من المجلة - ملف العدد

اللاعبون الجدد:| أنماط وأدوار الفاعلين من غير الدول في الثورات العربية

طباعة

يلعب الفاعلون من غير الدول دورا مهما في تطور المنطقة العربية، وقد كان مفهوما دوما أن الدولة ليست الفاعل الوحيد المؤثر فيها، وذلك رغم أن الأدبيات العربية لم تهتم كثيرا بدراسة وتحليل أنماط تأثير هذا النمط من الفاعلين. وإذا كان واضحا تأثيرهم في المنطقة العربية وفي قضاياها الرئيسية، فإنه من الواضح أيضا تأثرهم بالتطورات التي شهدتها المنطقة منذ اكتمال استقلال دولها منذ النصف الثاني من القرن العشرين، حيث يلاحظ نوع من التحول والتطور المستمرين في  طبيعتهم وأدوارهم. فعلي سبيل المثال، لم تعد حركات التحرر الوطني، مثل منظمة التحرير الفلسطينية، هي النمط الوحيد السائد من الفاعلين من غير الدول، وإنما تولدت أنماط أخري نتيجة ديناميكيات التطور الداخلية في المنطقة، وداخل الدولة العربية، فتنامت أدوار الفاعلين من غير الدول الجدد. كما لم تعد الشركات المتعددة الجنسيات العاملة في مجال النفط هي النمط الوحيد النشط في المنطقة، حيث تنامي نشاط شركات الاتصالات وشركات محركات البحث، مثل "بنج" و"جوجل".

وهذا التحول المستمر في طبيعة الفاعلين من غير الدول جعل مسألة نمط تأثيرهم في المنطقة، وما إذا كانوا عنصر استقرار أو عدم استقرار فيها، من القضايا المثيرة للجدل. وقد تعزز هذا الجدل مع حالة الثورة التي شهدتها المنطقة منذ مطلع هذا العام. فما صاحب هذه الحالة من تغيير جذري أطاح النظم القائمة، كما هو في حالة كل من مصر وتونس، استرعي الانتباه إلي أهمية شبكات التواصل الاجتماعي، حتي إن حلف الناتو، في أحد إصداراته Nato Review، أثار تساؤلا حول ما إذا كانت الثورات العربية هي "ثورة الفيسبوك رقم 1" أم لا?(1).

وما يزيد من أهمية التحول في طبيعة وأدوار الفاعلين من غير الدول هو تزامنه مع تنامي تأثير هذا النمط من الفاعلين في المنطقة علي نحو غير مسبوق. فعلي سبيل المثال، عد  الدكتور بهجت قرني في كتابه "الشرق الأوسط المتغير"(2) تنامي دور الفاعلين من غير الدول مظهرا للتغير الذي طرأ علي المنطقة العربية، كما عد  أن هذا يؤكد عكس القناعة السائدة في الأدبيات العربية، الخاصة بعدم تغير طبيعة الفاعلين فيها. كما انتهت "جولي حريق"، بعد دراستها حماس وحزب الله، أن دور هؤلاء الفاعلين أصبح علي ذات درجة أهمية دور الدول(3). إلي جانب ذلك، عد  فريق آخر من المهتمين أن العقد الأول من القرن الحادي والعشرين هو عقد الفاعلين من غير الدول، وفسر ذلك بتحول القوة من الدولة العربية إلي الفاعلين من غير الدول، مثل حزب الله، وحماس، وتنظيم القاعدة، والتنظيمات المحلية الموالية له، والتيار الصدري في العراق(4).

ويمكن تفسير هذا التحول في جزء مهم منه بما صاحب التطورات التي شهدتها المنطقة من زيادة ضعف الدولة العربية وتفككها، ومن انهيار للنظم السياسية التي ظلت جامدة لما يزيد علي عقدين من الزمان، وذلك في الوقت الذي زاد فيه انخراط الدولة في التفاعلات العالمية، فظهرت من ناحية جماعات أو تنظيمات منظمة تقوم بعدة وظائف كانت في الأصل من اختصاص الدولة، من قبيل توفير الخدمات العامة، والنظام والأمن في بعض الأجزاء من إقليم الدولة. وتزايد، من ناحية أخري، نشاط الشركات المتعددة الجنسيات والمنظمات الحقوقية الدولية، علي نحو أصبح معه نشاطها محركا لتغيير الوضع داخل تلك الدول، لصالح مزيد من النفوذ والشرعية للجماعات التي تقوم ببعض وظائف الدولة.

إن التطورات الأخيرة التي شهدتها المنطقة، بما في ذلك حالة "الثورة"، كشفت عن أبعاد جديدة للتحول في طبيعة وأدوار الفاعلين من غير الدول. وقبل مناقشة أبعاد هذا التحول، تجدر الإشارة إلي أن المقصود بالفاعل من غير الدولة هو أي جماعة أو منظمة تتمتع بالاستقلال autonomy، أي مقدار الحرية التي يتمتع بها عند السعي لتحقيق أهدافه، والتمثيل

 representation، أي تمثيل أتباعه والمؤيدين له، والنفوذ influence أي القدرة علي إحداث فرق تجاه قضية ما في سياق معين، مقارنة بتأثير فاعل آخر في القضية ذاتها(5).

مزيد من التعقد في خريطة الفاعلين من غير الدول :

كان هناك دوما خريطة ثابتة نوعا ما للفاعلين من غير الدول في المنطقة، تختزل أنماط الفاعلين المؤثرين فيها في المنظمات الدولية الحكومية، مثل الأمم المتحدة، والناتو، والجامعة العربية، ومنظمة الوحدة الإفريقية، والشركات المتعدية الجنسيات، خاصة التي تعمل في مجال النفط، ثم أضيف لها نمط الجماعات الإرهابية، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر. وهذه الأنماط من الفاعلين لم تكن دقيقة بدرجة كبيرة في التعبير عن خريطة الفاعلين من غير الدول المؤثرين في المنطقة العربية.

حيث أصبحت خريطة الفاعلين من غير الدول في المنطقة تتسم بالتعقيد، نتيجة تنوع أنماط الفاعلين النشطين فيها. فمن حيث مستوي نشاط الفاعلين، يمكن التمييز بين الفاعلين من غير الدول المحليين، أي الذين ينحصر نشاطهم في دولة واحدة فقط، مثل الأحزاب السياسية، والمحاكم الإسلامية، والفاعلين العابرين للحدود، والذين يتعدي نشاطهم حدود دولة واحدة، مثل حزب الله، وتنظيم القاعدة، والشركات المتعدية الجنسيات.

ومن حيث طبيعة العلاقة بالدولة، هناك الفاعلون من غير الدول "التقليديون"، مثل المنظمات غير الحكومية، والمنظمات الدولية الحكومية، والشركات متعددة الجنسيات، والفاعلين من غير الدول "الجدد". والفارق بين هذين الجيلين من الفاعلين هو في طبيعة العلاقة مع الدولة، وطبيعة الدور الذي تلعبه في العلاقات الدولية. فمن ناحية، ارتبطت نشأة الفاعلين التقليديين بالدولة القومية، حتي إنهم في بعض الحالات تحولوا إلي أذرع  لتنفيذ السياسات الخارجية لدولهم. كما أنه تاريخيا، اتضح أن استمرار وجودهم مرتبط باستمرار وجود الدولة، واستمرار قدرتها علي الحفاظ علي تماسكها وقوتها، وعلي فرض القوانين. فعلي سبيل المثال، لا تستطيع شركات البترول العالمية مثل شركة "بي بي" البريطانية ممارسة نشاطها في دولة تعاني حربا داخلية، أو إذا لم تتوافر فيها بنية تحتية مستقرة، ووضع سياسي وأمني مستقر. ولعل هذا ما يفسر عمليات "إعادة تقييم النشاط" التي قامت بها شركات النفط في ليبيا بعد تحول الثورة فيها إلي حرب مسلحة، حتي إن بعض التقديرات ذهبت إلي اتخاذ بعض الشركات العاملة في ليبيا قرارا بتأجيل نشاطها هناك لمدة سنة(6).

وتاريخيا، تعتبر السمة الرئيسية لهذه الشركات هي السعي للحفاظ علي الوضع القائم في الدولة التي تعمل فيها، ودعم النخبة الحاكمة هناك، مادام ذلك يحقق مصالحها. وتجدر الإشارة إلي وجود بعض الاستثناءات علي هذه السمة، حيث تفيد بعض التقارير بوجود دور ما لشركات النفط الأمريكية والبريطانية في حرب العراق، وهذا يعني أنها سعت لاستعادة دور تقليدي لعبته خلال الخمسينيات في المنطقة من خلال إسقاطها حكومة مصدق في إيران، حين اتبع سياسات تأميم قطاع النفط، حيث يمكن فهم تورطها في الدفع نحو شن حرب علي العراق برغبتها في الحصول علي نصيب من سوق النفط العراقي، والذي كان نظام صدام أغلقه دون الشركات الأمريكية. ولكن يظل هذا النمط استثناء علي السمة العامة لدور هذه الشركات في المنطقة.

وفي المقابل، نشأ بعض الفاعلين الجدد في دول لم تكتمل نشأتها بعد، مثل حركة حماس في الأراضي الفلسطينية، أو باتت تعاني درجة من درجات الضعف، مثل حزب الله في لبنان، أو تعرضت لانهيار تام بسبب الغزو، كما هو الوضع بالنسبة لجيش المهدي في العراق، أو ضربها الضعف حتي وصلت إلي مرحلة الانهيار، كما هو في حالة المحاكم الإسلامية في الصومال. وعادة ما يقومون ببعض المهام الخاصة بالدولة، مثل  توفير السلامة العامة، والنظام، والخدمات العامة، مثل الصحة والتعليم. والمقصود بمفهوم الفاعلين من غير الدول الجدد هو الجماعات أو المنظمات التي تتمتع بعدد من السمات، تتمثل في الاستقلال التام أو بدرجة كبيرة عن تمويل الحكومة المركزية التي تعمل علي أرضها، وتمتلك موارد خاصة بها تضمن لها ممارسة تأثير ما في المخرجات السياسية داخل دولة واحدة أو أكثر، أو في البيئة الدولية، ولها هوية متميزة، ولها سياسة خارجية مستقلة عن سياسات الدولة التي تنتمي إليها(7). وتختلف درجة توافر هذه السمات في الفاعلين من غير الدول الجدد من حالة لأخري.  وقد تناولت الأدبيات الغربية دراسة هذا الجيل من الفاعلين تحت اسم "الفاعلون من غير الدول المسلحون"

 Armed Non-State Actors ANSA و"الفاعلون من غير الدول العنيفون" Violent Non-State Actors، أو الجماعات الإرهابية(8)، أو الحركات الإسلامية(9) أو "الفاعلون الدينيون"، أو "الفاعلون ذوو الهوية المتمايزة" Identitary Actor. 

ويلاحظ أن علاقة هذا النمط من الفاعلين بالدولة تتسم بدرجة عالية من التعقيد، فقد يتبنون مشروعا يهدم الدولة التي يعملون علي جزء من أرضها، ويهدف لإقامة دولة أخري بديلة، وذلك في الوقت الذي يحتفظون فيه بتحالفات قوية مع دول أخري مجاورة للدولة التي ينتمون إليها، كما  أن السمة الغالبة لنشاطهم هي النزوع لتغيير الوضع القائم داخليا وإقليميا.

وتجدر الإشارة إلي اختلاف جيل الفاعلين الجدد عن حركات التحرر الوطني التي نشطت في المنطقة خلال النصف الأول من القرن العشرين، والتي مارس بعضها نشاطا خارج حدود الدولة، وكان عنيفا في بعض أبعاده، مثل منظمة التحرير الفلسطينية. حيث إن النمط النشط حاليا في المنطقة من الفاعلين مختلف في طبيعته وأهدافه واستراتيجيات عمله عن حركات التحرر، سواء من حيث طبيعة الدور الذي يلعبه والغايات التي يسعي لتحقيقها، أو من حيث النشأة والسمات، وطبيعة التأثير وطبيعة العلاقة مع الدولة. فهدف هذه الكيانات ليس مجرد تحرير الدولة من الاحتلال والحصول علي اعتراف دولي بها، بل تعدي ذلك إلي تحدي الدولة والدخول معها في تنافس علي الشرعية والسلطة. وتشير حالة حزب الله في لبنان إلي احتمال تطور المنافسة إلي  صراع عنيف كما حدث في مايو 8002.

عودة الفاعلين التقليديين :

كشفت حالة الثورة التي شهدتها المنطقة العربية عن حدوث تطور من حيث نمط الفاعلين المؤثرين فيها، حيث عاد الفاعلون التقليديون لينشطوا في المنطقة علي نحو غير متوقع، ولكن هذه المرة بنشاط مختلف. إذ تنامي نشاط الشركات المتعددة الجنسيات العاملة في مجال تكنولوجيا المعلومات، مثل "فيسبوك وتويتر" اللتين لعبتا دورا محركا في الثورات العربية، من حيث كونهما أداة للحشد والتعبئة والتنسيق في المراحل الأولي للإعداد للثورة. وتجدر الإشارة إلي أن اختلاف نشاط هذه الشركات عن نشاط شركات النفط، علي سبيل المثال، ترتب عليه اختلاف تأثيرها في المنطقة. فطبيعة المجال الذي تعمل فيه وما توفره من تقنيات تسهل التواصل بين الأفراد في مختلف أنحاء العالم، وما يصاحب ذلك من ارتفاع سقف التوقعات، يولد حالة من الرغبة في تغيير الوضع القائم لدي المستخدمين، وبالتالي لم تعد تعمل علي الحفاظ علي الوضع القائم، وبات التغيير بمثابة الأثر الجانبي لممارستها نشاطها في أي دولة.

وقد كانت الحالة المصرية هي الحالة الأكثر وضوحا فيما يتعلق بدور شركة "جوجل" علي سبيل المثال، حيث لعب وائل غنيم، رئيس إدارة التسويق التابعة لها في منطقة الشرق الأوسط، دورا مؤثرا في الثورة المصرية، خاصة بعد أن تم الإفراج عنه واستضافته في القنوات المصرية، وحتي الإفراج عنه لم يكن واضحا وجود علاقة بين دوره في الثورة وشركة "جوجل". ولكن يلاحظ أن شركة "جوجل" قد عملت بعد تنحي مبارك علي البناء علي ما أنجزه غنيم،  وما حققه من انتشار لاسم الشركة، حيث أطلقت مجموعة من المبادرات للإسهام في بناء النظام الجديد في مصر، بعض هذه المبادرات يهدف لتعزيز قيم الديمقراطية بما يضمن في النهاية شكلا ما للنظام السياسي الجديد. ومن هذه المبادرات مبادرة مصر تتكلم Egypt Talks، وتقوم فكرتها علي بث مجموعة من تسجيلات الفيديو القصيرة علي موقع يوتيوب، تشرح مفاهيم سياسية محددة، أو تقدم تحليلا مختصرا لحدث ما يشغل الرأي العام المصري، ومبادرة النقاش الحي Debate Online، وتقوم فكرتها علي إجراء مقابلة مع أحد المسئولين حول قضية معينة، ويتم الإعداد لها وتحديد الأسئلة من خلال نظام تفاعلي مع مستخدمي موقع اليوتيوب.

وبالتالي، لم تعد "جوجل" مجرد محرك بحث، بل محرك تغيير، خاصة بعدما طورت من خدماتها علي الإنترنت، ومثل هذا الدور لم تقم به شركة فيسبوك رغم دورها الرائد في تحريك الثورة وتحقيق الحشد لها في مصر وغيرها من الدول العربية. وربما يطرح هذا أهمية إعادة  النظر في العلاقة بين جوجل والإدارة الأمريكية، خاصة أن هذه الإدارة مهتمة بنوع النظام الذي سينشأ في مصر وموقع  الإخوان المسلمين فيه. وقد يقابل هذا التوسع في النشاط لشركة "جوجل" في مصر تقلصا في النشاط في الدول التي لم تصلها الثورة مثل ملكيات الخليج، خاصة مع قيام عدد من الدول الخليجية بحظر موقع "يوتيوب" الذي تملكه جوجل، والذي اعتمدت عليه في تنفيذ مبادراتها.

التحول في أدوار الفاعلين الجدد :

نتج عن نجاح الثورات في إسقاط النظام في كل من مصر وتونس تحول في دور الفاعلين الجدد، مثل حماس، وحزب الله، والإخوان المسلمين. ويمكن رصد هذا التحول علي مستويين، المستوي الأول: خاص بعلاقة هؤلاء الفاعلين بالسلطة المحلية،  حيث كانت السمة المميزة لعلاقة حماس بالسلطة الفلسطينية منذ 2007 هو تحدي شرعية سلطتها داخليا، والاستقلال في السياسة الخارجية، وقد تطور الوضع إلي حد سيطرتها علي قطاع غزة وتشكيلها حكومة مستقلة خاصة بها. ومع توقيع المصالحة الفلسطينية، قبلت حماس فكرة الاندماج في السلطة الوطنية الفلسطينية، ومن المتوقع أن تنهي تلك المصالحة سيطرتها المنفردة علي القطاع، وأن تفرض قيودا علي سياستها الخارجية وشبكة علاقاتها، خاصة مع إيران وسوريا وإسرائيل.

كما حدث تحول في طبيعة الإخوان المسلمين. فقبل الثورة المصرية، كان يتم التعامل مع هذه الجماعة علي أنها جماعة محظورة، رغم أهميتها كقوة سياسية، وتبنت سياسات مستقلة عن الحكومة المصرية تجاه غزة تحديدا، وقضية فتح معبر رفح. وبعد الثورة، أصبحت الجماعة من القوي السياسية الشرعية التي لا يمكن تجاهلها في مصر، وأصبحت جزءا معترفا به من النظام الجديد. وليس واضحا حتي الآن إلي أي مدي سيضع اندماجها في النظام الجديد قيودا علي مواقفها الخارجية.

إلي جانب ذلك، تعد حالة حزب الله حالة تتطلب دراسة معمقة. فرغم تمثيل الحزب في الحكومة اللبنانية منذ عام 2005، فإنه لايزال محتفظا بسيطرته علي الضاحية الجنوبية في لبنان، ولايزال يمثل مصدر تحد لسلطة الحكومة اللبنانية. وتعد أحداث مايو 2008 مثالا علي ذلك، حيث لجأ الحزب لاستخدام القوة العسكرية من أجل ضمان الحصول علي ما سماه "الثلث المعطل" في الحكومة اللبنانية. كما أن بيان الحزب الأخير حول حاجة الحكومة للحزب للدفاع عن آبار النفط اللبنانية في المتوسط، يفيد بطرحه نفسه كشريك للحكومة اللبنانية في الدفاع عن مواردها، وكمبرر جديد لاستمرار احتفاظه بسلاحه، وذلك في الوقت الذي لم تحسم فيه مسألة سلاح الحزب داخليا.

ويتعلق المستوي الثاني بالتحول في السياسة الخارجية للفاعلين الجدد. فعلي سبيل المثال، يمكن رصد حدوث تحول مهم في سياسة حزب الله. فقبل الثورات العربية، كان الاهتمام الخارجي للحزب يقتصر علي إسرائيل التي صورها علي أنها العدو الأول، وعلي إيران وسوريا اللتين قبل التحالف معهما من أجل تعزيز قدراته علي التصدي لإسرائيل، وكان اهتمامه بأمور أخري هو من قبيل الاستثناء. ومع حالة الثورة، اتسع نطاق الاهتمام الخارجي للحزب ليشمل تحرك الشعوب العربية. ويلاحظ أنه في معظم الحالات، كان موقفه متفقا مع الموقف الإيراني منها،  ونذكر هنا - علي سبيل المثال - موقف الحزب من الاضطرابات السياسية في البحرين، حيث رأي  نصر الله - في خطابه الذي ألقاه في المهرجان الذي نظمه الحزب لدعم ثورات الشعوب في 19 مارس  2011 - أنه "لا فارق بين حكم آل خليفة في البحرين، وحكم آل مبارك في مصر، وحكم آل القذافي في ليبيا"، ورأي أن ما يجري في البحرين هو مظاهرات سلمية، وأنه "تم إرسال الجيوش إلي البحرين للدفاع عن نظام غير مهدد بالسقوط، إذ إن المعارضة هناك سلمية بحتة". كما رأي أن الحرب في ليبيا هي "حرب فرضها النظام علي شعب كان يطالب بالتغيير دون استخدام السلاح، وأصبح الشعب أمام خيار الدفاع عن نفسه". وحمل نصر الله النظامين اليمني والبحريني مسئولية وضع البلدين "علي حافة الحرب الأهلية"(11).

وهذا الموقف قد وضع الحكومة اللبنانية في حرج، خاصة أنها لم تصدر تصريحا يؤيد أو يدين تحرك أي من الشعوب العربية، وقد اتخذت البحرين التي تمكن النظام فيها من وضح حد للاضطرابات، من خلال استخدام القوة العسكرية وفرض حالة السلامة الوطنية، عدة إجراءات في مواجهة لبنان الدولة. وأصدرت وزارة الخارجية البحرينية بيانا رسميا بعد خطاب نصر الله  يهدد الحكومة اللبنانية بتحميلها مسئولية  تصريحات حزب الله، ووصف الحزب بأنه "منظمة إرهابية" في سابقة من نوعها، وأعلنت الحكومة إلغاء الرحلات المنطلقة من البحرين إلي بيروت.

إلي جانب هذين المستويين، بدأ المجتمع الدولي يدرك صعوبة تجاهل الدور الذي يمكن أن يلعبه الفاعلون الجدد في تحقيق الاستقرار في المنطقة، وهذا علي عكس القناعة التي روجت لها الدراسات التي تناولت هذا النمط من الفاعلين، باعتبارهم جماعات إرهابية، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر، دون أن تتم دراسة هؤلاء الفاعلين من منظور أوسع. حيث لم يعد هؤلاء الفاعلون، مثل حزب الله وحماس، يتمتعون بشرعية داخلية فقط نابعة من سيطرتهم علي أجزاء معينة من إقليم الدولة بذات طريقة سيطرة الدولة، أو من خلال توفيرهم جملة من الخدمات الاجتماعية والاقتصادية، كما في حالة الإخوان المسلمين، وإنما أيضا بدرجة من الشرعية السياسية الداخلية، نتيجة سيطرتهم علي جزء من هيكل الحكم. وهؤلاء الفاعلون لم يعد هدفهم بدرجات متفاوتة السيطرة علي الدولة ومؤسساتها فقط،  بل إحداث تحول استراتيجي في الشئون الدولية والإقليمية يتفق وخطهم الأيديولوجي الذي يعد مصدرا رئيسيا لشرعيتهم. وهذه الشرعية التي يتمتعون بها تجعل من الصعب علي الهيئات الدولية المانحة أن تتدخل في مناطق نفوذهم دون التنسيق أو التعاون معهم. فعلي سبيل المثال، ولإدراك ألمانيا صعوبة إطلاق سراح الأسري الإسرائيليين لدي حزب الله من خلال التفاوض مع الحكومة اللبنانية، عملت علي التفاوض مع قادة الحزب(12). كما يلعب حزب الله، وإن بطريقة غير مباشرة، دورا مهما في تسهيل مهام اليونيفيل في جنوب لبنان.

وبالتالي، بدأ هؤلاء الفاعلون يكتسبون شرعية دولية وإقليمية، باعتبارهم شريكا مهما في عمليات إعادة بناء الدولة وبناء السلام ومنع الصراعات(13). فرغم الدعاية التي تقودها إسرائيل، باعتماد حزب الله وحماس منظمتين إرهابيتين، فإن الواقع العملي يفرض علي المنظمات الدولية القفز علي هذا التصنيف، وقبول هذه الجماعات كفاعلين مؤثرين يتمتعون بسلطات غير رسمية في مناطق نفوذهم.

الخاتمة :

يبدو أن الفاعلين من غير الدول وجدوا ليبقوا، خاصة الفاعلين الجدد، وهم قادرون علي التكيف مع التغيرات التي تطرأ في المنطقة. ولعل التحول الذي طرأ علي طبيعتهم وأدوارهم يؤكد تحولهم تدريجيا إلي مكون ثابت في التفاعلات السياسية والأمنية في المنطقة. ولكن يظل السؤال حول حدود التكيف التي تفقد هذه الكيانات صفة الفاعل من غير الدول، خاصة في حالة الفاعلين الجدد، أي متي تنتهي صفة حزب الله أو حماس كفاعل من غير الدول.

صاحبت حالة الثورة التي شهدتها المنطقة العربية تنامي دور أنماط من الفاعلين لم تتبلور بعد، ربما جيل ثالث من الفاعلين، حيث ظهر ما يمكن تسميته بالفاعلين من غير الدول "الافتراضيين"، والمثال الأبرز علي هذا النمط شبكة رصد الإخبارية R.N.N(14). ظهرت هذه الشبكة علي موقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك في أثناء الثورة المصرية، ولعبت دورا مهما في توفير معلومات عن تطورات أحداث الثورة في كل المحافظات والمدن المصرية، وأخذت مصداقيتها تتزايد بين مستخدميها في مصر، والذين يبلغ عددهم 23.5 مليون مستخدم(15)، ويلاحظ نجاح هذه الشبكة في نشر أخبار عن الثورات في كل من ليبيا، والمغرب، والبحرين، واليمن، وسوريا.

وتفيد بعض التقارير بأن هذه الشبكة من صنع شباب الإخوان المسلمين. وإذا كان هذا صحيحا، فإن هذا يعني تحول الفاعلين الجدد إلي ممكن لفاعلين آخرين، وهذا يستدعي إعادة النظر في آليات عمل الفاعلين من غير الدول، ومنح مزيد من الاهتمام بآليات عمل هؤلاء الفاعلين وعلاقاتهم بالدولة، فضلا عن تفاعلاتهم مع بعضهم بعضا.

الهوامش :

1- انظر موقع الناتو:     http://www.nato.int/docu/review/2011/Social_Medias/Arab_Spring/EN/index.htm

2- Bahgat Korany (ed.)، The Changing Middle East: A New Look at Regional Dynamics، (Cairo: AUC Press، 2010).

3- Julic C. Herick، "Non-State Actors: A Comparative Analysis of change and Development within Hamas and Hezbollah"، in: Bahgat Korany (ed.)، The Changing Middle East: A New Look at Regional Dynamics، (Cairo: AUC Press، 2010)، pp.167-172.

4- See: Gregory Gause، "Outside the law: Arab states and competitors to their authority"، The Nation، 17 December 2009.

5- طور هذا التعريف بريان هوكينج، ومايكل سميث. انظر:

Gustaaf Geeraerts، "Analyzing Non-State Actors in World Politics" ،Pole paper Series (Issued by Vrije Universiteit Brussel)، Vol1.، No4.، October .1995

6- انظر: "استثمارات أجنبية قلقة علي النفط الليبي من الثورة"، السفير، 23 فبراير 2011.

7- تم تطوير هذا التعريف من قبل الباحثة في إطار عمل بحثي مستقل عن هذا العمل، ولا يزال العمل فيه قيد التطوير.

8- Phill Williams، "Violent Non-State Actors and National and International Security"، International Relations and Security Network، 2008، p.18.

9- See: Katerina Dalacoura، "Islamist Movements as Non-state Actors and their Relevance to International Relations"، in: Daphn Josselin and William Wallace (eds.)، Non State Actors in World Politics، (NewYork: Palgrave، 2001).

10- See: Luc Sindjoun، "Transformation of International Relations: Between Change and Continuity: An Introduction"، International Political Science Review، Vol22.، No3.، July 2001، pp.225.

11- "حسن نصر الله يعلن دعمه لمطالب المعارضة في البحرين"، 19 مارس 2011، بي بي سي العربية:

http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/110319/03/2011_nasrallah_bahrain.shtm

12- انظر علي سبيل المثال:  "بيروت: المماطلة الإسرائيلية عرقلت الوساطة الألمانية لتبادل الأسري"، الشرق الأوسط، 29 ديسمبر 0002.

13- Claude Buderlein، Andrew Clapham، Keith Krause and Mohammad-Mahmoud Ould           Mohamedou، "Transnational and Non-State Actors: Issues and Challenges-Concept Note"، March 2007، Program on Humanitarian policy and Conflict Research Harvard University،  and Graduate Institute of International Studies (Geneva)، and the Rad Cliffe Institute for Advanced study at Harvard University،  pp.1  -3.

14- انظر موقع الشبكة علي الفيسبوك:   http://www.facebook.com/home.php#!/RNN.NEWS

15- هذا الرقم وفق إحصاءات وزارة الاتصالات المصرية خلال الربع الأول من عام 1102. انظر:

- Ministry of Communication and Information Technology، "ICT Indicators in Brief"، Monthly report، Feb، 2011.   

طباعة

    تعريف الكاتب

    د. إيمان رجب

    د. إيمان رجب

    خبير في وحدة الدراسات الأمنية والاستراتيجية، رئيس تحرير دورية "بدائل"، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية