مقالات رأى

بين الركام والضمير.. كيف أعادت غزة تعريف إنسانية العالم

طباعة

لم تعد الحروب تُقاس بعدد الصواريخ ولا بخرائط السيطرة، بل بعدد القلوب التي تغيّر إيمانها بما كانت تظنه عدالة العالم. في غزة، لم تكن الكارثة مجرد حدث عسكري عابر في جغرافيا مضطربة، بل لحظة كاشفة اختبرت ضمير البشرية، وأعادت طرح سؤال قديم بصيغة أكثر إيلامًا: هل لا تزال القيم الإنسانية عالمية حقًا، أم إنها تنحني حين تتقاطع مع المصالح والقوة؟

منذ اندلاع الحرب الأخيرة، قُتل عشرات الآلاف من المدنيين، ووفق تقديرات منظمات دولية تجاوز عدد الضحايا 30 ألف قتيل، غالبيتهم من النساء والأطفال، بينما نزح أكثر من 1.7 مليون شخص داخل قطاع ضيق المساحة يفتقر إلى الموارد الأساسية. وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 60٪ من المباني السكنية تضررت أو دُمّرت، وأن النظام الصحي وصل إلى حافة الانهيار، في وقت أصبحت فيه المياه النظيفة والغذاء والدواء عناصر نادرة. هذه الأرقام، رغم قسوتها، لا تختزل المأساة؛ فهي لا تنقل ارتجاف طفل فقد أسرته، ولا صمت أمٍّ تبحث عن اسم بين قوائم الموتى.

لكن ما جعل هذه الحرب مختلفة لم يكن حجم الدمار وحده، بل انتقال المعاناة الإنسانية من هامش التغطية السياسية إلى مركز الوعي العالمي. صور المدنيين تحت القصف، والمستشفيات التي تحولت إلى ملاجئ، والأطفال الذين يكتبون أسماءهم على أذرعهم كي يُعرَفوا إن ماتوا، كل ذلك أعاد تعريف الخطاب السياسي الدولي، وحوّل الإنسان من “خسارة جانبية” إلى محور السردية.

لقد شهدت عواصم العالم واحدة من أوسع موجات الاحتجاج الشعبي منذ عقود. خرج مئات الآلاف في لندن وباريس ونيويورك ومدريد وبرلين وسيدني، مطالبين بوقف الحرب واحترام القانون الدولي الإنساني. في بعض التقديرات، تجاوز عدد المشاركين في مظاهرات لندن وحدها نصف مليون شخص في عدة مناسبات. هذا الحراك الشعبي لم يكن تعبيرًا عاطفيًا فحسب، بل مؤشرًا على تحول الرأي العام إلى فاعل سياسي ضاغط، يفرض نفسه على أجندات الحكومات وصنّاع القرار.

ولعل اللافت أن هذه التحولات جاءت في سياق إعلامي مختلف جذريًا عن الحروب السابقة. لم تعد الحكومات ووسائل الإعلام التقليدية وحدها تصوغ الرواية؛ فقد كسرت وسائل التواصل الاجتماعي احتكار السرد، وسمحت بانتقال الصور والشهادات لحظة بلحظة. ملايين المقاطع والصور التي بثها المدنيون والصحفيون المستقلون صنعت رواية موازية، وأحيانًا مضادة، لما تقدمه المنصات الرسمية. وبحسب بيانات شركات تحليل رقمية، تجاوزت الوسوم المرتبطة بالحرب مليارات المشاهدات خلال أسابيع قليلة، مما يعكس تحول الفضاء الرقمي إلى ساحة معركة سردية لا تقل أهمية عن الميدان العسكري.

هذا الانكشاف الإعلامي ساهم في تصدع السرديات التقليدية التي طالما صاغت فهم العالم للصراع. لم يعد ممكنا اختزال المأساة في معادلات أمنية أو خطاب مكافحة الإرهاب، إذ فرضت صور الضحايا المدنيين واقعًا أخلاقيًا يصعب تجاهله. وهنا برزت أزمة القيم الغربية التي طالما رُفعت بوصفها معيارًا عالميًا لحقوق الإنسان. فالدول التي تتصدر الدفاع عن هذه القيم وجدت نفسها في مواجهة انتقادات داخلية وخارجية بسبب ازدواجية المعايير، مما أعاد فتح نقاش واسع حول عالمية حقوق الإنسان وحدود تطبيقها حين تتعارض مع المصالح الاستراتيجية.

في المقابل، كشفت الحرب عن تحولات أعمق في بنية النظام الدولي. فالتصويتات المتباينة داخل المؤسسات الدولية، والتباين في المواقف بين الشمال والجنوب العالمي، عكست اتساع فجوة الثقة في النظام العالمي القائم. دول الجنوب، التي خبرت تاريخ الاستعمار والحروب بالوكالة، رأت في المشهد امتدادًا لاختلالات تاريخية، بينما وجدت قوى دولية صاعدة فرصة لإعادة تقديم نفسها كبديل أخلاقي أو سياسي في عالم متعدد الأقطاب.

غير أن التحول الأهم ربما لم يكن في قاعات السياسة، بل في الوعي الجمعي العالمي. لقد أعادت غزة القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الدولي بعد سنوات من التراجع، وغيّرت لغة النقاش في الجامعات ووسائل الإعلام ومنصات النقاش العام. جيل جديد، لم يعش الانتفاضات السابقة ولا مفاوضات السلام المتعثرة، وجد نفسه أمام مأساة إنسانية مباشرة، فتشكّلت مواقفه خارج الأطر الأيديولوجية التقليدية.

إن ما نشهده اليوم هو انتقال تدريجي من عالم تُدار فيه السياسة بمعزل عن الأخلاق، إلى عالم يصبح فيه الرأي العام، مدفوعًا بالصور والقصص الإنسانية، عنصرًا مؤثرًا في القرار السياسي. صحيح أن المصالح لا تزال تحكم السياسات الكبرى، لكن كلفة تجاهل الضمير العالمي أصبحت أعلى من أي وقت مضى.

وفي قلب هذا التحول، يقف الإنسان الفلسطيني شاهدًا على مفارقة قاسية: معاناة هائلة، لكنها أعادت للإنسانية قدرتها على التساؤل. لقد ذكّرت غزة العالم بأن الضحية ليست رقمًا في تقرير، بل حياة كاملة انطفأت؛ وأن العدالة ليست شعارًا سياسيًا، بل اختبارًا أخلاقيًا دائمًا.

ربما لن تنهي هذه الحرب الصراعات، ولن تُسقط ميزان القوى القائم، لكنها كسرت صمتًا طويلًا، وأعادت طرح أسئلة لم يعد ممكنًا تأجيلها: من يملك حق تعريف العدالة؟ وهل يمكن للنظام الدولي أن يستعيد شرعيته الأخلاقية؟ وأي عالم نريد أن نورثه لأطفال يكتبون أسماءهم على أذرعهم خوفًا من أن يضيعوا بلا هوية تحت الركام؟

بين الركام والضمير، تقف الإنسانية اليوم أمام مرآتها. وما تعكسه هذه المرآة ليس وجه غزة وحدها، بل وجه عالم بأكمله يعيد اكتشاف معنى أن يكون إنسانيًا.

 

طباعة

    تعريف الكاتب

    أمانى القصاص

    أمانى القصاص

    مساعد رئيس تحرير الأهرام