مقالات رأى

10 أسباب أبعدت فرنسا عن حافة الهاوية

طباعة
تراجعت فرنسا الأحد الماضي عن حافة الهاوية إلى الخلف، فقد تنبه الناخبون في الدورة الثانية للانتخابات الإقليمية إلى خطورة اللعب مع اليمين المتطرف وحرموه من الفوز بأي إقليم ، وبالتالي انكفأوا نحو أحزاب اليمين واليسار التقليدي ، فهل يستمر هذا التراجع؟ وهل تتمكن الأحزاب التقليدية من إبعاد الناخبين عن اليمين المتطرف؟ وما الذي يترتب القيام به لتحقيق هذا الهدف؟
 
أسئلة كثيرة تحتاج إلى أجوبة لم ترتسم ملامحها الكاملة بعد، لكن أبرزها وأكثرها حضوراً هي مجموعة الأسباب التي أدت إلى انتزاع بعض الأقاليم من حضن اليمين المتطرف ، بعد أن كان الفوز فيها مضموناً بل غير خاضع للنقاش منذ الدورة الأولى. 
في هذا المجال يمكن الحديث عن عشرة أسباب:
 
أولها الخوف الذي أشاعته أنباء تقدم اليمين المتطرف في أقاليم بارزة في الدورة الأولى من الانتخابات الإقليمية وشعور الناخبين بأن مغامرة كبيرة وخطرة غير محسوبة النتائج يمكن أن تنجم عن مثل هذا الخيار. والراجح أن تصريحات المسؤولين الكبار في اليمين واليسار التقليدي ، ولا سيما حديث رئيس الحكومة عن احتمال وقوع حرب أهلية إذا ما فاز اليمين المتطرف في الانتخابات ، جعل العديد من الناخبين يتراجعون عن لوائح الجبهة الوطنية.
 
وثانيها يتعلق بزيادة نسبة الناخبين في الدورة الثانية بارتفاع وصل إلى 8 في المئة، وقد ساهم الارتفاع في حسم الفارق لصالح اليمين واليسار التقليدي. علماً أن اليمين المتطرف كان قد بلغ الحد الأقصى من الأصوات في الدورة الأولى ، وبالتالي ما عاد لديه احتياطي في الدورة الثانية فجاءت الزيادة في الأصوات لتغلب خصومه.
 
وثالثها ناجم عن تراجع الأصوات الغاضبة التي تصب عادة في الدورة الأولى للانتخابات في خانة اليمين المتطرف للتعبير عن غضبها من السياسات الحكومية، لكنها تعود في الدورة الثانية إلى خيار العقل وبالتالي الاقتراع للأحزاب الكلاسيكية.
ورابعها ناجم عن تدخل رجال الأعمال في الحملة الانتخابية مباشرة وبالتالي رسم صورة سوداوية لما سيكون عليه حال البلاد فيما لو فازت الجبهة الوطنية بالحكم وتقديم البراهين بالأرقام والحجج التي لا تقاوم، الأمر الذي حمل بعض مؤيدي الجبهة أو الذين أغراهم الاقتراع لها على التراجع لدوافع اقتصادية.
 
وخامسها أن أثر الخوف من الإرهابيين لم يكن عميقاً بحيث يندفع الناخب نحو مرشحي الجبهة الوطنية بوصفهم الأكثر قدرة على حماية الناس من الإرهاب ، فقد تبين أن خطة «فيجي بيرات» بحدها الأقصى لحماية المدنيين كانت فعالة ، وبالتالي أشعرت الناس بالطمأنينة في وقت قياسي ، الأمر الذي جعل الخوف الأمني عنصراً عابراً وليس مقيماً، وبالتالي إعادة النظر بالمعادلة الخاطئة التي تقول بأن اليمين المتطرف وحده القادر على فرض الأمن بالقوة في البلد.
 
وسادسها يتعلق بمقاومة اليسار للانهيار المعلن لسلطته في الأقاليم التي كان يسيطر عليها منذ الانتخابات الأخيرة، فقد تمكن في الأسبوع الفاصل بين الدورتين من تحريك صفوفه ودفع ناخبيه إلى صناديق الاقتراع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الأقاليم التي تقع تحت سيطرة اليسار ولسد الطريق على اليمين المتطرف، وقد أدت التعبئة اليسارية غرضها حيث احتفظ اليسار بخمسة أقاليم وفاز اليمين بسبعة ولم يتمكن اليمين المتطرف من الفوز بأي منها. 
 
وسابعها هو الخيار العقلاني الذي انتهجه اليسار عبر اقتراعه لليمين التقليدي في مقاطعات الشمال رغم رفض اليمين المعتدل تشكيل كتلة جمهورية مضادة لليمين المتطرف كما فعل في انتخابات العام 2002. 
والواضح أن الحزب الاشتراكي قرر لعب هذه الورقة على أن يتهم أن عهده شهد للمرة الأولى انتصاراً تاريخياً لليمين المتطرف. 
 
وجدير بالإشارة إلى أن اليسار المتطرف اتخذ الموقف نفسه لكنه اشترط أن يكون المرشح المقترع له أفضل من مرشح الجبهة الوطنية.
 
وثامنها الإنذارات التي تكررت الأسبوع الماضي من أطراف أوروبية وتناقلتها وسائل الإعلام المختلفة من أن انتصار اليمين المتطرف يمكن أن يضع حداً ليس فقط لعلاقة فرنسا بالاتحاد الأوروبي وإنما يمكن أن يعزل فرنسا عالمياً ، ويحرمها من مكانتها كدولة دائمة العضوية في مجلس الأمن. وعلى الرغم من بعض المبالغة في هذا الصدد فقد تخيل بعض الناخبين أن المؤسسات الأوروبية والدولية قد تعتبر فوز اليمين المتطرف بمثابة صفعة لها وأن تقرر عدم التعامل مع العنصريين المنتخبين ، الأمر الذي من شأنه أن يلحق أذى كبيراً بمصالح هذا البلد.
 
وتاسعها يكمن في إخفاق الجبهة الوطنية في إثبات جدارتها وطمأنة الناخبين إلى حسن إدارتها للأقاليم ، وقد بدا في نقاشات كثيرة أن خياراتها تقود الناخبين إلى طريق مسدود أو أن طروحاتها ذات طابع احتجاجي وليست جديرة بتجريب بدائل قابلة للتطبيق.
وعاشر الأسباب يكمن في تقرب اليمين التقليدي من طروحات اليمين المتطرف ، وبالتالي تشكيل مخرج شرعي للناخبين المتطرفين الذين اعتبروا أن مطالبهم وطموحاتهم تكون قابلة للتطبيق في حزب أثبت جدارته في ممارسة الحكم ولا اعتراض على سمعته وليس منبوذاً أو متهماً بالعنصرية وكره الأجانب، خصوصاً أن هذا النوع من الناخبين كان يقترع تقليدياً لليمين المعتدل وانحسر عنه احتجاجاً على إخفاقه أو تبرماً من مساوماته.
 
بكلام آخر يمكن القول إن هذا النوع من الناخبين وجد في اليمين المعتدل ما يريده من طروحات مارين لوبن من دون حرج العنصرية وكره الأجانب وأوروبا واليهود.
 
 
يبقى التحذير من أن هزيمة اليمين المتطرف في الانتخابات الإقليمية ليست ماحقة ، فقد سجل أعلى نسبة من الأصوات في تاريخه بلغت نحو 7 ملايين صوت، وهذه نسبة كبيرة جداً على بعد 16 شهراً من الانتخابات الرئاسية ما يعني أن الوقت المتاح لليمين واليسار من أجل استرجاع ثقة الناخبين محدود للغاية.. وبالتالي فإن خطر السقوط في هاوية التطرف اليميني ما زال كبيراً طالما أن الابتعاد عنها يحسب بعشرات الأمتار.
 
----------------------------------
* نقلا  عن السفير اللبنانية، 12-12-2015.
طباعة

تعريف الكاتب

فيصل جلول