مقالات رأى

النفط .. مفاجأة العرب الاقتصادية فى حرب أكتوبر

طباعة

تعتبر حرب أكتوبر ۷۳ نقطة فاصلة فى تاريخ الصراع العربي - الإسرائيلي، علينا أن نتوقف عندها لنتعلم منها بعض الدروس لما لها من أهمية عظمى، إذ كانت تمثل تحدياً كبيرا للعرب، ولهذا جاءت الاستجابة عندما اتفق القادة العرب على اتخاذ القرار الحاسم لإعادة ما سلب من الأمة العربية ورد اعتبارها باستخدام كافة الوسائل المشروعة بما فيها الحرب لاسترداد الأرض المحتلة واستخدام إمكاناتهم الهائلة سياسياً واقتصادياً. وقد تميزت حرب أكتوبر عن غيرها من تجارب الصراع العربي - الإسرائيلي باستخدام النفط العربي سلاحاً فعالاً أسهم، مع أدوات الحرب الأخرى، في تحقيق جانب مهم من الأهداف العربية، كما أثبتت فشل نظرية احتكار إسرائيل التفوق العسكري على العرب، وكذلك استحالة إجبار شعوب المنطقة العربية علي قبول الاحتلال، كما كشفت أيضاً عن أن الأمن الحقيقي لا يضمنه التوسع الجغرافي على حساب الآخرين، لذلك كان من أبرز نتائج تلك الحرب رفع شعار المفاوضات نحو السلام، وليس السلاح لحل الصراع.

ولم يكن الانتصار الذي حققته القوات المسلحة المصرية، في حرب السادس من أكتوبر عام 1973 على إسرائيل، بفعل الخطط العسكرية والاستراتيجية الحربية فحسب، بل كانت الحرب الاقتصادية التي شنتها الدول العربية أعضاء أوبك على المعسكر الغربي الداعم لإسرائيل خير دليل على الموقف العربي تجاه مصر، ودور سلاح النفط الاستراتيجي في دفع الراية نحو الجانب المصري لحصد الانتصار التاريخي وإجبار إسرائيل على الانسحاب من المناطق العربية المحتلة.

كيف كانت البداية؟

القصة بدأت عبر زيارة سرية قام بها الرئيس المصري محمد أنور السادات للملك فيصل في الرياض، فى أغسطس ١۹۷۳، أخبره خلالها بنواياه في خوض المعركة لتحرير سيناء وطلب منه وقف تصدير النفط إلى الدول الغربية التي تمد إسرائيل بالسلاح، وعقب تلك الزيارة اجتمعت الدول المصدرة للنفط، ومنها الإمارات والعراق والجزائر وليبيا، في ١٥ سبتمبر من العام نفسه، لبدء التفاوض في رفع أسعار النفط عالميا ووضع حد لدعم إسرائيل. ومع تحضيرات الدول العربية التي اتفقت على معاقبة إسرائيل ومن يدعمها باستخدام سلاح النفط، بدأت مصر وسوريا هجوماً ثنائياً عليها في السادس من أكتوبر، فيما عرف بالحرب العربية - الإسرائيلية الرابعة.

ومع تقدم القوات المسلحة المصرية وتغلغلها في اتجاه تحرير الأرض، كانت أوبك تنتهى من مفاوضاتها فى ١۰ أكتوبر مع شركات النفط لرفع الأسعار وتعديل اتفاق طهران.

وكانت أمريكا قد بدأت في إمداد إسرائيل بالأسلحة عبر النقل الجوي فيما عرف بعملية العشب النيكيلي في ١۲ أكتوبر ۷۳، غير أن الدول العربية، متمثلة في السعودية، والعراق، والجزائر، والإمارات العربية المتحدة، والكويت، وقطر اتفقت على خفض إنتاج النفط ورفع الأسعار من جانب واحد بنسبة ١۷% إلى 3.6 دولار للبرميل في ١٦ أكتوبر لعرقلة إمدادات الولايات المتحدة الامريكية إلى إسرائيل، وكانت الضربة القاصمة للولايات المتحدة وإسرائيل يوم ١۷ أكتوبر، الذي اتفقت فيه الدول العربية على استخدام سلاح النفط لمعاقبة كل من يدعم إسرائيل، وفي مقدمتها الداعم الأول الولايات المتحدة الأمريكية.

ومع ضغط الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون للكونجرس باعتماد 2 مليار دولار يوم ١۹ أكتوبر۷۳ كدعم عاجل لإسرائيل، كان النفط العربي قد تم حظره تماماً إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وامتد الحظر بعد ذلك ليشمل هولندا في ۲۸ أكتوبر.

وظلت الدول العربية تحارب، جنبا إلى جنب مع مصر وسوريا بسلاح النفط الفتاك لاقتصادات الدول الموالية لإسرائيل، حتى حظرته على البرتغال وجنوب إفريقيا في ۲۳ من نوفمبر ١۹۷۳، بعد خفض الإنتاج بنسبة ۲٥٪، وتهديدات بخفضه ٥٪ إضافية، مما أجبر دولاً كبرى على اتخاذ موقف الحياد تجاه الحرب كفرنسا وألمانيا.

وبعد ضمان انسحاب إسرائيل تماماً من ساحة الحرب وإعلان الانتصار العربي المجيد لتحرير الأرض المحتلة، أعلن وزراء نفط الدول العربية نهاية الحظر المفروض على الولايات المتحدة التي تكبدت خسائر باهظة، وشهدت ارتفاعات متعاقبة في أسعار البنزين، بينما فقدت بورصة نيويورك للأوراق المالية ۷۹ مليار دولار في قيمة أسهمها في ٦ أسابيع.

تأثير تجربة استخدام سلاح النفط:

لقد كانت تلك التجربة ثمرة من ثمار مطالبة عربية امتدت على مدار عقود من التاريخ العربي المعاصر، إذ حذر العرب الغرب منذ بدء الصراع العربي - الإسرائيلي باستخدام النفط سلاحاً في معركتهم الى أن جاءت تلك الخطوة في تلك الحرب، وأصيب العالم الغربى بالصدمة حين وقف الناس في طوابير أمام محطات الوقود، وقررت حكومات سويسرا، وألمانيا، والدانمارك، وغيرهم فى أوروبا حظر قيادة السيارات يوم الأحد، وفي هولندا، حثت السلطات على استخدام الدراجات الهوائية. وكان الأمر صعباً على اليابان التي تعرضت لضغوط عربية نفطية من أجل قطع علاقاتها مع إسرائيل.

وكانت نتيجة إدخال النفط العربي، في الميدان السياسي، أن العرب في الفترة التي أعقبت حرب أكتوبر  شهدوا عصراً ذهبيًّا، إذ باتت عواصمهم محطات في طريق الرؤساء والزعماء ورجال السياسة والدبلوماسيين من مختلف الدول، وصارت مطالبهم وقضاياهم بؤرة اهتمام ووعود، بل وتنفيذ في بعض الأحيان، وقد أدى قرار حظر تصدير الدول العربية النفط للغرب للفوضى والاضطراب في الاقتصاد العالمي، حيث رفع سعر النفط إلى ۷۰%، ثم ١۰۰%، وتواصلت الارتفاعات، لتسهم في تصحيح أسعار النفط لأول مرة في تاريخه، ولم يكن ذلك هو التطور الإيجابي الوحيد في ثمار استخدام النفط العربي في السياسة، إنما كان من جملة النتائج الإيجابية تزايد هائل في عائدات النفط العربي بفعل ازدياد الطلب العالمي عليه، مما أدى إلى زيادة الإنتاج، وبالتالي زيادة العائدات.

الدول الصناعية الكبرى ومفاجأة استخدام سلاح النفط:

فى الواقع، إن الدول الصناعية الكبرى فوجئت بالموقف العربي بإدخال النفط كسلاح استراتيجى فى حرب ۷۳، إذ إن العرب أدرجوا ذلك التهديد باستخدام النفط لدعم مواقفهم السياسية منذ سنوات طويلة، لكنهم لم يفعلوا ذلك، وصار الأمر جديًّا فى حرب أكتوبر، فلم يعد أمام الدول الصناعية، لاسيما الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا سوى مواجهة الواقع باعتماد خطط واستراتيجيات بديلة، من خلال البحث عن مصادر أخرى للطاقة البديلة، وبدأت التوجهات البحثية في هذا المجال تنتعش وتتطور في أواخر سبعينيات وأوائل ثمانينيات القرن الماضي، كما سعت هذه الدول إلى اتباع سياسات من شأنها إيقاف الدول العربية عن استخدام النفط مرة أخرى كسلاح استراتيجى.

ختاما، رغم مرور نحو ٤۸ عامًا على حرب أكتوبر العظيم، إلاّ أنه مازال هناك الكثير من الأسرار والحكايات التى لم ترو ولا تعلمها الأجيال التى لم تعش فترة هذه الحرب.

فقد كان سلاح النفط الاستراتيجي مفاجأة الحرب الاقتصادية التي شنتها الدول العربية على المعسكر الغربي الداعم لإسرائيل، وساهم في دفع الراية نحو الجانب المصري لحصد الانتصار التاريخي المجيد.

طباعة

    تعريف الكاتب

    د . أحمد سلطان

    د . أحمد سلطان

    مهندس استشارى- رئيس لجنة الطاقة بنقابة مهندسين القاهرة