مقالات رأى

لماذا لا يزال البعض يراهن على ترامب؟ (حوار مع صديق جمهوري)

طباعة

في أحد الأحاديث الطويلة مع أحد الأصدقاء المصريين ممن أتوا للولايات المتحدة الأمريكية أطفالا منذ الثمانينيات ومن المنتمين للحزب الجمهوري بل وأيضا من المؤيدين للرئيس ترامب، اكتشفت أن الخلاف بيننا لم يكن مجرد اختلاف في الرأي حول رئيس أمريكي، بل كان اختلافًا أعمق حول معنى الدولة نفسها من المنظور الأمريكي، والذي روجت له كافة الإدارات الأمريكية بوصفه النموذج الواجب تطبيقه في كل مكان، وما هي حدود القوة، وطبيعة الدور الأمريكي في العالم.

وجدت أن صديقي الجمهوري المحافظ يرى أن ترامب أعاد السياسة إلى أرض الواقع بعد سنوات من الخطاب المنمق والوعود غير المنجزة.

ودار بيننا نقاش مفتوح حول مختلف الموضوعات المثارة، بدءًا من الهجرة والتضخم، مرورًا بالعلاقات مع الجيران والحلفاء والحروب والاقتصاد، وصولًا إلى سؤال أكثر خطورة: هل ما يفعله ترامب هو إنقاذ لأمريكا، أم إعادة تعريف لها بطريقة أكثر حدة وانقسامًا؟

قال لي صديقي منذ البداية إن سبب دعمه لترامب بسيط: “أمريكا كانت بحاجة إلى رجل لا يخاف من المواجهة” وبالنسبة له فإن ترامب ليس سياسيًا تقليديًا، ولا ابنًا للمؤسسة، ولا أسيرًا للبروتوكولات المنمقة، بل هو رجل يهاجم الحدود المفتوحة، والبيروقراطية، والصفقات التجارية غير المتوازنة، ويفرض على الجميع سؤالًا مزعجًا من يدفع الثمن؟

هذا المنطق، في نظره، يجعل ترامب مختلفًا عن سياسيين وعدوا كثيرًا ولم يغيّروا كثيرًا. ولهذا أيضًا يستمر في دعمه، حتى عندما يكون ترامب مثيرًا للجدل، أو عندما تبدو قراراته صادمة لحلفائه قبل خصومه.

بدأنا بملف الهجرة، فصديقي يرى أن الحدود ليست مجرد خط جغرافي، بل خط سيادة. وهو مقتنع بأن أي دولة تتساهل في ضبط الهجرة تفقد جزءًا من قدرتها على التحكم في سوق العمل والخدمات، والأمن العام. وقد جعلت إدارة ترامب الهجرة محورًا مركزيًا في 2026، مع استمرار التوجه نحو تشديد الإجراءات وتوسيع حملات الضبط، مما يعني أن هذه القضية ليست هامشية بل من صميم مشروعه السياسي ورغم أن صديقي هو ابن أحد المهاجرين والذي قد استفاد شخصيا من الحدود المفتوحة إلا أنه الآن يقف وبشدة ضد استمرار هذا الوضع.

ثم جاء الحديث عن التضخم، وهنا ظهرت منطقة رمادية. صديقي يعترف بأن الأسعار مؤلمة، لكنه يصر على أن ترامب “أقرب إلى الفهم الشعبي” من خصومه، وأنه يتحدث بلغة الطاقة، والإنتاج، والضرائب، لا بلغة البيانات الجافة. غير أن استطلاعات الرأي الحديثة تشير إلى أن الأمريكيين لا يزالون متشككين في أداء ترامب في ملف التضخم، وأن نسبة التأييد لطريقته في إدارة الأسعار منخفضة للغاية مقارنة بملفات أخرى، مثل الهجرة أو الأمن. هذا لا يعني أن المؤيدين له تخلوا عنه، بل يعني أنهم يفصلون أحيانًا بين “الزعيم الذي أحبوا صوته” وبين “النتائج التي يرونها كل يوم في فاتورة السوبرماركت ومحطات البنزين”.

في العلاقات مع الجيران، خاصة كندا والمكسيك، كان صديقي أكثر وضوحًا: “لماذا يجب أن تتحمل أمريكا الكلفة الأكبر دائمًا؟” هذه الجملة تكشف جوهر التفكير الترامبي عند كثير من أنصاره. هم لا يرون أن الضغط على الجيران عداء، بل يرونه إعادة تفاوض على الأدوار. ترامب، كما يشرح هؤلاء، لا يريد أن تكون الولايات المتحدة بنكًا مفتوحًا أو شرطيًا دائمًا أو مستوردًا صبورًا لكل الاختلالات. ويرون أن الشدة مع كندا والمكسيك ليست انهيارًا للدبلوماسية، بل تصحيحًا لعلاقات اعتاد الأمريكيون فيها، في نظرهم، دفع أكثر مما يأخذون.

وعندما انتقلنا إلى أوروبا، تكرر المنطق نفسه فأنصار ترامب بالفعل يرون أن الحلفاء الأوروبيين استفادوا طويلًا من المظلة الأمريكية دون أن يتحملوا نصيبهم الكامل من الأعباء. ولذلك فهو يرحب بأي ضغط على الحلفاء الأوروبيين لزيادة الإنفاق وتحمل المسئولية، هذه بالفعل قناعاتهم دون اكتراث بالخلل الذي سيطول الثقة السياسية؛ فحين تتعامل مع الحلفاء بوصفهم متقاعسين دائمًا، فإنك قد تكسب معركة داخلية قصيرة وتخسر شبكة تحالف طويلة المدى.

ثم تطرقنا للحديث عن حليفهم الأقرب دائما  وأعني هنا إسرائيل، وجدت أن الموقف كان لديه شبه محسوم فهو يرى أن ترامب أوضح من غيره في دعم إسرائيل، وأقل التباسًا في لغة التحالف. وعندما سألته هل الدعم غير المشروط يبني سلامًا أم يرسّخ أزمات جديدة؟ هنا لم يكن الجواب سهلًا، لأن ملف غزة لا يحتمل شعارات سهلة. فالحديث عن دعم التهجير أو فرض وقائع قسرية على الأرض يجعل القضية تتجاوز التحالف السياسي إلى سؤال أخلاقي، وقانوني، وإنساني. وقلت له إن أي سياسة لا ترى الفلسطينيين إلا من زاوية الصراع العسكري ستبقى عاجزة عن إنتاج استقرار حقيقي أو أن تقوم بدور الوسيط النزيه.

ثم جاء الحديث عن أوكرانيا وروسيا، وهنا ظهر الفرق بين “الواقعية” و“الانسحاب”. صديقي يرى أن ترامب يفضّل إنهاء الحروب بدل إطالتها، وأنه أقل ميلًا إلى التورط الطويل في صراعات خارجية. بالنسبة له هذه فضيلة لا عيب. أما أنا فقلت إن تقليل التورط شيء، وترك فراغات استراتيجية تملؤها روسيا أو غيرها شيء آخر وخاصة أن أوروبا لم تكن مستعدة لمثل هكذا مفاجآت .

ومع إيران، وسوريا، وفنزويلا، ومضيق هرمز، صار الحوار أشد تعقيدًا. صديقي يفضّل أن تُقاس السياسة الخارجية بميزان الكلفة والمنفعة: هل التدخل ضروري؟ هل يحمي المصالح الأمريكية؟ هل يقلل الخسائر؟

وفي منطقة مثل الخليج، حيث يمر مضيق هرمز، لا تبدو الحسابات بسيطة أبدًا؛ لأن أي تصعيد هناك ينعكس على الطاقة، والأسواق، والأمن العالمي، لا على واشنطن وحدها وهو ما عجز صديقي عن الدفاع عنه وقال فلننتظر حتى ينتهي الأمر لنحسب الفوائد والخسائر .

وعندما تحدثنا عن من هم أكبر أنصار ترامب في المشهد ومن هم كبار الداعمين وصلنا إلى نقطة لا تقل أهمية عن سياساته نفسها تحالف ماجا الذي يقف خلفه.

هذا التحالف ليس كتلة واحدة متجانسة، بل شبكة من اليمين القومي، والمحافظين الاجتماعيين، وأنصار تشديد الهجرة، وشرائح غاضبة من النخبة السياسية التقليدية.

إن ما يجمعهم ليس اتفاقًا كاملًا على كل القضايا، بل إحساسا مشتركا بأن المؤسسة القديمة لم تعد تمثلهم، وأن ترامب هو الأداة الأكثر جرأة لكسر هذا الجمود.

لكن العلاقة بين ترامب وهذا التحالف ليست علاقة ولاء مطلق؛ إنها علاقة تبادل دائم: هو يمنحهم الصوت والرمزية والعداء للمؤسسة، وهم يمنحونه الشرعية الشعبية والقدرة على البقاء وهي علاقة أصبحت أكثر نضجًا من ناحية التنظيم، لكنها أيضًا أكثر تعقيدًا من ناحية التماسك. فكلما طال بقاؤه في الساحة، تحوّل التحالف من مجرد “حركة احتجاج” إلى بنية سياسية تبحث عن نفوذ داخل الحزب الجمهوري والكونجرس والإعلام المحلي. وفي الوقت نفسه، لا يزال هذا التحالف يعتمد على شخص ترامب نفسه أكثر مما يعتمد على برنامج مؤسسي ثابت.

فتحالف ماجا ليس مجرد مؤيدين لترامب، بل هي القاعدة التي تجعل ترامب أكبر من مجرد مرشح، كما أنها أيضًا القاعدة التي قد تتعرض للاهتزاز إذا تراجع تأثيره الشخصي أو خسر قدرته على التعبئة.

في نهاية الحوار، أدركت أن صديقي لا يدعم ترامب لأنه يوافقه على كل شيء، بل لأنه يرى فيه ردًا على شعور أوسع بالإرهاق من السياسة التقليدية.

هو يفضله لأنه يَعِدُ بالوضوح، حتى لو كان الوضوح فظًا ودون أن يخشى أن تتحول الصرامة إلى عادة، وأن تتحول الفوضى إلى أسلوب حكم.

وللحديث بقية ولكن سيكون الحوار مع أحد المعارضين الديمقراطيين.

طباعة

    تعريف الكاتب

    م/ حسام الدين على

    م/ حسام الدين على

    سياسى مصرى