وفقًا لقانون البنك المركزي والجهاز المصرفي رقم 194 لسنة 2020، يهدف البنك المركزي المصري إلى ضمان سلامة النظام النقدي والمصرفي والحفاظ على استقرار الأسعار حيث تحقيق معدل تضخم منخفض ومستقر، ويسعى إلى تحقيق هذه الأهداف من خلال صنع وتنفيذ سياسة نقدية فعالة تتسق مع السياسات الاقتصادية للدولة المصرية وبما يُمكن من تحقيق الأهداف الاستراتيجية ذات الأولوية.
تلعب السياسة النقدية دورًا محوريًا في ضمان الاستقرار الاقتصادي محليًا وتعزيز تنافسية الاقتصاد القومي إقليميًا ودوليًا. وقد نجح البنك المركزي المصري في إحراز تقدم ملحوظ في تعزيز النشاط الاقتصادي وتحفيز مشاركة القطاع الخاص وزيادة تدفق النقد الأجنبي وتنويع مصادره بما يعزز من صلابة الأسواق المالية المصرية، ويحد من المخاطر الائتمانية وتحسن الجدارة الائتمانية. إذ شهد القطاع المصرفي المصري تطورًا خلال عام ٢٠٢٥، انعكس ذلك في استمرار تحسن مؤشرات السلامة المالية، وتوطيد صلابة البنك المركزي المصري ورفع كفاءة القطاع المصرفي، ومن ثم زيادة القدرة على دعم استقرار الاقتصاد الكلي للدولة المصرية.وعليه، تحسنت النظرة المستقبلية للاقتصاد المصري لدى وكالات التصنيف الائتماني العالمية، حيث رفعت وكالة “ستاندرد آند بورز” التصنيف الائتماني طويل الأجل لمصر إلى “باء” (B) بدلًا من “سالب باء” (B-)، مع نظرة مستقبلية مستقرة، وذلك للمرة الأولى منذ سبع سنوات، كما أكدت وكالة “فيتش للتصنيف الائتماني" تصنيف مصر طويل الأجل للعملة الأجنبية عند “باء” (B) مع نظرة مستقبلية مستقرة.
وقد ساهم ارتفاع صافي الاحتياطيات الدولية، وانخفاض معدل التضخم، واستمرار التدفقات الاستثمارية في المحافظ المالية في دفع العوائد نحو الانخفاض. كما ساهم تراجع فروق مبادلات مخاطر الائتمان على جميع آجال الاستحقاق في دعم ثقة المستثمرين، حيث عادت الفروق إلى مستوياتها الطبيعية التي كانت سائدة، وذلك قبل بداية دورة تقييد السياسة النقدية، حيث تخفيض أسعار الفائدة.
تجدر الإشارة إلى أن البنك المركزي المصري قد اتبع سياسة نقدية تيسيرية تتسم بالحذر خلال الربع الرابع من عام 2025، مع الحفاظ على أوضاع نقدية تستهدف استدامة المسار النزولي للتضخم.وقد انعكس التخفيض التراكمي لأسعار العائد الأساسية بمقدار 725 نقطة أساس خلال عام 2025 على أوضاع سوق النقد والجهاز المصرفي بشكل إيجابي.
وفي هذا الصدد، يتعين تسليط الضوء على أبرز المؤشرات التي تعكس نجاح وفاعلية قرارات السياسة النقدية ، والتي تتمثل فى ارتفاع صافي الاحتياطيات الدولية لدى البنك المركزي، والتي بلغت ٥٢,٦ مليار دولار في يناير ٢٠٢٦، مسجلة أعلى مستوى تاريخي مقارنة بـ٣٣,١ مليار دولار في أغسطس ٢٠٢٢، بما يسمح بتغطية نحو ٦,٩ أشهر من الواردات السلعية، متجاوزة بذلك المستويات الإرشادية الدولية. هذا إلى جانب ارتفاع صافي الأصول الأجنبية لدى القطاع المصرفي ليصل إلى ٢٥,٥ مليار دولار في ديسمبر ٢٠٢٥، وهو أعلى مستوى تم إحرازه منذ فبراير ٢٠٢٠، الأمر الذي يرجع إلى تحسن صافي الأصول الأجنبية لدى البنوك التجارية التي بلغت نحو١٢,٢ مليار دولار في ديسمبر ٢٠٢٥، فضلًا عن زيادة تحويلات المصريين بالخارج التي حققت المستوى الأعلى في تاريخ مصر، بالإضافة إلى ارتفاع إيرادات السياحة، وزيادة استثمارات الأجانب المباشرة وغير المباشرة في أدوات الدين الحكومية المصرية، فيما سجل صافي الأصول الأجنبية لدى البنك المركزي ١٥,١ مليار دولار في يناير ٢٠٢٦.الأمر الذي يعكس ثقة المستثمرين ويعزز من تنافسية أدوات الدين الحكومية إقليميًا ودوليًا. وأدى تطور المؤشرات الإيجابية إلى تراجع الضغوط على موارد النقد الأجنبي لتغطية المدفوعات الخارجية، الأمر الذي أدى إلى الحد من الضغوط على سعر الصرف، ومن ثم ارتفاع قيمة الجنيه المصري أمام الدولار خلال الأشهر الماضية.
الجدير للذكر أنه قد انخفض فائض السيولة خلال الربع الرابع من عام 2025إلى أدنى مستوياته منذ الربع الرابع من عام 2016، الأمر الذي أدى إلى انتعاش نشاط سوق الإنتربنك، ومن ثم ارتفاع حجم معاملات سوق الإنتربنك.هذا إلى جانب عودة منحنىالعائد في مصر اتجاهه إلى مستوياته الطبيعية خلال الربع الثاني من السنة المالية 2025-2026 ، الأمر الذي حفز اتجاه وزارة المالية إلى تمديد آجال الدين.
ووفقًا لتوقعات البنك المركزي المصري، أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي سوف ينمو بوتيرة أسرع مما كان متوقعًا ليسجل 5.1% و5,5% في المتوسط، خلال العامين الماليين 2025/ 2026 و2026/2027 على الترتيب، مدفوعًا بتوقعات استمرار دورة التيسير النقدي، حيث زيادة النمو الحقيقي للائتمان الممنوح للقطاع الخاص. وعليه، من المتوقع أن يقترب النشاط الاقتصادي من طاقته الإنتاجية القصوى بنهاية عام 2026.
وتعتبر دورات التيسير النقدي إحدى الأدوات الرئيسية التي تستخدمها البنوك المركزية لتعزيز النمو الاقتصادي، خاصة في انخفاض النشاط الاقتصادي، ويتضمن هذا النهج خفض أسعار الفائدة وزيادة المعروض النقدي، مما يهدف إلى تحفيز الإنفاق والاستثمار، وذلك من خلال تشجيع الأفراد والشركات على الاقتراض. إذ يسهم التيسير النقدي في تحسين السيولة في الأسواق، مما يحفز النشاط الاقتصادي.وفي هذا الصدد، أحرزت السياسة النقدية نجاحًا في حوكمة إدارة السيولة ودورة التيسير النقدي، وذلك في ضوء كفاءة استخدام آليات إدارة السيولة بما يتوافق مع قرارات السياسة النقدية وتخفيض أسعار الفائدة ، وتتضمن أبرز هذه الآليات الآتي:
الاحتياطي النقدي :حيث قام البنك المركزي المصري بخفض نسبة الاحتياطي النقدي من 18% إلى 16% في فبراير 2026 في إطار دورة التيسير النقدي.
التسهيلات القائمة :حيث تقوم البنوك التجارية بإيداع فائض السيولة لليلة واحدة عند الحد الأدنى للنظام، بينما تُلبى الاحتياجات قصيرة الأجل من السيولة عبر الاقتراض لليلة واحدة عند الحد الأعلى للنظام. وتسهم هذه التسهيلات في الحفاظ على متوسط سعر العائد لليلة واحدة للتعاملات داخل نظام الكوريدور بين البنوك.
عمليات ربط الودائع:تُعد الأداة التشغيلية الرئيسية للبنك المركزي المصري لامتصاص فائض السيولة. وتتمثل هذه الأداة في الوقت الحالي في العملية الرئيسية لأجل سبعة أيام، التي تُنفذ أسبوعيا، وتُستخدم كوسيلة رئيسية لإدارة أوضاع السيولة قصيرة الأجل في القطاع المصرفي.
وفي ظل استمرار البنك المركزي المصري في دورة التيسير النقدي، تقلّص الفارق بين آجال الثلاثة أشهر والاثني عشر شهرًا من 141 نقطة أساس إلى 73 نقطة أساس. إذ تميل العوائد قصيرة الأجل إلى التكيّف بوتيرة أسرع مع التغيرات في أسعار العائد الأساسية مقارنةً بالعوائد الأطول أجلًا، الأمر الذي يؤكد على زيادة ثقة السوق ووضوح الرؤية لدى المستثمرين بشأن توقعات أسعار العائد على المدى القصير. وفي ضوء تحسن ثقة المستثمرين في الاقتصاد المصري، والتوقع باستمرار البنك المركزي في سياسة التيسير النقدي واصل المستثمرون الأجانب زيادة مشاركتهم في سوق الدين المحلي المصرية، وبالأخص في الأدوات طويلة الأجل.
وعلى هدى ما تقدم من عرض موجز لأبرز قرارات السياسة النقدية وآثارها الإيجابية على القطاع المصرفي والنقدي في مصر، يتببن أن المؤشرات الإيجابية لنتائج السياسة النقدية عكست تحسنًا ملحوظًا في أداء الاقتصاد المصري، خاصة بعد أزمة نقص العملة الأجنبية وارتفاع التضخم خلال السنوات الماضية، وأن دورة التيسير النقدي تدعم زيادة معدلات النمو وتعزز جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة، فضلًا عن مواصلة الحكومة المصرية تنفيذ سياسات الاصلاحات الهيكلية للاقتصاد المصري التي تسهم في توفير فرص عمل جديدة وزيادة موارد النقد الأجنبي وفتح أسواق تصديرية جديدة، وزيادة تدفق النقد الأجنبي من مصادر تمويل متنوعة. كما أن استمرار ارتفاع الاحتياطيات النقدية الإيجابية، وتحسن صافي الأصول الأجنبية، وتعزيز التصنيف الائتماني، يعزز من صلابة هيكل الاقتصاد المصري ويضمن الاستقرار الاقتصادي والمالي.إذ تضع القيادة السياسية استهداف التضخم أولوية استراتيجية متمثلة في ضرورة الاستمرار في الحد من معدلات التضخم المستهدفة لضبط الأسواق، مع ضمان توافر السلع الأساسية واستقرار الأسعار، بما يعزز قدرة الاقتصاد المصري على الصلابة والمرونة بالتزامن مع تعزيز السياسات والآليات الداعمة للاستقرار المالي والشفافية والنمو المستدام، وزيادة الحوافز للاستفادة من الفرص الاقتصادية المتاحة، وتعزيز دور القطاع الخاص لدفع النمو الاقتصادي، بما يسهم في جذب المزيد من التدفقات الاستثمارية.