تحليلات - شئون اقتصادية

الصراع الروسي - الأوكراني، هل من فرص اقتصادية يمكن استثمارها؟

طباعة

يمتد تاريخ تأسيس دولة أوكرانيا إلى القرن التاسع ميلادي، إذ تأسست على أيدي السلاف الشرقيين، واتخذوا من مدينة كييف عاصمة لهم، ولكنها عادت لتتفكك في القرن الثاني عشر ويتقاسمها عدد من الدول المجاورة، وفى القرن التاسع عشر، خضع الجزء الأكبر منها للإمبراطورية الروسية مع بقاء أجزاء منها تحت السيطرة النمساوية وبعد الحرب العالمية الأولى واستقلالها أصبحت في يناير ١٩٢٢ من مؤسسي الاتحاد السوفيتي، ثم من مؤسسي منظمة الأمم المتحدة في عام ١٩٤٥، وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي أعلنت أوكرانيا استقلالها في أغسطس عام ١٩٩١ وبسطت سيادتها على شبه جزيرة القدم، والتي كانت قد ألحقت بها قانونياً عام ١٩٥٤، وكذلك سيطرتها على أسطول البحر الأسود. وجغرافياً، تعد أوكرانيا ثاني الدول الأوروبية من حيث المساحة، وهى دولة أوروبية شرقية تعنى عند الحدود، لأنها كانت تؤلف حداً جغرافيا للبلاد الروسية القديمة مع أوروبا.

أوكرانيا هي المنطقة العازلة بين الشرق والغرب، حيث تعدها روسيا العمق الاستراتيجي والمجال الحيوي الذي يقربها من الجزء الغربي، وجهة تأمين الجهة الشرقية من أي نفوذ غربي، بالإضافة للنظرة الأوروبية لأوكرانيا بأنها البوابة الشرقية للقارة العجوز. وعلى مدار العصور حاولت أوروبا عدم السماح لدولة قارية مركزية كروسيا أن تسيطر على هذه الرقعة أو أن تتجاوزها. وعلى مر العصور، ارتبطت أوكرانيا بمصالح القوى العظمي لما تتمتع به من مقومات جعلتها في حقب زمنية مختلفة منطقة تنافس دولي بين الإمبراطوريات القديمة والغرب. 

الموارد الطبيعية للجمهورية الأوكرانية:

تعد أوكرانيا من الجمهوريات المتطورة علمياً واقتصادياً، وتقوم قاعدتها الاقتصادية القوية على مبدأ توافر الثروات والموارد الطبيعية المهمة والغنية، ويأتي الفحم الحجري على رأسها ومصادر الطاقة من الغاز والنفط والكهرباء وهذا ما ساعد على تطور العديد من الصناعات الثقيلة والاستراتيجية والتعدينية وصناعة الآلات فيها، وتتركز عمليات إنتاج الفحم في حوض الدونيتس الواقع في شرق البلاد، ويساهم بأكثر من ٩٠٪ من إنتاج البلاد من الفحم وباحتياطيات تتعدى ٥٠ مليار طن. 

الأهمية الجيوسياسية لأوكرانيا بالنسبة إلى روسيا:

لماذا يخاطر الرئيس الروسي بوتين بالإصرار على إثارة اضطرابات جيوسياسية واقتصادية من خلال إعادة إشعال المواجهة العسكرية مع أوكرانيا؟ لا يخفى أنه يملك مصلحة وجيهة للاستثمار في الوضع الإقليمي الراهن، لقد ضمت روسيا شبه جزيرة القرم في عام ٢٠١٤، في واحدة من أكبر عمليات الاستيلاء على الأراضي في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، ولم تتأثر روسيا كثيراً بالعقوبات الغربية المفروضة عليها بسبب الهجوم الروسي على أوكرانيا، كما يتمتع اقتصاد روسيا بحالة من الاستقرار الشديد، وتمسك موسكو أيضاً بإحكام على مفاتيح سوق الطاقة الأوروبية والتحكم بقوة في أنبوب الغاز وموارد الطاقة في أوروبا وشرايين اقتصادها، حيث إن خط أنابيب نورد ستريم ٢، الذي سيعزز اعتماد الألمان على الغاز الطبيعي الروسي، يسير نحو عمليات التشغيل الأخيرة على الرغم من العقبات.

ظلت أوكرانيا بمساحتها الكبيرة وإطلالها على المياه الدافئة، وتضاريسها المتميزة بمثابة الحديقة الروسية الخلفية، وظلت نظرة الدب الروسي لها ثابتة نظراً لأهميتها الاستراتيجية، فهي جزء من حزام الأمان الجغرافي وحاجز طبيعي بين روسيا والغرب، بالإضافة إلى أنها أقرب الطرق من روسيا إلى البلقان والبحر الأبيض المتوسط التي تعتبر المياه الدافئة لأسطول البحر الأسود الروسي، وللطاقة التي تمد بها روسيا القارة العجوز عبر أوكرانيا بنسبة تتعدى ٧٥٪، كما أن حاجة الاقتصاد الأوروبي إلى مزيد من الإمدادات مستقبلاً جعل الدب الروسي يبذل أقصى جهده للحفاظ على أوكرانيا كمعبر استراتيجي لأنابيب الغاز والنفط مع وضع يدها على نفط بحر قزوين وضخه نحو القارة. وتعتبر روسيا أوكرانيا بلداً عازلاً بينها وبين دول حلف الناتو، فهي خط الدفاع الأول لروسيا، ولا يعد ذلك السبب الوحيد، بل إدراك الروس لموقعهم الذي لا يملك أي منافذ بحرية فيما أن جنوب أوكرانيا يطل على البحر الأسود التي تصل في نهايتها بمضيق البوسفور.

ومع تزايد ثقة بوتين سياسياً واقتصادياً، فإن تحويل واشنطن اهتمامها ومواردها إلى المنافسة مع الصين له دلالات قوية ربما زاد من قناعة بوتين بأن أوكرانيا لم تعد بتلك الأهمية الماضية بالنسبة للولايات المتحدة، وأن الروس سئموا الدبلوماسية ويرون في عملية اندماج النمر الأوكراني المتزايد مع الولايات المتحدة الأمريكية وحلف شمال الأطلسي أمراً لا يمكن التسامح معه، لذا ترى موسكو أنّ الظروف الآن أصبحت مهيأة والفرص سانحة لإعادة ضبط المعادلة بالقوة بالقارة العجوز ما لم تستطع موسكو وواشنطن وكييف التوصل إلى تسوية سلمية.

وبعد أسابيع من التوقعات والمناوشات، وتحت شعار نزع سلاح حكومة كييف التي اتهمها بالإشراف على إبادة جماعية في المناطق الشرقية من أوكرانيا، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فجر الخميس الماضي، إطلاق عملية عسكرية في منطقة دونباس شرقي أوكرانيا، وبينما تتجه أنظار المجتمع العالمي صوب الأراضي الأوكرانية، تنذر الأزمة المتصاعدة بعواقب تتعدى حدود القارة العجوز، ليشعر بها شعوب العالم، وعلى وجه التحديد الدول العربية.

 المخاطر المحتملة التي تحملها الأزمة الروسية - الأوكرانية.. وكيف يمكن التعامل معها؟

تتجه روسيا وأوكرانيا نحو إعادة إشعال صراع لم يُحسم بعد، مما قد يساعد على إعادة رسم الخريطة الاوروبية مرة أخرى ويقلب أوراق ومساعي جهود بايدن والولايات المتحدة الأمريكية لتحقيق الاستقرار في علاقتها مع الدب الروسي. قبل خطوة بوتين الخميس الماضي ودق طبول الحرب، كان نفوذ روسيا السياسي في الأراضي الأوكرانية يتضاءل عاماً بعد عام، واتخذت حكومة كييف موقفاً حازماً وواضحاً من المطالب الروسية العام الماضي، عندما رفضت كل أساليب وطرق المساومة من أجل العمل والتعاون مع بوتين وتحقيق أحلام موسكو، مع الدعم المقدم من الدول الأوروبية التي دعمت موقف كييف، مع زيادة سبل تعاونها الأمني ​​مع خصوم موسكو من الأمريكيين والأوروبيين، وهو ما أشعل فتيل الحرب مبكرا.

ومنذ بداية الأزمة والتهديدات الروسية وكيفية وأسلوب الرد الغربي عن تلك التهديدات، ظهرت العقوبات الاقتصادية كأداة أساسية في ترسانة المعسكر الأوربي للتعامل مع الدب الروسي، وقد طُرح ملف الطاقة كأداة مهمة على مائدة النزاع، وتحديداً إمدادات الغاز الروسي كورقة مساومة أساسية في هذا الإطار، وملف الطاقة بالتحديد يعتبر سيفاً ذا حدين. فمن جهة، تعتبر هذه الخطوة عائقاً، لأنها تعني ضرورة البحث عن مصدر للغاز بديلاً عن الغاز الروسي ومن المستحيل إيجاد بديل سريع يغنى أوروبا عن الأمداد الروسي. ومن جهة أخري، يمثل فرض عقوبات على قطاع الطاقة الروسي، وبالتحديد الغاز، صفعة وضربة موجعة لموسكو، والتي تشكل صادراتها من الغاز والنفط إلى القارة العجوز رافداً وشرياناً رئيسيًا لاقتصادها.

فالقارة الأوروبية تعتمد على روسيا في نحو أكثر من ٤٠٪ من الغاز الطبيعي الذي يأتيها معظمه عبر خطوط أنابيب، منها يامال-أوروبا الذي يعبر روسيا البيضاء وبولندا إلى ألمانيا، ونورد ستريم ١ الذي يذهب مباشرة إلى ألمانيا مروراً بأوكرانيا.

خيارات غير الغاز:

ارتفعت أسعار الغاز في أوروبا مع تصاعد التوتر بين روسيا والغرب، بعدما أمرت موسكو قواتها بدخول منطقتين انفصاليتين في شرق أوكرانيا، فيما تستعد الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها في الاتحاد الأوروبي لإعلان عقوبات جديدة على روسيا، مما قد يكون له آثار قوية على تدفق الغاز الروسي إلى  الأراضي الأوروبية. وأكد محللون لدى باركليز إن تعويض ما يتراوح أكثر من ١٩٠ مليار متر مكعب سنوياً من الغاز الروسي إلى الاتحاد الأوروبي أمر صعب تحقيقه على المدى القصير، ولكن من الممكن لدول جنوب أوروبا استقبال الغاز من أذربيجان عبر خط الأنابيب العابر للبحر الأدرياتيكي إلى إيطاليا وخط أنابيب الغاز الطبيعي العابر للأناضول، كما أن بإمكان الدول المجاورة نقل الغاز عبر الروابط البينية، لكن ربما لا يكون بعض الدول مستعدة للتخلي عن الغاز الذي قد تحتاج إليه، وحينئذ سيتعين على المستوردين دفع ثمن باهظ.

بعض البلدان الأوربية لديها خيارات أخرى. فعلى سبيل المثال، يمكن لألمانيا، التي تعتبر أكبر مستهلك للغاز الروسي، الاستيراد من هولندا والنرويج والدنمارك عبر خطوط الأنابيب، غير أن رئيس وزراء ثاني أكبر مورد للغاز الأوروبي، وهو النرويج، صرح بأن بلاده تشحن الغاز الطبيعي بأقصى طاقتها ولا يمكنها تعويض أي نقص في إمدادات الغاز من روسيا.

ويتطلع الأوروبيون وحليفهم الأمريكي للدول العربية المنتجة للغاز والنفط كقطر والجزائر وغيرهما بوصفها المنقذ العالمي ومصدراً مهماً يمكن أن يعوض بعض النقص في إمدادات الغاز الروسي إلى أوروبا، كما يمكن أن يلعب دوراً أساسيا في استيعاب الاضطرابات التي من المؤكد أن تصيب السوق العالمية للنفط نتيجة للتوترات الروسية الأوكرانية.

هل انقطعت الإمدادات لأوروبا من قبل؟

منذ أكثر من ١٥ عاماً، وقعت خلافات روسيا أوكرانية بشأن الأسعار المدفوعة لعمليات شراء الغاز. ففي عام ٢٠٠٦ قطعت شركة غاز بروم الروسية خط الإمدادات عن أوكرانيا لمدة يوم واحد، وفى شتاء عام ٢٠٠٩، تكرر انقطاع إمداد الغاز الروسي في جميع أنحاء أوروبا. وفي ٢٠١٤، قطعت موسكو الإمدادات عن كييف بعد ضم شبه جزيرة القرم، وتوقفت أوكرانيا عن شراء الغاز الروسي في نوفمبر ٢٠١٥، وخفضت أوكرانيا الاعتماد على واردات الغاز المباشرة من روسيا عبر آلية تدفق عكسي يسمح لها بالاستيراد من دول الاتحاد الأوروبي.

ختاما، إن فشل العالم في صياغة رد منسق وواضح على العدوان الروسي كلّف أوكرانيا ثمناً باهظاً في الماضي، فلم تنضم أوروبا إلى العقوبات إلا بعد أن أسقط الانفصاليون المدعومون من روسيا طائرة ركاب مدنية في عام ٢٠١٤، أي بعد فترة طويلة من ضم روسيا لشبه جزيرة القرم وغزوها منطقة الدونباس، لذا ربما ينحوا هذه المرة إلى تجنب تكرار هذا السيناريو المتمثل في عمليات اتخاذ سياسات مجزأة وقائمة على مبدأ رد الفعل. وبينما سترغب واشنطن في الحفاظ على سرية بعض الخيارات المتاحة، يجب أن توضح علناً الخطوط العريضة الأساسية لدعمها للسيادة الأوكرانية، جنباً إلى جنب مع حلفائها الأوروبيين، حيث إن حجم الضرر الإنساني والاستراتيجي لهجوم روسي واسع النطاق يقتضي مثل هذه المواقف لأنه قد تمتد آثار هذا الضرر ليشمل الاقتصاد العالمي. وتأمل الولايات المتحدة الأمريكية وشركاؤها الأوروبيون في أن تتمكن الدول العربية المنتجة للغاز من تعويض النقص في إمدادات الغاز الروسي إلى القارة الأوروبية، ويتطلع بايدن إلى أن يسهم كبار منتجي النفط في العالم العربي، وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية، في منع الارتفاع الشديد في أسعار النفط العالمية نتيجة للمخاوف المتعلقة بالأزمة الأوكرانية - الروسية عبر زيادة إنتاجهم من النفط.

طباعة

    تعريف الكاتب

    د . أحمد سلطان

    د . أحمد سلطان

    مهندس استشارى- رئيس لجنة الطاقة بنقابة مهندسين القاهرة