن يذهب تنظيم "داعش" إلى إعادة التمركز بـ "المناطق الهشة"، خاصة جنوب ليبيا وأفغانستان، ومنطقة الساحل الإفريقي، إضافة إلى المناطق الأخرى التي أعلن فيها ولاية إسلامية مثل، سيناء أو باكستان، وغيرها. هنا، يرجح عودة غالبية الجهاديين الأجانب إلى أوروبا، وسط مخاوف من تنفيذ عمليات انتقامية بالبلدان الأوروبية، على غرار ما حدث في فرنسا وبريطانيا.
 
 تحديات داخلية وخارجية:
 
على أن هذه السيناريوهات ترتبط بمآلات السياقات الداخلية في العراق بعد تحرير الموصل، فإذا ما سادت الفوضى والصراع بين المكونات الأساسية للمجتمع، فمن المرجح أن يتحول داعش إلى فروع أصولية تنشط في مناطق متفرقة. وبرغم أن تنظيم داعش قد ينتهي تنظيميا في العراق، فإن تجربته في "دولة الخلافة الإسلامية" قد تستمر في إلهام الإرهابيين حول العالم.
 
وتواجه العراق جملة من التحديات الأمنية والاقتصادية والسياسية التي لا تزال قائمة، بل قد تتعاظم خلال السنوات القادمة، في ظل الصراع الجيوسياسي ما بين المكونات العراقية الأساسية، خاصة السنة والشيعة والأكراد، والخارج الإقليمي والدولي، الأمر الذي بات ينذر بمشكلات سياسية، قد تؤثر على وحدة العراق، بالإضافة إلى إعادة الأعمار بعد تحرير المدن العراقية من "داعش"، والتي تمثل تحديا أساسيا في ظل التردي الاقتصادي المتزامن مع سوء الأوضاع الأمنية طوال الفترات الماضية.
 
يضاف لذلك، تحدى استفتاء إقليم كردستان المزمع إجراءه في سبتمبر المقبل، وما يمثله من تهديد لاستقرار البلاد ووحدتها، حيث قد يدفع بصعود سيناريو تفكك العراق على أساس طائفي، لاسيما في ظل إهمال الحكومات العراقية المتعاقبة تنفيذ المادة 140، والمتعلقة بحق تقرير المصير، فضلا عن عدم الوفاء بالتزاماتها تجاه قوات البيشمركة، كجزء من المنظومة الأمنية العراقية.
 
في الوقت نفسه، يواجه العراق تحديات إقليمية، حيث تتصارع كل من تركيا وإيران لرسم خرائط النفوذ في المنطقة. إذ تشارك إيران عبر مستشاري الحرس الثوري في قوات الحشد الشعبي ومليشيات أخرى موالية لها في التمدد نحو الحدود بين العراق وسوريا، كما تعزز تركيا تواجدها في شمال العراق عبر دعمها لقوات الحشد الوطني، ومتطوعي أبناء نينوى لبسط سيطرتها على جبل بعشيقة، والمناطق المجاورة لمدينة الموصل، بما قد ينذر بتوتر طائفي على غرار ما حدث في عام 2006.
 
وترجع تحديات التقسيم الداخلي على مناطق النفوذ والسلطة في العراق إلى التغذية الإقليمية السلبية للمكونات العراقية، حيث تطالب بعض فصائل السنة بتشكيل مجلس يتولى القيادة في المحافظات العراقية ذات الغالبية السنية، بما يوحي بالرغبة في تحقيق حكم ذاتي للسنة، على غرار مشروع "كردستان العراق"، وهو ما ترفضه الحكومة المركزية في بغداد لما تراه تهديدا للقومية العراقية، إضافة إلى معضلة التعامل الحكومي مع المليشيات المسلحة والموالية لإيران التي لعبت دورا في تحرير الموصل.
 
 في المقابل، فإن الإدارة الأمريكية تدفع بـ "مشروع الحكم الفيدرالي"، كنظام سياسي يمنح الولايات الثلاث: (مناطق الشيعة، ومناطق السنة، وكردستان العراق)، صلاحيات سياسية واقتصادية واسعة تحت حكم دستور واحد. وهو ما تم التعبير عنه مسبقا بخطة "ينون" في عام 1982، والتي ترتكز في محور الترسيم على البعد الطائفي. كذلك خرائط " برنارد لويس"، والتي تقوم وفقا لنظرية "المحاصرة وشد الأطراف" بإشعال المنطقة للتطابق مع نموذج الإمبراطورية الرومانية، بما يشبه الدويلات الصغيرة ذات الحكم الضعيف. وصولا لأحدث الخرائط والمعروفة باسم "اتلانتيك" لجيفرى جولدبرج،  والتي تُعد امتدادا لخرائط "رالف بيترز" الطائفية المعروف بـ "حدود الدم.
 
ختاما، يظل التحدي الأكبر الذي يواجه العراق "فيما بعد تحرير الموصل" هو استعادة الثقة نحو بناء الدولة القادرة على استيعاب كل العراقيين لتحقيق العيش المشترك بين المكونات المجتمعية في هذا البلد.
طباعة