وجه آخر للصورة.. ما لا نعرفه عن كوريا الشمالية
21-5-2026

نسرين طولان
* باحثة دكتوراه في العلوم السياسية

يتناول هذا المقال الحديث عن بعض الانطباعات عن كوريا الشمالية من الداخل بصورة مختلفة ومغايرة للصورة النمطية السائدة التي تظهر في الإعلام الغربي، وذلك من منطلق رؤية شخصية ومعايشة لتفاصيل الحياة داخل الدولة، من خلال التركيز على الجوانب المعمارية، والبيئية، والاجتماعية، والصحية، والتعليمية، والاقتصادية. يعتمد المقال على الملاحظة المباشرة والتجربة الشخصية، وتخلص إلى أن كوريا الشمالية تمتلك مقومات ثقافية، واجتماعية، وإنسانية إيجابية تستحق المزيد من الدراسة الموضوعية.

كثيرًا ما تُختزل صورة كوريا الشمالية في الإعلام الغربي بصور الصواريخ، والعقوبات، والمشاهد الوثائقية القاتمة، لكن عندما أتيحت لي الفرصة للإقامة هناك كزوجة دبلوماسي مصري، تفاجأت بفجوة كبيرة بين تلك الصورة وما عاينته بنفسي. في هذا المقال لا أدعي الموضوعية الكاملة،هو فقط انطباع شخصي بحكم معايشتي اليومية لكافة تفاصيل الحياة في كوريا الشمالية، ومروري بتجارب لا تتاح لمعظم المتابعين، من ولادة طفلي في المستشفى المركزي للنساء والتوليد، إلى زيارة للأقاليم والمناطق الريفية، وجولات في المتاحف والمكتبات وقصور الأطفال، ومشاهدة الناس وهم يتنزهون في الجبال الخضراء. الغرض ليس تقديم دراسة سياسية، بل إضاءة جوانب إنسانية وحضارية نادرًا ما تنعكس في الأبحاث الغربية.

أولًا ــ الطبيعة والوجه المعماري:
ما لفت نظري فور وصولي هو المستوى المعماري الرفيع فيبيونج يانج. الشوارع واسعة، الأبراج السكنية منظمة، والمباني الحكومية والثقافية (مثل قصر الشمس، وقاعة الرياضة، ومترو الأنفاق العميق) تحمل طابعًا ضخمًا وأنيقًافي آن واحد، النظافة لافتة جدًا، لا أوراق في الشوارع، ولاإهمال للواجهات.

لكن الأجمل كان الطبيعة، كوريا الشمالية ليست مجرد مدن إسمنتية؛ هناك تلال خضراء، وغابات، وأنهار، ففي أيامالعطلات، اعتدت رؤية العائلات تتجه إلى الجبال القريبة منالمدينة، يحملون سلال الطعام، ويرقصون على أنغامالموسيقى التقليدية، ويشترون الهدايا التذكارية من الأكشاك البسيطة، رأيت أطفالًا يرسمون المناظر الطبيعية هناك، بفرح هادئ لم أكن أتوقعه، المشهد أشبه بنزهات العائلات في أي منتزه عربي أو أوروبي، لكن بطابع كوري شمالي خاص: نظام، وحب للمكان، واندماج مع الطبيعة.

ثانيًا ــ الشعب الكورى الشمالى:
أكثر ما أثر فيّ هو تعامل الناس، الشعب الكوري الشمالي،كما عرفته، طيب جدًا، ولطيف، ويحمل قدرا كبيرا من الذوقواحترام الآخرين، فعندما يعرفون أنني مصرية، تتحولوجوههم إلى ابتسامة عريضة، ويبدأون بذكر "أهرامات الجيزة" كدليل على معرفتهم البسيطة بالعالم العربي، ولكن كما هو المعتاد لا يمكن تعميم الحديث على الجميع بشكل متساو، فبعض المواطنين كانوا يتعاملون بتحفظ شديد.

كما لاحظت ظاهرة لافتة: "عدم التحرج من العمل اليدوي"، في كثير من المجتمعات، ينظر البعض إلى وظائف النظافة،أو البناء، أو الخدمة على أنها "دونية"، إلا أنه في بيونج يانج رأيت شبابًا، وشيوخًا، ونساء يعملون بكل كرامةوابتسامة في أي مهنة لا يوجد كبر أو تعالٍ على العملالجاد، هذا يعكس ثقافة مجتمعية صحية جدًا، نادرة فيعصرنا.

أيضا من الأمور التي يطلقها الإعلام الغربي على هذا الشعب أنه يعيش في حالة عزلة ولا يعرف ما يدور في العالم الخارجي، وهذا الأمر غير صحيح بالمرة، فهنا في التلفزيون الكوري رأيت نشرات الأخبار تذيع الأخبار العالمية، مع تسليط الضوء على تطورات الشرق الأوسط، خاصة الاعتداءات الإسرائيلية في المنطقة، مما يعكس حالة التضامن كما هو المعتاد من كوريا الشمالية مع القضايا العربية وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

ثالثًا ــ التماسك العائلي والاجتماعي:
المشهد المتكرر في شوارع بيونج يانج هو أطفال يمشون ممسكين بأيدي أجدادهم، الجدات والجدود جزء لا يتجزأ منتربية الأحفاد، والعائلة الممتدة تعيش غالبًا في أحياء متقاربة، أو في البيت نفسه ، فهذه الروابط القوية توفرشبكة أمان عاطفي واقتصادي نابضة بالحياة.

رابعًا ــ الرعاية الصحية.. "تجربة شخصية":
حين قررت خوض تجربة الولادة في كوريا الشمالية رأيت المستشفى نظيفا، مجهزا بأجهزة حديثة نسبيًا، والطاقم الطبي متخصص ومهتم جدًا. بعد الولادة فوجئت بهدية جاءتني عبر الممرضات: "عبوة عسل نحل طبيعي"، قيل لي إنها هدية من الزعيم كيم جونج أون لكل أم تلد، مما يعكس حالة من الاهتمام والرعاية من القيادة للشعب، الفكرة ذاتها تعطي شعورًا بالاحتفاء بالحياة، الكل يعالج هناك، لا فرق بين مسئول ومواطن عادي على مستوى الخدمة الأساسية التي رأيتها.

خامسًا ــ قصر الأطفال: "استثمار حقيقي فيالمستقبل":
زرت "قصر الأطفال" في بيونج يانج، المكان ليس مدرسة عادية، بل مركزا متكاملا يذهب إليه الأطفال بعد انتهاء اليوم الدراسي (مشابه لأنشطة ما بعد المدرسة في الدول المتقدمة). يحتوي على:
- قسم للفنون: رسم، وموسيقى، ورقص.
- قسم للعلوم: كمبيوتر، وفيزياء، وكيمياء.
- قسم للرياضة: جمباز، وسباحة، وتنس طاولة، وتايكوندو.

رأيت أطفالًا تتراوح أعمارهم بين 6 و15 سنة يتدربونبحماس شديد، ومعلمين شغوفين، التركيز على الطفل شامل: عقليًا، وجسديًا، وفنيًا. مما يعكس الاهتمام الشديد الذي توليه القيادة للأطفال بصفتهم مستقبل الدولة، رغم الحصارالاقتصادي.

سادسًا ـ علاقة الشعب بالجيش والزعيم:
رأيت بعيني حشودًا تشير لعربات الجيش المارة وهم يصفقون ويبتسمون، ليس خوفًا بل بحب حقيقي. بالنسبة للكوريين الشماليين، الجيش هو حامي الوطن من التهديدات الخارجية (خاصة من كوريا الجنوبية وأمريكا)، بغض النظرعن القراءة السياسية، الشعور الشعبي يبدو صادقًا: الجندي هو ابنهم أو أخوهم.
أما عن الزعيم (كيم جونج أون)، فالاحترام يصل حدالتبجيل، لكن المهم أن هذا الاحترام ليس مفروضًا بالعنففي الحياة اليومية كما قد يتصور البعض، بل هو مدمج في النسيج الثقافي: صورة الزعيم في كل بيت، أناشيد وطنية في المناسبات، وعبارات شكر تتكرر في الأحاديث، وهنا يأتي السؤال الذي يطرح نفسه: هل هو "قهر" كما يزعمالغرب؟ أم هو ثقافة سياسية مختلفة عن الفردانية الغربية؟، الإجابة ببساطة ومن منظور شخصي ما رأيته في العاصمة بيونج يانج وفي مختلف المدن والأقاليم التي قمنا بزيارتها هو شعب يبدو راضيًا ومتماسكًا، وفق منظومته القيمية التقليدية المختلفة عن منظومة القيم التي فرضتها العولمة، وكرستها وسائل التواصل الاجتماعي، وليس "مقهورًا" كما تظهره وسائل الإعلام الغربية.

 سابعًا ــ تحول اقتصادي ملحوظ :
أحد المؤشرات التي لفتت نظري بشدة هو موضوع تملكالسيارات للمواطنين. في الماضي كانت السيارات حكرًا علىالحكومة والجيش فقط. خلال فترة إقامتي لاحظت زيادة هائلة في عدد السيارات المملوكة للمواطنين العاديين في شوارع بيونج يانج، آخر موديلات صينية، ويابانية، وأوروبية. الناس فخورون بسياراتهم، والازدحام المروري بدأ يظهرلأول مرة. هذا التحول حدث في مدة قصيرة جدًا نسبيًا، لايزال مستمرًا في التزايد.

هذا الانفتاح الاقتصادي الجزئي صاحبه أيضًا ظهورأسواق صغيرة، ومقاهٍ، ومحلات تذكارات. السياحة بدأت تأخذ منحنى تصاعديا، والسلطات هناك تبدو جادة فيجذب الزوار وتطوير بنية تحتية سياحية (فنادق جديدة، ومرشدين يتحدثون الإنجليزية، والصينية، والروسية).

الخاتمة:
كوريا الشمالية ليست جنة، ولا هي الجحيم الذي يرسمه الغرب، هي بلد معقد، له ظروفه التاريخية والسياسية الخاصة، وإنجازاته الحقيقية (في التعليم، والصحة، والتماسك الاجتماعي، والعمارة) ومشاكله (العزلة الاقتصادية، والندرة الدورية لبعض السلع، والقيود على حرية المعلومات). لكن كإنسانة عاشت هناك وخلف الجدران العالية، هناك شعب يحب بلده، ويربي أطفاله، ويضحك مع أصدقائه، ويفتخر بهديته من الزعيم "عبوة عسل" عند ولادة طفل جديد. أتمنى أن تسهم هذه الانطباعات في فتح نقاش أكاديمي أكثر توازنًا حول كوريا الشمالية، وأن تشجع على النظر إليها ليس ككيان غريب، بل كدولة تستحق الفهم قبل الإدانة.


رابط دائم: