مقالات رأى

ما بعد الضربة الأولى..كيف تعيد حرب أمريكا وإيران تعريف النصر على حساب الإنسان؟

طباعة

في الليلة التي سبقت اتساع النار لم تكن المنطقة كلها على شاشات الخرائط العسكرية بقدر ما كانت في تفاصيل صغيرة؛ أم تطفئ ضوء غرفة طفلها مبكرا كي ينام قبل أن يسمع صفارات الإنذار، عامل في ميناء خليجي يحدق في البحر كأنه يسأل السفن إن كانت ستعود، مضيفات طيران يبتلعن ارتباكهن أمام صفوف المسافرين العالقين بينما تغلق السماء أبوابها فجأة. الحرب حين تبدأ لا تعلن نفسها للناس كبيان سياسي بل كارتجافة في الروتين مكالمة قصيرة تطمئن، رسالة "أنا بخير"، وصوت منخفض يسأل إلى أين نمضي إذا انقطع الطريق.

الحرب الحالية بين أمريكا وإيران التي اتسعت سريعا خلال أيامها الأولى إلى مشهد إقليمي ملتهب تقدم نموذجا مختلفا عن حروب الحسم كما عرفتها الكتب، التفوق العسكري لا يعني بالضرورة تفوقا سياسيا، والضربة الدقيقة لا تعني نهاية الخوف، والنصر كما يراه القادة قد يبدو للناس مجرد نجاة مؤقتة لا أكثر. الحديث عن حرب لن تستغرق سنوات يقابله تأكيد على عدم الرغبة في حرب لا تنتهي، لكن ما بين الوعدين تتسرب حقيقة أشد قسوة إن أقصر الحروب قد تخلف أطول الآثار في أرواح البشر وفي اقتصاد العالم.

من زاوية الجبهات يبدو الميزان واضحا، واشنطن وحلفاؤها يملكون التفوق الجوي والاستخباراتي ومرونة الضرب عبر مسافات شاسعة، بينما تملك طهران ما يسميه خبراء الاستراتيجية قدرة التعطيل؛ أن تمنع الخصم من إعلان نصر نظيف، وأن تحول الحرب إلى كلفة ممتدة تقاس بالزمن وبالأسواق وبالممرات البحرية وبالطمأنينة التي تتآكل تدريجيا داخل البيوت، لهذا تصبح إمكانية الحسم سؤالا ملتبسا: أي حسم نقصد، حسم المعركة أم حسم المعنى.

في الأيام الأولى سقط قتلى من الجنود الأمريكيين وهذه ليست مجرد خسارة بشرية في قاموس الدولة، إنها بداية انتقال الحرب من شاشة الأخبار إلى بيوت الناخبين، لأن الدم لا الخرائط هو الذي يحرك السياسة الداخلية في النهاية، ومع كل نعش يرتفع سؤال الجدوى هل الهدف المعلن يساوي الثمن المدفوع.

لكن الإنسان هنا ليس فقط جنديا، الإنسان هو أيضا المدني الذي يعيش على أطراف صراع لا يملك تغييره. مئات الضحايا المدنيين سقطوا عبر أكثر من بلد في غضون أيام قليلة، ومع اتساع الردود وجدت دول نفسها داخل دائرة النار، وهي تحاول أصلا البقاء خارجها. حين تنتشر الحرب بهذه السرعة يصبح المدني موقعا جغرافيا لا حياة فردية، شقة تصاب لأنها كانت قرب هدف، طريق يغلق لأن السماء أغلقت، ومطار يتحول إلى قاعة انتظار للقلق.

ومن أكثر ملامح هذه الحرب قسوة أنها تضرب الحياة اليومية مباشرة؛ الطيران، الشحن، الطاقة. أي شرايين العالم الحديث تعطلت؛ آلاف الرحلات الجوية، وتأثرت عشرات الآلاف من المقاعد والمسافرين، بعض التقديرات أشارت إلى نحو تسعة عشر ألف رحلة تأثرت بالتأخير أو الإلغاء في سياق الاضطراب الإقليمي، موجات تعليق لرحلات شركات كبرى، ومدن كانت مطاراتها جسورا بين القارات، ثم أصبحت فجأة نقاط انسداد. هنا يتجلى الوجه الإنساني للأرقام، من يملك ثمن التذكرة البديلة، من لديه جواز يفتح الأبواب، ومن يبقى عالقا لأن السماء قررت أن تكون جبهة.

وعندما تتجه الأنظار إلى البحر يصبح المشهد أكثر فداحة، مضيق هرمز الذي يمر عبره ما يقارب خمس إمدادات النفط العالمية صار عنوانا للقلق، مئات السفن أسقطت مراسيها في مياه الخليج وبينها عشرات الناقلات للخام والغاز المسال فضلت الانتظار على العبور تحت مستوى تهديد متصاعد، هذا الرقم وحده يشرح كيف تتحول الحرب إلى تأخير عالمي وكيف يترجم الخوف إلى ساعات انتظار في البحر وإلى تكلفة إضافية يدفعها المستهلك في نهاية السلسلة.

قفز النفط بنسب قاربت عشرة في المئة مع المخاوف من تعطل الإمدادات، وبعض التقديرات التحليلية لم تستبعد بلوغ الأسعار مئة دولار للبرميل إذا طال الاضطراب،  أو اتسع نطاقه ومع كل دولار إضافي ترتفع فاتورة النقل والغذاء والتصنيع، وفي الداخل الأمريكي تجاوز متوسط سعر البنزين ثلاثة دولارات للجالون للمرة الأولى منذ شهور في إشارة مبكرة إلى أن الحرب قد تدخل جيب المواطن قبل أن تدخل كتب التاريخ.

أما التأمين البحري وهو العالم الخفي الذي لا يراه الناس فقد بدأ يرفع كلفته؛ تكلفة التأمين على مخاطر الحرب ارتفعت إلى مستويات قد تصل إلى الضعف مقارنة بالأشهر السابقة ما يعني أن عبور السفينة صار أغلى، وأن كل ما تحمله من سلع سيصل إلى رفوف المتاجر بسعر أعلى الحرب هنا لا تعطل السفن فقط، بل تعيد تسعير العالم.

في المقابل حتى لو تلقت إيران ضربات موجعة فإنها تملك أدوات لفرض كلفة ومنع إعلان نصر كامل؛ تهديد الملاحة، استخدام الوكلاء، الهجمات غير المتناظرة،  وإطالة أمد التوتر بما يكفي لإبقاء الخصم تحت ضغط دائم. لذلك يبدو المشهد كسباق بين سرعتين سرعة الضربة وسرعة التعطيل.

الخطورة الحقيقية أن تمدد الحرب يصنع إنسانا إقليميا جديدا إنسانا معلقا بين جنسيته ولقمة عيشه ملايين العمال والموظفين والطلاب والأسر يعيشون على حافة سؤال واحد: إذا تعطلت الرحلات كيف نغادر، وإذا تعطل الاقتصاد أين نذهب، وإذا ارتفعت الأسعار من يدفع؟ الحرب تصيب الهشاشة أولا: تصيب الفقير والعالق ومن لا يملك رفاهية الخيار.

إمكانية الحسم إذن لا تقاس بمن يملك السماء فقط بل بمن يستطيع أن ينهي القصة دون أن يفتح قصصا أخرى وإذا كان التفوق العسكري يميل بطبيعته إلى الولايات المتحدة وحلفائها في الحملة السريعة فإن الحسم السياسي أي فرض شروط دائمة، أو تغيير سلوك دولة كاملة يظل أكثر تعقيدا. وبين هذا وذاك تقع المنطقة في اختبار وجودي: هل تستطيع أن تمنع تحويلها إلى ساحة لتصفية الحسابات الكبرى، وهل تستطيع أن تعيد تعريف أمنها بمعايير حياة الناس لا بمعايير بيانات الانتصار؟

الخاتمة التي تليق بهذه اللحظة ليست أن ننحاز لطرف بل أن ننحاز للإنسان لأن الحرب مهما قيل عنها ليست حدثا عابرا، بل نزيف معنى، ومهمة السياسة الدولية حين تكتب بضمير ألا تكتفي بوصف موازين القوة، بل أن تسأل ما قيمة القوة إذا كان ثمنها أن يعيش الناس في مطارات مغلقة وبحار متوقفة وأسواق مرعوبة؟!

قد ينتهي التصعيد بتهدئة، أو بوقف إطلاق نار يعلن فيه كل طرف أنه حقق ما أراد، لكن الحسم الحقيقي لا يحدث حين تسكت الصواريخ فقط، بل حين يعود الناس إلى حقهم البسيط في يوم عادي يوم لا يحتاج فيه أحد أن يثبت أنه حي.

طباعة

    تعريف الكاتب

    أمانى القصاص

    أمانى القصاص

    مساعد رئيس تحرير الأهرام