مقالات رأى

الحزب الديمقراطي في مواجهة حرب ترامب على إيران

طباعة

كثر الحديث عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وتحليل قراراته وطريقة تفكيره، في اللحظة التي يعلن فيها عن الحرب على إيران باسم الردع والتصعيد الوقائي.

وفي هذه المقالة نحلل موقف الحزب الديمقراطي، الذي يبني موقفه على خطين رئيسيين: أولهما خط يرفض التحرك العسكري دون مبرر كافٍ ودون الحصول على تفويض من الكونجرس، وثانيهما محاولة استعادة ما فقدته السياسة الأمريكية منذ تولي ترامب، ولا سيما عندما قام بالعملية العسكرية في فنزويلا واعتقال رئيسها من داخل قصره، وهو مبدأ المحاسبة والمسئولية.

وبالتأكيد يسعى الديمقراطيون إلى استغلال هذه القرارات للعودة إلى المشهد والسلطة في انتخابات التجديد النصفي في الخريف المقبل، وخلق حالة من إعادة تموضع علاقات القوة بين البيت الأبيض والكونجرس، فضلًا عن إبراز الأثر الاقتصادي على المدى القصير والمتوسط، وحساب كلفة الحرب.

فعلى المستوى القانوني والدستوري، يرى الحزب الديمقراطي أن حرب ترامب على إيران تُدار في ظل فراغ دستوري واضح، وغياب كامل لتفويض الكونجرس، رغم أن أغلبية أعضائه من الجمهوريين.

ومع ذلك شنت الولايات المتحدة ضربات جوية واسعة النطاق، وتمددت العمليات في مضيق هرمز، دون أن يصدق الكونجرس على الحرب أو يتحمل تكلفة بشرية واقتصادية قد تفوق كل حسابات ترامب.

كما يتفق الديمقراطيون، بمن فيهم أعضاء لجنة الشئون الخارجية في مجلس النواب، على أن هذه المغامرة تقوض مبدأ الفصل بين السلطات، وتعيد الرئيس إلى عصر الحرب الرئاسية الذي حاولت التشريعات الأمريكية حصره منذ سنوات طويلة، مثل حرب كوريا عام 1950، حين أمر الرئيس هاري ترومان بإرسال القوات الأمريكية دون تصويت برلماني، وحرب فيتنام عام 1964، التي بدأها الرئيس ليندون جونسون بقرار، ثم تصاعدت في عهد ريتشارد نيكسون، معتمدة على قرارات رئاسية، وكذلك غزو بنما عام 1989، في عهد بوش الأب.

ولا يكتفي الديمقراطيون بالاعتراض الدستوري داخل مجلس النواب والكونجرس فحسب، بل يدخلون في المعركة حسابات الرأي العام أيضًا، حين يذكرون أن الناخب الأمريكي، الذي يعاني من تضخم الأسعار وارتفاع فواتير البنزين، لا يريد أن يدفع ثمن حرب تصنعها الإدارة خارج المداولات العامة.

وهكذا يُصار إلى تكريس فكرة أن الحرب ليست مجرد قرار عسكري، بل خيار سياسي اقتصادي يمس حياة المواطنين اليومية مباشرة.

وقبل عدة أشهر من انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، يجد الديمقراطيون أنفسهم أمام فرصة ذهبية أهداها لهم خصمهم على طبق من ذهب، فأصبح خطابهم مرتكزًا أيضًا على الثمن الباهظ وغير المحسوب للحرب. إذ تُظهر التقديرات أن الحرب على إيران قد تُدخل الاقتصاد الأمريكي في مرحلة متقلبة، يترأسها ارتفاع حاد في أسعار النفط بعد إغلاق مضيق هرمز أو تهديده، وتجاوز سعر البرميل 100 دولار، وهو ما يترجم إلى تجاوز سعر البنزين متوسط 4 دولارات للجالون بعد أن كان 2.6 دولار، مع توقعات بارتفاعه إلى 5 دولارات إذا استمر التصعيد. وهذا يعيد الأزمة إلى قلب الاستهلاك الأمريكي بعد ارتفاع تكلفة النقل، وتزداد أعباء الصناعة والتجارة، مما يهدد نمو الاقتصاد الذي يعاني أصلًا من أثر الديون المتضخمة والسياسات التضخمية.

وفي المقابل تحذر معظم المؤسسات الاقتصادية الدولية من أن استمرار الحرب قد يعيد العالم إلى مسار قريب من الركود العالمي، مع تأثيرات على أسواق الأسهم، وتراجع الاستثمارات، وارتفاع تكاليف التأمين البحري والشحن.

وهكذا يبني الديمقراطيون موقفهم الرافض للحرب باعتبارها قرارًا عسكريًا غير محسوب، ومغامرة اقتصادية تهدد مصالح الطبقة الوسطى، وهي الشريحة التي يحاول الديمقراطيون أن يظهروا لها أنهم حماة الاقتصاد المنزلي أكثر من البيت الأبيض الحالي.

وما يدعم موقف الديمقراطيين من الأزمة هو الانشقاقات داخل المعسكر نفسه، فقد ظهرت أصوات جمهورية مضادة، حيث شكّلت استقالة جو كينت، المدير الوطني لمكافحة الإرهاب، الذي أعلن في مارس 2026 أنه لن يشارك في حرب غير مبررة ضد إيران، محطة لافتة.

جو كينت، وهو ضابط مخضرم ومؤيد سابق لترامب، لم يكتفِ بالإشارة إلى غياب تهديدات إيرانية عاجلة، بل ربط تصعيد ترامب بالضغط الإسرائيلي واللوبيات المؤيدة لإسرائيل، محذرًا من أن الحرب مشروع أجنبي مفروض من الخارج على السياسة الأمريكية ومصالحها الحقيقية.

وبذلك تصبح استقالته علامة فارقة، إذ تشير إلى وجود تصدع في صفوف القيادة الأمنية، وتمنح الديمقراطيين حجة مقنعة بأن هذه الحرب كان يمكن تفاديها، وأنها خيار سياسي أكثر منه أمني. وهو ما يدفع البيت الأبيض إلى تفسير أهدافه وحساباته، وتحميل الجمهوريين مسئولية التصعيد أمام الرأي العام.

ومن أبرز قيادات الحزب الديمقراطي الذين يتصدون لسياسات ترامب، عبر المواجهات القانونية، والسياسية، والشعبية، مستفيدين من منصاتهم الإعلامية والبرلمانية النشطة، يبرز جافين نيوسوم، حاكم كاليفورنيا، بوصفه حاكم أكبر ولاية أمريكية، والذي يُعتقد أنه يستعد للحصول على ترشيح الحزب الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

وينقل نيوسوم الانعكاسات الاقتصادية للحرب إلى مستوى الشارع، من ارتفاع أسعار الوقود إلى تأثير التضخم في الفئات المتوسطة والضعيفة. كما يستخدم نفوذه الإعلامي لتسليط الضوء على أن الحرب لا تُدار في واشنطن فقط، بل تمس جيب كل أسرة أمريكية، مما يشكل ضغطًا كبيرًا على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

كما يبرز كريس مورفي، السيناتور عن كونيتيكت، بوصفه أحد أبرز الأصوات الديمقراطية في لجنة الشئون الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي، إذ يشدد على أن الحرب على إيران ليست في مصلحة الأمن القومي الأمريكي، بل هي استجابة لضغوط إسرائيلية. ويمثل ذلك مواجهة قانونية واضحة، حيث يدفع مورفي باتجاه تشريعات تحدد صلاحيات الرئيس في استخدام القوة، وتطالب بإعادة تفويض الكونجرس في مثل هذه العمليات.

ولا ننسى برني ساندرز، السيناتور المستقل المقرب من الديمقراطيين والصوت الليبرالي البارز، حيث يستخدم منصته الوطنية لربط الحرب بالأجندة الاقتصادية الأوسع؛ فيربط بين ارتفاع أسعار الطاقة وارتفاع الفواتير الطبية، ويشير إلى أن الأموال المنفقة على حرب إيران كان يمكن أن تُنفق على التعليم، والرعاية الصحية، والبنية التحتية.

ويقدم ساندرز الحرب بوصفها مثالًا آخر على أولويات مضطربة يعاني منها عهد ترامب.

هؤلاء الثلاثة، مع آخرين من قادة الديمقراطيين، يشكلون جبهة متعددة الأبعاد: أمنية، وقانونية، واقتصادية، واجتماعية، تحاول إعادة التوازن إلى قرار الحرب، وتذكّر البيت الأبيض بأن للرأي العام دورًا لا يُستهان به في تحديد مسار السياسة الخارجية.

طباعة

    تعريف الكاتب

    م/ حسام الدين على

    م/ حسام الدين على

    سياسى مصرى