في الحروب القديمة كان الجنود ينظرون في عيون خصومهم قبل أن يطلقوا النار، أما في حروب هذا القرن فربما لا يرى القاتل ضحيته أبدًا؛ شاشة صغيرة في غرفة عمليات بعيدة قد تكفي خوارزمية تحلل آلاف الصور والإشارات الرقمية قد تكفي وإشارة واحدة من نظام ذكاء اصطناعي قد تكون كافية ليقرر العالم أن شخصًا ما يجب أن يموت الآن. بهذا المعنى دخلت السياسة الدولية مرحلة جديدة لم يعد أخطر ما فيها هو السلاح نفسه بل العقل الرقمي الذي يقرر كيف ومتى يُستخدم. لقد تحولت الخوارزميات إلى لاعب صامت في الصراعات الدولية خصوصًا في المواجهة الطويلة والمعقدة بين الولايات المتحدة وإيران حيث تدور حرب غير معلنة منذ سنوات تستخدم فيها التكنولوجيا بقدر ما تستخدم فيها الصواريخ. هذه ليست حربًا تقليدية بين جيشين بل شبكة معقدة من الاستخبارات والعمليات السرية والطائرات المسيّرة والأنظمة الذكية التي تبحث في كل لحظة عن نقطة ضعف يمكن استغلالها في هذه الحرب لا تُسمع المدافع دائمًا لكن الخوارزميات تعمل بلا توقف.
لعقود طويلة كان تعقب القيادات العسكرية أو السياسية يعتمد على العمل الاستخباراتي البشري شبكات من العملاء ومراقبة طويلة وتحليل بطيء للمعلومات، لكن المشهد تغير جذريًا مع صعود الذكاء الاصطناعي. فاليوم تستطيع أنظمة تحليل البيانات معالجة ملايين الصور الفضائية والبيانات الهاتفية وتحركات الطائرات وأنماط السفر خلال دقائق قليلة، وتشير تقديرات مراكز أبحاث الدفاع إلى أن أكثر من سبعين بالمئة من عمليات تحليل الاستخبارات العسكرية في الجيوش المتقدمة أصبحت تعتمد على أدوات الذكاء الاصطناعي، بينما تجاوز الإنفاق الأمريكي على تطبيقات الذكاء الاصطناعي العسكرية خمسة عشر مليار دولار سنويًا ضمن برامج وزارة الدفاع
هذا التحول جعل تعقب الأهداف أكثر دقة وأسرع من أي وقت مضى. وأحد أبرز الأمثلة على ذلك كان اغتيال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني عام 2020، قرب مطار بغداد فالعملية التي نفذتها القوات الأمريكية باستخدام طائرة مسيّرة لم تكن مجرد ضربة عسكرية تقليدية بل نتيجة تحليل معقد للبيانات الاستخباراتية شمل تتبع الاتصالات وتحليل الصور الفضائية وأنماط السفر وقد ساعدت أنظمة تحليل البيانات المتقدمة في تحديد مسار تحركات سليماني وتحليل جدول رحلاته ومقارنة صور الأقمار الصناعية والتأكد من هوية الهدف قبل الضربة. بهذا المعنى لم يكن القرار العسكري وحده هو الذي حدد لحظة الاغتيال بل شبكة كاملة من الخوارزميات التي ساعدت في بناء الصورة الاستخباراتية ومع انتشار هذه التقنيات أصبحت الطائرات المسيّرة وأنظمة التحليل الذكي جزءًا أساسيًا من العمليات العسكرية الحديثة، وتشير تقديرات معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي إلى أن أكثر من مئة دولة تعمل اليوم على تطوير برامج للطائرات المسيّرة العسكرية، بينما تستخدم ما يقرب من أربعين دولة هذه الطائرات بالفعل في العمليات القتالية كما أن نسبة كبيرة من عمليات الاستهداف الدقيقة في النزاعات الحديثة أصبحت تعتمد على تحليل البيانات باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.
في الشرق الأوسط تحديدًا أصبحت هذه التكنولوجيا جزءًا من المواجهة غير المباشرة بين القوى الإقليمية والدولية، حيث تتقاطع المصالح العسكرية مع التطور التكنولوجي، وفي هذا السياق تمثل العلاقة المتوترة بين الولايات المتحدة وإيران نموذجًا واضحًا لما يمكن وصفه بحرب الظل التكنولوجية فالمواجهة بين الطرفين لا تُدار غالبًا عبر حرب تقليدية بل عبر عمليات استخباراتية وهجمات سيبرانية واستهدافات دقيقة تعتمد على التكنولوجيا المتقدمة.
وإذا كان الماضي قد شهد مواجهات عسكرية مباشرة فإن المستقبل قد يشهد شكلًا مختلفًا من الصراع بين واشنطن وطهران، فبدلًا من الحروب التقليدية قد تصبح المعركة الأساسية معركة بيانات كل طرف سيحاول جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات عن الآخر وكل طرف سيحاول اختراق الأنظمة الرقمية للطرف المقابل وكل طرف سيحاول استخدام الذكاء الاصطناعي لتوقع تحركات خصمه قبل أن تحدث. هذا يعني أن الصراع قد ينتقل تدريجيًا من ساحات القتال إلى مراكز البيانات فالهجوم قد يبدأ بخوارزمية تتنبأ بموقع قائد عسكري أو نظام تحليل ذكي يقرأ ملايين الإشارات الرقمية ليحدد نقطة الضعف التالية وفي عالم كهذا قد يصبح القرار العسكري أسرع من قدرة السياسة على احتوائه، وهنا يكمن الخطر الأكبر فالحروب التي تقودها الخوارزميات قد تندلع بسرعة أكبر من قدرة البشر على التفكير في عواقبها.
اليوم تتسابق القوى الكبرى على تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي العسكرية وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن سوق الذكاء الاصطناعي في المجال الدفاعي قد يتجاوز أربعين مليار دولار بحلول عام 2030 ومع هذا السباق التكنولوجي تتغير طبيعة القوة في النظام الدولي، فالدولة التي تمتلك الخوارزميات الأكثر تقدمًا قد تمتلك القدرة على رؤية العالم قبل الآخرين واتخاذ القرار قبلهم، ومع ذلك يبقى السؤال الأكثر عمقًا إنسانيًا قبل أن يكون استراتيجيًا ماذا يحدث عندما يصبح قرار الحياة أو الموت جزءًا من عملية حسابية وهل يمكن للآلة أن تفهم التعقيد الأخلاقي للحرب؟ وحتى الآن لا توجد معاهدة دولية واضحة تنظم استخدام الأسلحة المدعومة بالذكاء الاصطناعي رغم تحذيرات العلماء والمنظمات الحقوقية من مخاطرها وقد دعا آلاف الخبراء إلى فرض قيود دولية على الأسلحة المستقلة القادرة على اتخاذ قرار القتل دون تدخل بشري.
لقد علمتنا الحروب القديمة أن القوة تقاس بعدد الجيوش لكن حروب هذا القرن تقول شيئًا مختلفًا القوة الحقيقية أصبحت في الخوارزمية التي ترى العالم قبل الآخرين، ومع ذلك تبقى الحقيقة الأكثر بساطة وربما الأكثر قسوة أن الحروب مهما أصبحت ذكية ستظل في النهاية مأساة بشرية، فالآلة قد تحسب المعركة بدقة مذهلة لكنها لن تشعر أبدًا بثقل الدم الذي يسقط بعدها على الأرض.