تحليلات - قضايا عالمية

من الشتات إلى الشاشات .. كيف تسعى "طالبان" لتغيير صورتها الإعلامية؟

طباعة

شتان الفارق بين طالبان 2001، وطالبان 2021، فتلك الجماعة التي خرجت من عاصمة حكمها مهزومة ومطاردة على يد أقوى جيوش العالم، بعد اتهامات حاصرتها باحتضان أحد أخطر التنظيمات الإرهابية في التاريخ المعاصر (القاعدة)، والمتهم الأول بتنفيذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، لا تشبه، في كثير من الوجوه الظاهرة، تلك الجماعة التي تعود إلى السلطة بقوة السلاح، بينما يكتفي أقوى جيوش العالم بالتنسيق معها لإجلاء ما تبقى له من رعايا ومتعاونين، فيما تبسط الجماعة سطوتها على مقاليد الأمور، تقرر مصير البلاد، تحدد مع من تتفاوض، وتضع سيناريوهات المستقبل، وتتحدث إلى العالم بصوت مختلف وخطاب مغاير لما تبنته على مدى عقدين.

تبدو أوجه التغير التي طالت "طالبان"، أو تحاول على الأقل إظهار ذلك، خلال العقدين، عديدة ومتنوعة، بعضها ذي صلة بالعقلية السياسية، والبعض الآخر يتعلق بالخطاب وأسلوب التعامل مع العالم، والصورة الذهنية التي تسعى الجماعة إلى تكريسها، وسط عالم تتحكم فيه الصور الذهنية، وتنشط عمليات الترويج وصناعة الأفكار عبر الحدود. فهل حقا نحن أمام جماعة مختلفة، أم هي الجماعة ذاتها والفكر والجوهر ذاته، لكن مع إدراك أعمق لضرورة صناعة صورة  إعلامية مغايرة؟

من الشتات إلى الشاشات:
يخطئ من يتصور أن العقدين الماضيين كانا مجرد مرحلة  شتات أو عزلة إجبارية فرضتها تدخلات الولايات المتحدة واحتلالها الأراضي الأفغانية كرد فعل على أحداث 11 سبتمبر 2001، حيث سارعت السلطات الأمريكية إلى توجيه أصابع الاتهام إلى تنظيم "القاعدة" بزعامة أسامة بن لادن المتحصن في أفغانستان التي خضعت لحكم طالبان في الفترة من 1996إلى2001.

خرجت طالبان عقب خسارتها الحكم من العاصمة "كابل"، لكنها لم تخرج من المشهد السياسي والعسكري بالبلاد التي عاشت مراحل متداخلة من الاضطرابات. ومن الواضح أن الإطاحة من الحكم، منحت الحركة فرصة لإعادة بناء قواعدها واستراتيجياتها، ومن بين تلك الاستراتيجيات، التي احتلت أولوية على أجندة "المراجعات"، كانت الاستراتيجية الإعلامية، وبناء القدرات الخاصة باستخدام الأدوات الإعلامية وتوظيفها لخدمة أهداف الحركة سياسيا وعسكريا.
ويشير كثير من التقارير التي تناولت تقييم أداء الحركة، خلال سنوات وجود القوات الغربية على الأراضي الأفغانية، إلى أن "طالبان" برعت أو - على الأقل - كانت "فعّالة" إعلاميا على المستوى المحلي، حيث تتواصل بوسائل بسيطة مع جاليتها البشتونية المنتشرة على جانبي الحدود. وقد منحتها التقاليد واللغة المشتركين أفضلية جعلتها أقدر على التواصل مع فئات أوسع من الأفغان بصورة تتفوق على القدرات الغربية الموجودة على الأرض، رغم الفوارق الهائلة في الإمكانات، وهو ما حقق للحركة قدرة على البقاء في نسيج الحياة الاجتماعية لفئات غير قليلة من الأفغان، خاصة في الأطراف خارج العاصمة، واستمرار قدرتها على تجنيد المزيد من العناصر ومواجهة الخصوم.

واستخدمت طالبان على مدى تلك السنوات خطابا إعلاميا موجها بذكاء، إذ اعتمد على تغذية الهواجس المحلية كالخوف من إزالة نبات الخشخاش، وخسارة مصدر الرزق، وانتهاك الكرامة على يد "الكفّار"، والخسائر التي يتكبدها الناس في الأرواح والممتلكات عن طريق عمليات القوات الغربية، في تعزيز حالة من الحنين إلى عودة الحكم القديم، رغم كل مثالبه.
 وربما كانت تلك الفترة من المراحل المهمة التي استطاعت "طالبان" من خلالها توفير "حاضنة" مهمة لتكوين قدراتها الإعلامية، وتطوير خطاب إعلامي فعال، يدرك أولويات الجمهور المستهدف Target Audience. وفي الوقت ذاته، يستخدم مغازلة تلك الأولويات لتحقيق أهداف الحركة، وهو ما بدا واضحا أنه تغير نوعي بالأداء الطالباني في التعاطي مع الإعلام، خاصة الدولي منه.

ومنذ أحكمت "طالبان" حصارها على العاصمة الأفغانية، وحتى قبل دخولها إلى المدينة، بدأت تحركات إعلامية لا تقل نشاطا عن تحركاتها السياسية والعسكرية لإحكام قبضتها على المشهد الجديد. استطاعت الحركة أن تتواصل مع القنوات التليفزيونية اللاهثة للحصول على خبر أو معلومة تزيل التباس الموقف المتأزم في بلد وصفه الرئيس الأمريكي جو بايدن بأنه "مقبرة الإمبراطوريات".
لم تضع الحركة العائدة إلى السلطة الفرصة، فقد أدركت أن التواصل مع الإعلام العالمي يضمن لها أن تقدم سرديتها للأحداث، وتخاطب من خلال تلك القنوات آذان وعقول العالم الذي هيمنت عليها لسنوات طوال السردية الغربية بشأن الحركة، مستفيدة من الترسانة الإعلامية الغربية -خصوصا الأمريكية- هائلة التأثير. لذا، سعت الحركة إلى أن تكون تلك الترسانة ذاتها إحدى أدواتها للعودة مجددا، ولكن بخطاب وصورة مغايرتين.
بدت الحركة كأنها استعدت لتلك اللحظة، فاستعانت بمتحدثين بلغات مختلفة لتلبية طلب الكثير من وسائل الإعلام العالمية، ومخاطبة جمهور تلك الوسائل بلغاتها، دون الحاجة إلى وسيط، ونظم قادة الحركة مؤتمرا صحفيا دعت إليه الكثير من مراسلي وسائل الإعلام الدولية لحضوره، كما سمحت لكاميرات العديد من تلك القنوات بالتجوال في أحياء العاصمة التي باتت تسيطر عليها، وتلتقط صورا وتجري لقاءات، سواء مع مقاتلي الحركة، أو مع المواطنين الأفغان، فضلا عن نقل عمليات إجلاء الراغبين في الخروج من البلاد دون مضايقات.

خطة مدروسة:
ولم تمض سوى بضعة أيام على سيطرة "طالبان على الحكم حتى تجلت بصورة أوضح أن الحركة لا تعمل وفق خطوات عشوائية، بل إن لديها خطة مدروسة للتعاطي مع الإعلام. فلم يكد ينقضي الأسبوع الأول على دخولها إلى كابل ، حتى أعلنت الحركة تشكيل لجنة جديدة معنية بـ"طمأنة وسائل الإعلام وحل مشكلاتها" في العاصمة الأفغانية.
وذكر المتحدث باسم "طالبان"، ذبيح الله مجاهد، على حسابه في "تويتر" عقب ذلك الإعلان أن اللجنة الثلاثية الجديدة ستضم عضوا من "اللجنة الثقافية" في الحركة، ونائب رئيس "جمعية الدفاع عن الإعلام"، وعضوا من قيادة شرطة العاصمة كابل، وقال إن اللجنة ستتعامل مع "مشكلات وسائل الإعلام في كابل"، دون تقديم توضيحات.
هذه الخطة من الواضح أنها لا تقتصر فقط على الحضور "الكمي" في الإعلام، أي كثافة الظهور في وسائله المختلفة، لكنها تتضمن كذلك استعدادا "كيفيا" على مستوى لغة الخطاب، ومكونات الصورة الذهنية الجديدة التي ترغب الحركة في تكريسها عن نفسها في المرحلة المقبلة، وهي صورة تسعى الحركة إلى أن تمحو بها الصورة القديمة المتجذرة في الوعي العالمي عن "طالبان" كجماعة "متطرفة وداعمة للإرهاب". فعلى مدار العقدين الماضيين ارتبطت الصورة الذهنية لدى الإعلام الإعلامي، والغربي في المقام الأول تجاه حركة طالبان، بهجمات 11 سبتمبر، وبما عانته النساء والفتيات الأفغانيات من تشدد وقهر تحت حكم طالبان، وعكس الإعلام الغربي مظاهر "التطرف الطالباني" وركز عليها، ومنها على سبيل المثال تدمير التماثيل والمعابد البوذية.

واستخدمت وسائل الإعلام الغربية التي تتحكم إلى حد كبير في التدفق الإعلامي والمعلوماتي عبر العالم كله العديد من الأدوات العمدية لبناء الصورة النمطية عند تناول الشأن الأفغاني. ومن بين تلك الأدوات المقارنة بين صور وفيديوهات المجتمع الأفغاني قبل وبعد سيطرة تنظيم طالبان عليه، إضافة على التركيز على الانتهاكات الطالبانية لحقوق الإنسان، خاصة الحقوق التي تحظى باهتمام غربي بالغ، وفي مقدمتها الحق في الحياة، حيث تم التركيز بصورة لافتة على الإعدامات الميدانية وعمليات الرجم التي اشتهرت "طالبان" بتنفيذها بحق خصومها، ومن ترى أنهم "مخالفون للشريعة"، وفق رؤية الحركة، علاوة على التركيز على الانتهاكات الخاصة بحقوق النساء في التعليم وحرية الحركة والملبس. فبعد سقوط حكم تنظيم طالبان احتفى الإعلام الغربي بما اعتبره "تحريرا للنساء والفتيات في أفغانستان".

"أنسنة" طالبان!
في المقابل، استطاعت حركة طالبان –كما يتضح على الأقل من خلال الفعاليات الإعلامية النشطة في الأيام الماضية– تطوير مقاربة إعلامية تسعى لمحو تلك الصورة القديمة، والرد على الشواغل التي تحتل الأولوية لدى الإعلام العالمي،  فركزت الحركة في أول مؤتمر صحفي لها في كابل على التأكيد بأنها "لن تسمح بأن تكون أفغانستان ملاذا آمنا للإرهاب".
 ووعدت "طالبان"على لسان المتحدث باسمها، ذبيح الله مجاهد، باحترام حقوق المرأة وفق الشريعة الإسلامية، وأن "المرأة ستكون نشطة للغاية في مجتمعنا" وسيسمح لها بالعمل "في إطار قوانيننا الإسلامية"، لكنه لم يوضح كيف سيتم تطبيق ذلك عمليا. كما نحت الحركة إلى تكريس صورة "متسامحة" مقابل الصورة المتشددة القائمة، فأعلنت عفوًا عن كل من وقف ضد الحركة، مؤكدة أنها "لا تريد استمرار الحرب وتسعى لإزالة كل أسبابها"، وأنها "لا تسعى لتصفية الحسابات مع أحد في البلاد".

كذلك، أطلقت الحركة مجموعة من الفيديوهات والصور التي تظهر مقاتليها يمارسون الرياضة، ويتعاملون مع المواطنين المتوجسين خيفة من عودتهم إلى المشهد في العاصمة بود، ويرتادون المقاهي والمجمعات التجارية (رغم أن معظم محال تلك المجمعات أغلق أبوابه منذ دخول قوات طالبان إلى كابل)، وهي صورة مغايرة لتلك الصورة "المتجهمة" لعناصر الحركة على مدى سنوات، الأمر الذى  يكشف عن أن الحركة تميل إلى تغيير صورتها الذهنية، أو ربما تلقت نصائح أو استشارات من قِبل مختصين، ساهمت في إظهار تلك التحولات الملحوظة.
هذه "الأنسنة" لصورة الحركة (أي إكسابها طابعا إنسانيا) لا تبدو عشوائية أو من قبيل المصادفة، بل من الواضح أنها واحد من مرتكزات الصورة الجديدة التي تسعى الحركة لتكريسها عن ذاتها. وقد أسهمت وسائل إعلامية احترافية تمتلكها دول على وفاق مع "طالبان" في التركيز على ذلك الوجه، ومحاولة تسويقه على نطاق واسع، سواء من خلال العديد من التقارير التليفزيونية المصنوعة عن الحركة وقادتها ومقاتليها، أو من خلال زوايا المعالجة للأحداث في أفغانستان، والتركيز على التوجهات الجديدة والصبغة التسامحية والتشاركية التي تريد طالبان أن تبدو عليها تحركاتها وقراراتها -على الأقل- في المرحلة الراهنة.

قوة "عنكبوتية":
من بين العناصر الأخرى، التي تشير إلى أن ثمة اختلافا بين طالبان 2001، وطالبان 2021، ما يتعلق بوجود الحركة على شبكة الإنترنت. ففي عام 2001، حظرت "طالبان" شبكة  الإنترنت في أفغانستان، باعتبارها واحدة من أدوات "الهيمنة الغربية" و"إفساد المجتمع المتدين"، لكن اليوم تدرك الحركة أن الأمور لا يمكن أن تعود إلى ما كانت عليه، بل إن الحضور الطالباني على شبكة الإنترنت يكشف عن رغبة واضحة لدى الحركة المعادية للتحديث الغربي إلى التحول لتكون "قوة على الشبكة العنكبوتية"، لاسيما مع إدراك "طالبان" لعمق التحولات التي عاشتها أفغانستان في ظل الحكومة المدعومة من الولايات المتحدة. فقد انتشرت أبراج شبكات الهواتف المحمولة في جميع أنحاء البلاد، وتضاعف عدد مستخدمي الهواتف المحمولة أكثر من 20 ضعفا في أقل من 15 عاما. وبحسب  نتائج منشورة لشركة "ستاتيستا"، المعنية بأبحاث السوق، تجاوز عدد مستخدمي الهواتف المحمولة في أفغانستان أكثر من 22 مليونا في عام 2019، مقابل مليون شخص فقط في عام 2005، فضلا عن أن الغالبية العظمى من تلك الهواتف التي يقبل عليها الشباب "ذكية"، أي تمكنهم من الولوج إلى شبكة الإنترنت والإطلاع على تقدمها من محتوى يصعب الهيمنة عليه أو حظره.

وتدرك "طالبان" أيضا أن الغالبية العظمى من تلك الأجيال الشابة التي تستخدم شبكة الإنترنت بكثافة ولدت وعاشت في أجواء بعيدة عن هيمنة الحركة أو حضور تأثيرها في المجال العام، وبالتالي فإن تلك الأجيال تحتاج إلى أدوات ولغة خطاب مغايرة لما استخدمته الحركة فى السابق، أو كان فعالا حيال التأثير فى المجتمعات المحلية المهمشة بعيدا عن حواضر المدن التي كانت تسيطر عليها السلطة المدعومة أمريكيًا.

وتواترت خلال الآونة الأخيرة العديد من التقارير التحليلية التي تشير إلى أن ثمة تغيرات جوهرية في أساليب وأدوات "طالبان" للتعاطي مع العالم الافتراضي، والاستخدام المكثف والاحترافي لمنصات التواصل الاجتماعي، رغم كل محاولات التضييق التي تفرضها تلك المنصات على الحسابات المنسوبة للحركة أو قياداتها.
ويرصد العديد من المحللين المختصين بشبكة الإنترنت أن التكتيكات المستخدمة حاليا من مؤيدي الحركة عبر منصات التواصل الاجتماعي تظهر درجة عالية من المهارة، وتتحدى رسائل مؤيدي الحركة عبر منصات تويتر وفيسبوك وواتساب الصورة الذهنية التي وضعها الغرب عن الحركة باعتبارها "غير متسامحة وشريرة"، بينما يظل محتوى هذه الرسائل متناسقا مع الحدود التي تسمح بها شركات التقنية التي تملك هذه المنصات والتطبيقات.

ويبدو أن الأمر تجاوز مستوى الاستخدام بمهارة، بل وصل الأمر إلى خطوة ربما لم يتوقع كثيرون أن تلجأ إليها الحركة المعزولة دوليا، وهي الاستعانة بشركات مختصة في العلاقات العامة، تماما كما تفعل الدول والشركات متعددة الجنسيات لتحسين صورتها الذهنية أو استهداف التأثير فى مجتمع بعينه أو صناع القرار به، الأمر الذي يكشف عن زاوية أخرى في تحولات الصورة الطالبانية المرغوبة، وهي تكريس صورة "مؤسساتية" مختلفة عن صورة الجماعة المتشددة التي لا تجيد التعامل بأدوات العصر.
ونقلت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية عن محللين قولهم إن "هناك شركة علاقات عامة واحدة على الأقل تقدم المشورة للحركة حول كيفية نشر الرسائل والصور ومقاطع الفيديو عبر المنصات على نطاق واسع تماما كما تفعل الحملات السياسية والشركات". في حين تمتلك طالبان وأنصارها أعدادا كبيرة من الحسابات المرتبطة بالعديد من المنصات بهدف الحفاظ على وجودها في حال قامت أي شركة باتخاذ إجراءات ضدها.

وتقول الصحيفة إنه "عندما أصبحت مغادرة الولايات المتحدة الأمريكية من أفغانستان أمرا واضحا، أضحت تكتيكات طالبان أكثر تعقيدا، مع نشر رسائل تبشر بالتقدم في المعارك، وتعد بأن أفغانستان ستكون أفضل في المستقبل". ومن الواضح أن الحركة أنتبهت منذ أمد غير قصير لأهمية الوجود على شبكة الإنترنت، لاسيما بعد فقدها السلطة، إلا أن ذلك الاستخدام اتسم بعدم النضج أو الاحترافية، وبدا أنه محصلة مهارات فردية لبعض عناصر الحركة، وليس توجها مؤسسيا، فقد استخدمت "طالبان" المدونات بعد 2001، ثم دخلت عالم "تويتر" بعدها بعشر سنوات كاملة، ثم دشنت حضورها على تطبيق تليجرام في 2014، وفي 2016، نشرت دعايتها عبر استخدام الهاشتاجات على نطاق واسع، ويكشف هذا التمدد البطىء للحركة خلال تلك السنوات الماضية عمق التحول اللافت الذي عرفته في الأعوام الخمسة الأخيرة.
وكان من اللافت أن تستخدم "طالبان" في أول ظهور إعلامي لها، خلال المؤتمر الصحفي المشار إليه سابقا عقب دخولها كابل، مفردات لم تكن مدرجة يوما على قاموس الحركة، مثل "حرية التعبير"، والأدهى أن يقترن ذلك بانتقادات من جانب الحركة لمنصات التواصل الاجتماعي التي تصر على حجب حسابات الحركة، وحظر أنشطة قاداتها على صفحاتها، لاسيما "فيسبوك" و"يوتيوب"، اللذين أعلنا التزامهما برفض السماح لمسئولي الحركة باستخدام المنصة رسميا، استنادا للعقوبات الأمريكية عليها، واعتبار الحركة "منظمة خطيرة".
كما أعلنت المنصتان استمرارهما في إزالة الحسابات "التي يعتقد أنها مملوكة ومدارة من قبل حركة طالبان"، وهو توجه لا يلتزم به موقع "تويتر"، الذي لا يفرض حظرا مسبقا على الحسابات التابعة للحركة، إلا إذا نشرت هذه الحسابات محتوى ينتهك قواعد الموقع المتعلقة بنبذ العنف والتلاعب بالمحتوى، وهو ما استفادت منه الحركة أعظم استفادة، فانتشرت خلال الآونة الأخيرة  عبر "تويتر" مقاطع فيديو لمسئولين في طالبان يطمئنون فيه على سير الحياة بالعاصمة، ومنها فيديو لقيادي بالحركة يتحدث إلى عاملات في مجال الصحة ويطمئنهن على احتفاظهن بوظائفهن.

قشرة زائفة أم تحول حقيقي؟
في المقابل، لا يبدي كثير من المختصين في الشأن الإعلامي كثير اطمئنان لتحركات "طالبان" على المستوى الإعلامي، رغم اعترافهم بالكثير من التحولات "المدهشة" في هذا الصدد. لكن يهيمن على المراقبين الإعلاميين، وخبراء صناعة الصورة الذهنية هواجس مشروعة إزاء تلك التحولات، فالحركة تستخدم لغة "رمادية" يمكن تفسيرها وفق أكثر من مستوى، وبما يضمن للحركة هامشا واسعا للمناورة أو التراجع عن الكثير من التعهدات، وفي مقدمتها -على سبيل المثال- ما يتعلق بحماية حريات المرأة، فدائما ما تضع شرطا  يتعلق بـ"التوافق مع الشريعة"، وهو ما قد يضمن للحركة تفسير أي قرارات قادمة لتضييق المجال أمام حرية المرأة بأنه "حماية لمبادئ الشريعة"، فضلا عن وجود الكثير من التأويلات والتفسيرات الفقهية للعديد من أحكام المعاملات في الشريعة الإسلامية، حتى داخل المذهب الواحد.

وحتى تلك التعهدات التي قطعتها الحركة على نفسها باستمرار التواصل مع الإعلام، وتسهيل عمل ممثلي وسائل الإعلام، وضعت الحركة  -على لسان متحدثها الرسمي- جملة اعتراضية بين ثنايا التعهد، وهو اشتراط "الإعلام يجب ألا يعمل ضدنا"، وهي –وفق مراقبين– جملة فضفاضة تسهل للحركة تفسير أي انتقاد على أنه إضرار بمصالح الحركة أو "عملا ضدها"، الأمر الذي يضع التزامات "طالبان" إزاء الإعلام في مهب الريح.
كما تستخدم الحركة تلك اللغة الرمادية في الكثير من المواقف لتوحي لعناصرها ومؤيديها، بأنها لم تتراجع عن تمسكها بثوابتها الشرعية والفكرية، لكنها في الوقت ذاته تمنح خصومها ومنتقديها إشارات لا تخطؤها العين على أن الحركة تغيرت، وأن أدايها السياسي والإعلامي يختلف كلية عن تلك الحركة التي أطيحت من الحكم قبل 20 عاما.

ويفسر كثير من المحللين سماح الحركة بخروج لقطات مصورة غير معتادة لمقاتليها، تظهرهم  في مواقف "إنسانية" بأنها رسالة مزدوجة، تخاطب جمهور القلقين من عودة الحركة المتشددة إلى الحكم، وممارساتها "الخشنة" بحق غير المنتمين لها، وتسعى كذلك إلى استقطاب أجيال من الشباب الذين ولدوا وعاشوا في فترة إبعاد الحركة عن السلطة، وإغرائهم بالانضمام إلى صفوف الجماعة التي توفر لهم العديد من المكتسبات، على المستويين المادي والمعنوي، فالحركة تستطيع منحهم القوة والسلطة والعمل والزواج، دون أن يخسروا حياتهم اليومية التي اعتادوا عليها.

وأيا كان مستوى المصداقية الذي تسعى "طالبان" لتحقيقها عبر تلك الصورة الجديدة، فإن الأفعال تبقى هي المحدد الأهم في صناعة الصورة الذهنية وثباتها في الوعي الجمعي، وستكون الأسابيع والأشهر المقبلة اختبارا لحقيقة الحركة، وإذا ما كانت تلك الصورة الجيدة تجسيدا لتحول حقيقي ومراجعات عميقة لفكر ومنهج الحركة، أم مجرد "قشرة زائفة" تتوارى تحتها النواة الصلبة لفكر الجماعة المتشددة؟ وسيكون السؤال الصعب، الذي ستكشف ممارسات الفترة المقبلة عن إجابته، هو:هل تخلصت "طالبان 2021" من الإرث الثقيل لماضيها، أم أن "طالبان 2001"، لا تزال باقية رغم كل محاولات التجميل؟!

طباعة

    تعريف الكاتب

    د.أسامة السعيد

    د.أسامة السعيد

    كاتب ومحاضر إعلامي، نائب رئيس تحرير جريدة الأخبار