مقالات رأى

وجه آخر للصورة.. ما لا نعرفه عن كوريا الشمالية

طباعة

يتناول هذا المقال الحديث عن بعض الانطباعات عن كوريا الشمالية من الداخل بصورة مختلفة ومغايرة للصورة النمطية السائدة التي تظهر في الإعلام الغربي، وذلك من منطلق رؤية شخصية ومعايشة لتفاصيل الحياة داخل الدولة، من خلال التركيز على الجوانب المعمارية، والبيئية، والاجتماعية، والصحية، والتعليمية، والاقتصاديةيعتمد المقال على الملاحظة المباشرة والتجربة الشخصية، وتخلص إلى أن كوريا الشمالية تمتلك مقومات ثقافية، واجتماعية، وإنسانية إيجابية تستحق المزيد من الدراسة الموضوعية.

كثيرًا ما تُختزل صورة كوريا الشمالية في الإعلام الغربي بصور الصواريخ، والعقوبات، والمشاهد الوثائقية القاتمة، لكن عندما أتيحت لي الفرصة للإقامة هناك كزوجة دبلوماسي مصري، تفاجأت بفجوة كبيرة بين تلك الصورة وما عاينته بنفسيفي هذا المقال لا أدعي الموضوعية الكاملة،هو فقط انطباع شخصي بحكم معايشتي اليومية لكافة تفاصيل الحياة في كوريا الشمالية، ومروري بتجارب لا تتاح لمعظم المتابعين، من ولادة طفلي في المستشفى المركزي للنساء والتوليد، إلى زيارة للأقاليم والمناطق الريفية، وجولات في المتاحف والمكتبات وقصور الأطفال، ومشاهدة الناس وهم يتنزهون في الجبال الخضراءالغرض ليس تقديم دراسة سياسية، بل إضاءة جوانب إنسانية وحضارية نادرًا ما تنعكس في الأبحاث الغربية.

 

أولًا ــ الوجه المعماري والطبي :

ما لفت نظري فور وصولي هو المستوى المعماري الرفيع فيبيونج يانجالشوارع واسعة، الأبراج السكنية منظمة،والمباني الحكومية والثقافية (مثل قصر الشمس، وقاعةالرياضة، ومترو الأنفاق العميقتحمل طابعًا ضخمًا وأنيقًافي آن واحد، النظافة لافتة جدًا، لا أوراق في الشوارع، ولاإهمال للواجهات.

لكن الأجمل كان الطبيعة، كوريا الشمالية ليست مجرد مدنإسمنتية؛ هناك تلال خضراء، وغابات، وأنهار، ففي أيامالعطلات، اعتدت رؤية العائلات تتجه إلى الجبال القريبة منالمدينة، يحملون سلال الطعام، ويرقصون على أنغامالموسيقى التقليدية، ويشترون الهدايا التذكارية من الأكشاكالبسيطة، رأيت أطفالًا يرسمون المناظر الطبيعية هناك، بفرحهادئ لم أكن أتوقعه، المشهد أشبه بنزهات العائلات في أيمنتزه عربي أو أوروبي، لكن بطابع كوري شمالي خاصنظام، وحب للمكان، واندماج مع الطبيعة.

ثانيًا ــ الشعب

أكثر ما أثر فيّ هو تعامل الناس، الشعب الكوري الشمالي،كما عرفته، طيب جدًا، ولطيف، ويحمل قدرا كبيرا من الذوقواحترام الآخرين، فعندما يعرفون أنني مصرية، تتحولوجوههم إلى ابتسامة عريضة، ويبدأون بذكر "أهراماتالجيزةكدليل على معرفتهم البسيطة بالعالم العربي، ولكن كما هو المعتاد لا يمكن تعميم الحديث على الجميع بشكل متساو، فبعض المواطنين كانوا يتعاملون بتحفظ شديد.

كما لاحظت ظاهرة لافتة: "عدم التحرج من العمل اليدويفي كثير من المجتمعات، ينظر البعض إلى وظائف النظافة،أو البناء، أو الخدمة على أنها "دونية"، إلا أنه في بيونج يانج رأيت شبابًا، وشيوخًا، ونساء يعملون بكل كرامةوابتسامة في أي مهنة لا يوجد كبر أو تعالٍ على العملالجاد، هذا يعكس ثقافة مجتمعية صحية جدًا، نادرة فيعصرنا.

أيضا من الأمور التي يطلقها الإعلام الغربي على هذا الشعب أنه يعيش في حالة عزلة ولا يعرف ما يدور في العالم الخارجي، وهذا الأمر غير صحيح بالمرة، فهنا في التلفزيون الكوري رأيت نشرات الأخبار تذيع الأخبار العالمية، مع تسليط الضوء على تطورات الشرق الأوسط، خاصة الاعتداءات الإسرائيلية في المنطقة، مما يعكس حالة التضامن كما هو المعتاد من كوريا الشمالية مع القضايا العربية وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

ثالثًا ــ التماسك العائلي والاجتماعي:

المشهد المتكرر في شوارع بيونج يانج هو أطفال يمشونممسكين بأيدي أجدادهم، الجدات والجدود جزء لا يتجزأ منتربية الأحفاد، والعائلة الممتدة تعيش غالبًا في أحياءمتقاربة، أو في البيت نفسه ، فهذه الروابط القوية توفرشبكة أمان عاطفي واقتصادي نابضة بالحياة

رابعًا ــ الرعاية الصحية: "تجربة شخصية"

حين قررت خوض تجربة الولادة في كوريا الشمالية رأيتالمستشفى نظيفا، مجهزا بأجهزة حديثة نسبيًا، والطاقمالطبي متخصص ومهتم جدًابعد الولادة فوجئت بهديةجاءتني عبر الممرضات"عبوة عسل نحل طبيعي"، قيل ليإنها هدية من الزعيم كيم جونج أون لكل أم تلد، مما يعكس حالة من الاهتمام والرعاية من القيادة للشعب، الفكرة ذاتهاتعطي شعورًا بالاحتفاء بالحياة، الكل يعالج هناك، لا فرقبين مسئول ومواطن عادي على مستوى الخدمة الأساسيةالتي رأيتها.

خامسًا ــ قصر الأطفال: "استثمار حقيقي فيالمستقبل":

زرت "قصر الأطفالفي بيونج يانج، المكان ليس مدرسةعادية، بل مركزا متكاملا يذهب إليه الأطفال بعد انتهاءاليوم الدراسي (مشابه لأنشطة ما بعد المدرسة في الدولالمتقدمة). يحتوي على:

قسم للفنونرسم، وموسيقى، ورقص.

قسم للعلومكمبيوتر، وفيزياء، وكيمياء.

قسم للرياضةجمباز، وسباحة، وتنس طاولة، وتايكوندو.

رأيت أطفالًا تتراوح أعمارهم بين 6 و15 سنة يتدربونبحماس شديد، ومعلمين شغوفين، التركيز على الطفل شاملعقليًا، وجسديًا، وفنيًامما يعكس الاهتمام الشديد الذي توليه القيادة للأطفال بصفتهم مستقبل الدولة، رغم الحصارالاقتصادي.

سادسًا ـ علاقة الشعب بالجيش والزعيم:

رأيت بعيني حشودًا تشير لعربات الجيش المارة وهميصفقون ويبتسمون، ليس خوفًا بل بحب حقيقي. بالنسبةللكوريين الشماليين، الجيش هو حامي الوطن من التهديداتالخارجية (خاصة من كوريا الجنوبية وأمريكا)، بغض النظرعن القراءة السياسية، الشعور الشعبي يبدو صادقًاالجندي هو ابنهم أو أخوهم.

أما عن الزعيم (كيم جونج أون)، فالاحترام يصل حدالتبجيل، لكن المهم أن هذا الاحترام ليس مفروضًا بالعنففي الحياة اليومية كما قد يتصور البعض، بل هو مدمج فيالنسيج الثقافيصورة الزعيم في كل بيت، أناشيد وطنيةفي المناسبات، وعبارات شكر تتكرر في الأحاديث، وهنا يأتي السؤال الذي يطرح نفسه: هل هو "قهركما يزعمالغرب؟ أم هو ثقافة سياسية مختلفة عن الفردانية الغربية؟، الإجابة ببساطة ومن منظور شخصي ما رأيته في العاصمة بيونج يانج وفي مختلف المدن والأقاليم التي قمنا بزيارتها هو شعب يبدو راضيًا ومتماسكًا، وفق منظومته القيمية التقليدية المختلفة عن منظومة القيم التي فرضتها العولمة، وكرستها وسائل التواصل الاجتماعي، وليس "مقهورًاكماتظهره وسائل الإعلام الغربية.

 

سابعًا ــ تحول اقتصادي ملحوظ :

أحد المؤشرات التي لفتت نظري بشدة هو موضوع تملكالسيارات للمواطنينفي الماضي كانت السيارات حكرًا علىالحكومة والجيش فقطخلال فترة إقامتي لاحظت زيادةهائلة في عدد السيارات المملوكة للمواطنين العاديين فيشوارع بيونج يانج، آخر موديلات صينية، ويابانية، وأوروبيةالناس فخورون بسياراتهم، والازدحام المروري بدأ يظهرلأول مرةهذا التحول حدث في مدة قصيرة جدًا نسبيًا،لايزال مستمرًا في التزايد.

هذا الانفتاح الاقتصادي الجزئي صاحبه أيضًا ظهورأسواق صغيرة، ومقاهٍ، ومحلات تذكاراتالسياحة بدأتتأخذ منحنى تصاعديا، والسلطات هناك تبدو جادة فيجذب الزوار وتطوير بنية تحتية سياحية (فنادق جديدة،ومرشدين يتحدثون الإنجليزية، والصينية، والروسية).

الخاتمة:

كوريا الشمالية ليست جنة، ولا هي الجحيم الذي يرسمهالغرب، هي بلد معقد، له ظروفه التاريخية والسياسية الخاصة، وإنجازاته الحقيقية (في التعليم، والصحة،والتماسك الاجتماعي، والعمارةومشاكله (العزلةالاقتصادية، والندرة الدورية لبعض السلع، والقيود علىحرية المعلومات)لكن كإنسانة عاشت هناك وخلف الجدرانالعالية، هناك شعب يحب بلده، ويربي أطفاله، ويضحك معأصدقائه، ويفتخر بهديته من الزعيم "عبوة عسلعند ولادةطفل جديد.

أتمنى أن تسهم هذه الانطباعات في فتح نقاش أكاديميأكثر توازنًا حول كوريا الشمالية، وأن تشجع على النظرإليها ليس ككيان غريب، بل كدولة تستحق الفهم قبل الإدانة.

 

طباعة

    تعريف الكاتب

    نسرين طولان

    نسرين طولان

    باحثة دكتوراه في العلوم السياسية