مقالات رأى

ازدواجية المعايير.. المفارقة النووية في الصراع الإسرائيلي-الإيراني

طباعة

في خضم التصعيد العسكري المحموم الذي تشهده المنطقة ومنذ منتصف عام 2025 الذي شمل ضربات إسرائيلية وأمريكية مباشرة على المنشآت النووية الإيرانية، برز سؤال جوهري يعكس مفارقة كبرى وهو: كيف يمكن لإسرائيل أن تشن حربًا لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، بينما هي نفسها تمتلك ترسانة نووية كبيرة وغير خاضعة لأي رقابة دولية؟ هذه المعضلة تشكل جوهر الخطاب الإيراني وحجر الزاوية في اتهام الغرب بـ"الازدواجية" في تطبيق معايير منع الانتشار النووي، يهدف هذا المقال إلى تحليل هذه المفارقة من خلال استعراض الوضع النووي لكلا الطرفين في سياق القانون الدولي، وكشف البنية الأيديولوجية والسياسية التي تبرر هذا التناقض الظاهر. في قلب الشرق الأوسط تقع إسرائيل كقوة نووية غير معلنة، حيث يمثل السلاح النووي الإسرائيلي أحد الأدوات والاستراتيجيات الدفاعية للدولة العبرية منذ تأسيسها عام 1948.

لقد رأى بن جوريون في بناء المفاعل النووي وسيلة لضمان وجود ومستقبل دولة إسرائيل، ووسيلة لسد فجوة الكم العددي بين العرب وسكان إسرائيل، حيث اتخذ بن غوريون القرار وقام بتنفيذه شمعون بيريز وذلك بعد تعاون مشترك سري مع فرنسا في مجال الأبحاث النووية العسكرية(1).

عملت إسرائيل على بناء وتعزيز وتطوير قدراتها العسكرية بما فيها السلاح النووي وذلك لمواجهة التحديات الإقليمية المتزايدة، إلا أنها لم تصرح بشكل علني عن حجم ترسانتها النووية بما يُضيف تعقيدا للمشهد الجيوسياسى في المنطقة ويثير شكوكا وتساؤلات حول الوضع الراهن للأمن الإقليمي في المنطقة.

ونتيجة لكون إسرائيل تمتلك أسلحة نووية منذ الستينيات، واتباعها سياسة التعتيم النووي، ولم تؤكد رسميًا أبدًا وجود برنامجها النووي فإنها لم توقع قط على معاهدة حظر الانتشار النووي، وتقوم إسرائيل بتصنيع ونشر مجموعة متنوعة من الصواريخ الباليستية، وصواريخ كروز، وأنظمة الدفاع الصاروخي المتطورة تكنولوجيا(2).


-

ووفقا للتقديرات الدولية فإن إسرائيل تمتلك وتحوز عدد 90 من الرءوس الحربية والنووية، ومن 750-1100 كجم كمخزون تقريبي من البلوتونيوم، يحتمل أن يكفي لصنع 187-277 سلاحًا نوويا، وعدد ست غواصات من طراز دولفين-1 ودولفين-2، ويُعتقد أنها قادرة على إطلاق صواريخ كروز نووية، وعليه فإنها على وجه التقريب تمتلك ما يكفي لإنتاج ما يصل إلى 300 سلاح نووي(3). جاءت سياسة الغموض النووي الإسرائيلي ردا على التهديدات القادمة من انتشار الأسلحة العسكرية غير التقليدية وذلك من أجل الردع والمنع وإحباط أي محاولة للعدو لامتلاك أسلحة عسكرية غير تقليدية(4).

من رؤية المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، تمثل سياسة التعتيم النووي التي تتبناها إسرائيل استراتيجية تتماشى مع مبدأ "البقاء أولاً"، الذي يعد جوهر التفكير الواقعي. تواجه إسرائيل بيئة جيوسياسية مليئة بالتهديدات الأمنية والتحديات الإقليمية، حيث يُعتبر امتلاك الأسلحة النووية وسيلة استراتيجية تعزز من قدرتها على الردع. تعتمد سياسة التعتيم هذه، التي تقوم على الغموض الطوعي بشأن قدراتها النووية، على خلق حالة من التفوق الاستراتيجي دون إثارة القلق الدولي المباشر. في هذا الإطار، ترى إسرائيل أن أي إعلان رسمي عن قدراتها النووية قد يؤدي إلى ضغوط سياسية واقتصادية من المجتمع الدولي، بالإضافة إلى تسريع سباق التسلح في المنطقة. وبالتالي تركز إسرائيل على تأمين مصالحها الأمنية من خلال تحقيق توازن قوى في منطقة مضطربة، مع الحفاظ على سياسة الغموض التي تمنحها المرونة في إدارة علاقاتها مع القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة.

في المقابل إيران هي عضو في معاهدة حظر الانتشار النووي وتصر على أن برنامجها النووي مخصص للأغراض السلمية، بينما تدعي الاستخبارات الأمريكية أن طهران تمتلك مخزونًا كبيرًا من اليورانيوم المخصب، إلا أن التقييمات الرسمية تؤكد عدم وجود قرار سياسي بتصنيع قنبلة نووية، ومع ذلك فإن الضربات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية يتم تبريرها على أساس ضرورة منع إيران من بلوغ "القدرة النووية" الكافية لصناعة قنبلة نووية، فبينما يُنظر إلى البرنامج الإيراني على أنه تهديد وجودي يتطلب تدميرًا عسكريًا حتميًا، يُقبل البرنامج الإسرائيلي كأمر واقع بل وكجزء من توازن الردع في المنطقة.

يكمن تفسير هذه المفارقة والازدواجية في المعايير في عنصرين رئيسيين:

·التهديد الوجودي المُتصوَّر ومسألة الشرعية الدولية: يرى المحللون المؤيدون للموقف الإسرائيلي، مثل "Edmund Fitton-Brown"، أن الفرق يكمن في "النية"، فإيران، بحسب هذا المنظور، دولة تصرح علنًا بعدائها لإسرائيل وتسعى لتدميرها، مما يجعل من امتلاكها للقنبلة النووية خطرًا وجوديًا لا يُقارن بامتلاك إسرائيل لها كقوة تريد البقاء والاستقرار، أما إسرائيل، فتعتبر ترسانتها "وسيلة ردع" أخيرة لضمان أمن الدولة في منطقة معادية، هذا بالإضافة إلى المبادئ الدينية المعلنة للجمهورية الإسلامية (وخاصة تنامي المهدية في الحرس الثوري الإيراني).

·أما من المنظور الإيراني فإن هذه الحجج لا تلغي حقيقة أن النظام الدولي يقوم على ازدواجية المعايير، حيث إن المجتمع الدولي يطالب إيران بتطبيق البروتوكولات الإضافية والتفتيش المفاجئ، بينما تظل منشآت ديمونة الإسرائيلية بمنأى عن أي كاميرات أو مفتشين تابعين للوكالة الدولية، هذا الوضع يخلق "عائقًا رئيسيًا" أمام إنشاء منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط.

ختامًا:

 إن المفارقة في معارضة إسرائيل المسلحة نوويًا لامتلاك إيران للسلاح النووي ليست مجرد مفارقة منطقية بسيطة، بل هي تعبير عن بنية عميقة من ازدواجية المعايير في النظام الدولي، فإسرائيل تعتمد على سياسة "الغموض" لتحتفظ بسلاحها النووي كضمانة أمنية قصوى وكوسيلة تفوق عسكري، بينما تعتمد في الوقت نفسه على خطاب "التهديد الوجودي" لتعبئة المجتمع الدولي ضد البرنامج الإيراني، وقد أدى فشل الجهود الدبلوماسية، مثل الانسحاب الأمريكي من خطة العمل الشاملة المشتركة، وصولاً إلى الضربات العسكرية المباشرة، إلى دفع إيران نحو حافة اتخاذ قرارات أكثر تطرفًا كما حدث عندما علقت تعاونها مع الوكالة الدولية ردًا على تلك الضربات، في النهاية تُظهر هذه المعضلة أن السعي لتحقيق الأمن عبر التفرد النووي يغذي سباق تسلح نووي خطير، وأن الحل الدائم لا يكمن في تدمير منشآت الخصوم، بل في صياغة نظام إقليمي شامل يأخذ بعين الاعتبار المخاوف الأمنية للجميع تحت مظلة قانونية دولية عادلة وملزمة.

الهوامش:

[1]- שאולשי, המניעהוהסיכולכמרכיבייסודבתפיסתהביטחוןשלישראל, כנסהרצליה 2017, המכוןלמדיניותואסטרטגיה، 20-22 يونيو 2017، شاؤول شاي، الوقاية والإحباط كعنصرين رئيسيين في مفهوم الأمن الإسرائيلي، معهد الدراسات السياسية والاستراتيجية، 20-22 يونيو 2017.

2- Nuclear Threat Initiative. "Israel." Nuclear Threat Initiative. Accessed March 6, 2026. https://www.nti.org/countries/israel/.

[1]Hans Kristensen and Matt Korda, SIPRI Yearbook 2024: World Nuclear Forces Overview, Stockholm International Peace Research Institute, January 2024, https://www.sipri.org/yearbook/2024/07

3- المرجع نفسه.

4- شاؤول شاي، مرجع سابق.

طباعة

    تعريف الكاتب

    نسرين طولان

    نسرين طولان

    باحثة دكتوراه في العلوم السياسية