تحليلات

"نظرية الأمننة" ومؤتمر ميونيخ للأمن 2026.. التحول من الأمن التعاوني إلى "المرونة التنافسية"

طباعة

جاء مؤتمر ميونيخ للأمن (MSC) لعام 2026 في لحظة محورية من تاريخ السياسة الدولية. فالمؤتمر الذي يُعقد سنويا في ميونيخ، ظل لفترة طويلة بمثابة المنتدى الأبرز الذي يصيغ فيه القادة العالميون الرؤى الاستراتيجية، ويشخصون التهديدات، ويتفاوضون حول الأسس المعيارية للأمن الدولي. ومع ذلك برز اجتماع عام 2026، ليس فقط بسبب خطورة الأزمات الجيوسياسية التي نوقشت، بل بسبب الكثافة التي استخدمها الفاعلون السياسيون في تأطير هذه الأزمات بمصطلحات وجودية، فبدلا من تقديم التحديات الأمنية كقضايا سياساتية يمكن إدارتها، استدعى المتحدثون مرارا لغة "البقاء" و"التمزق" و"الانهيار النظامي".

ونجادل من خلال هذا التحليل بأن أفضل طريقة لفهم نتائج مؤتمر ميونيخ للأمن 2026، هي من خلال المدخل التحليلي لـ "نظرية الأمننة" (SecuritizationTheory)، كما طورتها "مدرسة كوبنهاجن"، وتحديدا من قبل "Barry Buzan"، و"Ole Wæver"، و"Jaap de Wilde". تفترض نظرية الأمننة أن الأمن ليس حالة موضوعية، بل هو وضع يُبنى اجتماعيا ويتحقق عندما ينجح الفاعلون السياسيون في تأطير قضية ما كتهديد وجودي لـ "موضوع مرجعي" (Referentobject) ذي قيمة، مما يشرعن اتخاذ إجراءات استثنائية تتجاوز الإجراءات السياسية العادية. ويكشف تطبيق هذا الإطار أن مؤتمر ميونيخ 2026 لم يكن مجرد تجمع دبلوماسي، بل كان حلبة خطابية قام فيها النخب السياسية ببناء وتضخيم تصورات "التهديد الوجودي" بنشاط، مما أعاد تشكيل مسارات السياسة في أوروبا وأمريكا الشمالية وخارجهما.

إن محددات نبرة المؤتمر ونتائجه -من تشرذم جيوسياسي، وعدم يقين عابر للأطلنطي، وحرب مطولة في أوكرانيا، وتنافس اقتصادي استراتيجي- لم تكن مجرد موضوعات للنقاش، بل جرت "أمننتها". وبناء على ذلك تتجاوز تداعيات المؤتمر التنسيق الفوري للسياسات لتصل إلى تحولات أعمق في هيكلية التحالفات، والإنفاق الدفاعي، والاستقلال الاستراتيجي، وتصورات النظام العالمي.

أولا- المحددات الهيكلية.. روايات الأزمة وشروط "الأمننة":

- "سياسات كرة الهدم" وبناء التهديد النظامي:

وصف تقرير ميونيخ للأمن لعام 2026 العصر المعاصر بأنه عصر "سياسات كرة الهدم" (Wrecking-ball politics)، في إشارة إلى أن الركائز الراسخة للنظام الدولي الذي تأسس بعد عام 1945 تتعرض للتفكيك القسري بدلا من الإصلاح التدريجي. لم يكن هذا التوصيف محايدا من الناحية التحليلية، فمن منظور "الأمننة"، يشكل هذا المصطلح "خطوة أمننة" (Securitizing move) كلاسيكية: فهو يحول الخلافات السياسية إلى تهديدات وجودية للنظام الدولي نفسه.

ومن خلال تأطير التحولات في القيادة العالمية، والفتور تجاه التعددية، والطعن في المؤسسات الدولية على أنها "دمار نظامي"، رفع منظمو المؤتمر مسألة "التحول الهيكلي" إلى مرتبة الطوارئ الأمنية. وكان "الموضوع المرجعي" في هذا الخطاب هو "النظام الدولي الليبرالي" -بما يضمه من مؤسسات ومعايير وأطر تحالفات. وبمجرد تصوير هذا النظام ككيان مهدد بالخطر، يصبح الحفاظ عليه مسألة تتطلب استجابات سياسية عاجلة واستثنائية.

تساعدنا "نظرية الأمننة" في تسليط الضوء على هذا التصعيد الخطابي، فبدلا من مناقشة الإصلاح المؤسسي عبر القنوات الدبلوماسية الروتينية، استدعت النخب السياسية احتمالية "الانهيار". تدفع هذه الخطوة الجمهور المستهدف -سواء كانوا دولا، أو شعوبا، أو مجتمعات صنع القرار- نحو قبول ميزانيات الدفاع المرتفعة، وإعادة الاصطفاف الاستراتيجي، وأدوات السياسة ذات الطابع الاضطراري، باعتبارها إجراءات شرعية وضرورية.

- الحرب في أوكرانيا والتأطير الوجودي:

ظلت الحرب المستمرة في أوكرانيا محورا رئيسيا في مؤتمر عام 2026، حيث صورت القيادة الأوكرانية النزاع ليس مجرد عدوان إقليمي، بل كتهديد وجودي للدولة والديمقراطية وهيكل الأمن الأوروبي. وفي سياق "الأمننة" (Securitization)، تعددت "المواضيع المرجعية" (Referent objects) المهددة: السيادة الأوكرانية، والاستقرار الأوروبي، وحتى مصداقية القانون الدولي.

وسعى المسئولون الأوكرانيون إلى تعزيز الطابع الوجودي لهذا التهديد عبر التأكيد على الضمانات الأمنية طويلة المدى والالتزامات العسكرية المستدامة. وبذلك تم حث الجمهور المستهدف -الحكومات والشعوب الغربية- على تفسير المساعدات المستمرة ليس كدعم اختياري في إطار السياسة الخارجية، بل كفعل ضروري من أفعال الحفاظ الجماعي على الذات.

وهكذا عمل مؤتمر ميونيخ للأمن كمنصة لتعزيز "أمننة" النزاع، فكلما طال أمد الصراع، زاد خطر "التطبيع" و"نزع الصفة الأمنية". (De-securitization) ومع ذلك قاوم المتحدثون في ميونيخ هذا التوجه بشكل كبير عبر تكرار التأكيد على التداعيات النظامية (Systemic implications) للحرب. ومن خلال مدخل "نظرية الأمننة"، ومن ثم نرى أن المؤتمر ساعد في الحفاظ على مستوى عال من إدراك التهديد، مما يبرر اتخاذ إجراءات استثنائية مطولة، بما في ذلك توسيع المساعدات العسكرية والتحولات الدفاعية الهيكلية داخل أوروبا.

ثانيا- التوترات عبر الأطلنطي كأزمة تحالف "مؤمننة".. الاستقلال الاستراتيجي وأمننة التبعية:

كان تصاعد الخطاب الأوروبي حول الاستقلال الاستراتيجي أحد الملامح المحددة لمؤتمر ميونيخ للأمن 2026. فقد أعرب القادة الأوروبيون عن قلقهم بشأن مدى إمكانية التنبؤ بالالتزامات العابرة للأطلنطي وموثوقيتها، مما يعكس مخاوف أعمق بشأن تماسك التحالف.

وبمصطلحات "الأمننة"، جرى بناء مفهوم "التبعية" في حد ذاته كتهديد محتمل. وهنا تحول "الموضوع المرجعي" من قوة التحالف الجماعي إلى السيادة الاستراتيجية الأوروبية. ومن خلال تصوير الاعتماد المفرط على الضمانات الخارجية كـ "نقطة ضعف"، شرعت النخب السياسية في إضفاء الشرعية على تسريع التكامل الدفاعي، وتوسيع إنتاج الأسلحة المحلي، وزيادة الإنفاق العسكري.

توضح هذه الخطوة البلاغية ديناميكية أساسية في نظرية الأمننة: وهي أن التهديدات لا تنبع بالضرورة من العداء الصريح، بل يمكن أيضا أمننة الهشاشة الهيكلية. فقد تم تأطير احتمال تراجع موثوقية التحالف كخطر وجودي على الاستقلال الأمني الأوروبي، مما سمح بتمرير إجراءات سياسية استثنائية كانت تعتبر في السابق مثيرة للجدل سياسيا.

- الولايات المتحدة والروايات الأمنية المتنافسة:

طرح ممثلو الولايات المتحدة في المؤتمر رؤية لقوة غربية متجددة ترتكز على القومية الاقتصادية والتنافس الاستراتيجي. ورغم التأكيد على تضامن التحالف، عكس الخطاب الأمريكي أيضا أولويات سياسية محلية تباينت أحيانا مع التوقعات الأوروبية.

أنتج هذا التباين توترا خطابيا: فبينما قام الفاعلون الأوروبيون بـ "أمننة" التبعية، قام الفاعلون الأمريكيون بـ "أمننة" التراجع الاقتصادي والهشاشة الصناعية. لقد حدد كل طرف "مواضيع مرجعية" مختلفة - السيادة الأوروبية من جهة والسيادة الاقتصادية الأمريكية من جهة أخرى.

وتؤكد نظرية الأمننة هنا أن الخطاب الأمني يعتمد بالأساس على الجمهور المستهدف، حيث يصيغ القادة السياسيون التأطير الوجودي بما يضمن صدى داخليا مع السعي في الوقت نفسه نحو توافق دولي. وفي مؤتمر ميونيخ 2026، خلقت عمليات "الأمننة" المتداخلة وغير المتطابقة مساحة تفاوض معقدة، أصبح فيها تماسك التحالف ذاته موضوعا للقلق الأمني.

ثالثا- توسيع الأجندة الأمنية.. أمننة الاقتصاد والتكنولوجيا:

تمثلت إحدى السمات البارزة للمؤتمر في توسيع مفهوم "الأمن" ليتجاوز المجالات العسكرية التقليدية، حيث تم تأطير مرونة سلاسل التوريد، والاستقلال في مجال الطاقة، والبنية التحتية التكنولوجية، وحوكمة الذكاء الاصطناعي كقضايا تتعلق بـ "البقاء الاستراتيجي" وليس مجرد سياسات اقتصادية.

يتماشى هذا التوسع بشكل مباشر مع أطروحة "مدرسة كوبنهاجن" التي ترى أن "الأمننة" يمكن أن تحدث عبر قطاعات متعددة: العسكرية، والسياسية، والاقتصادية، والمجتمعية، والبيئية. وفي مؤتمر ميونيخ 2026، جرى بناء مفهومي الترابط الاقتصادي والتبعية التكنولوجية كـ "نقاط ضعف" يمكن للمنافسين الجيوسياسيين استغلالها.

ومن خلال "أمننة" المجالات الاقتصادية والتكنولوجية، وسع الفاعلون السياسيون نطاق الإجراءات الاستثنائية، فأصبحت السياسة الصناعية -التي كانت تناقش سابقا كتخطيط اقتصادي روتيني- متشابكة مع الدفاع الوطني. واكتسبت ضوابط التصدير، وفحص الاستثمارات، والدعم الاستراتيجي شرعية جديدة تحت منطق "التنافس الوجودي".

تعكس هذه العملية ما تسميه نظرية الأمننة بـ "التمدد الأمني" (Securityspillover): فبمجرد تأطير قضية ما بنجاح كقضية وجودية، يتم امتصاص المجالات المجاورة لها في الحيز الأمني. والنتيجة هي أجندة أمنية متضخمة تعيد تشكيل أولويات الحوكمة.

رابعا- التداعيات.. السياسة، والمعايير، ومستقبل الحوكمة الأمنية:

- إعادة التشكيل السياسي الداخلي ومأسسة "منطق الطوارئ":

تكمن إحدى أهم التداعيات السياسية لمؤتمر ميونيخ للأمن 2026 في "المأسسة" المحلية للخطاب المُؤمنن. فوفقا لنظرية الأمننة بمجرد بناء قضية ما بنجاح كتهديد وجودي وقبولها من قبل الجماهير المعنية، فإنها تنتقل من حيز "السياسة العادية" إلى حيز "سياسات الطوارئ". وما كان لافتا بشكل خاص في مؤتمر 2026، هو توسيع نطاق منطق الطوارئ هذا إلى ما وراء السياقات التقليدية لزمن الحرب.

لقد صور القادة السياسيون التشرذم الجيوسياسي، والتبعية التكنولوجية، وعدم اليقين في التحالفات كأخطار هيكلية تتطلب تحولات سياساتية سريعة واستثنائية. ولا تقتصر هذه التداعيات على الجانب البلاغي فحسب، فعندما تستوعب الهيئات التشريعية بناء هذه التهديدات، تصبح أكثر استعدادا للمصادقة على ميزانيات دفاعية موسعة، وتخفيف القيود المالية، وتسريع إجراءات المشتريات، ودعم التخطيط العسكري الصناعي طويل الأمد.

بهذا المعنى ساهم مؤتمر ميونيخ 2026 في تطبيع مفهوم "الجاهزية الدائمة". إن أمننة التنافس الجيوسياسي تخاطر بتحويل "حوكمة الطوارئ" إلى حالة شبه دائمة، حيث قد يعمل التخطيط الدفاعي، والاستراتيجية الصناعية، والتنظيم التكنولوجي بشكل متزايد تحت فرضيات المواجهة النظامية المستمرة. وهذا التحول يعيد تشكيل العلاقة بين السلطة التنفيذية والرقابة البرلمانية، مع ترسيخ الإجراءات الاستثنائية ضمن أطر الحوكمة العادية.

- التحول المعياري طويل المدى:

من الناحية المعيارية أشار المؤتمر إلى تحول عميق في لغة النظام العالمي، فبينما ركزت العقود الماضية على التعاون متعدد الأطراف، والاعتماد المتبادل، والأمن المشترك، سلط مؤتمر ميونيخ 2026 الضوء مرارا وتكرارا على مفاهيم "المرونة" (Resilience)، والاستقلالية، والردع، والتنافس النظامي.

ومن خلال عدسة نظرية الأمننة، يعكس هذا التحول إعادة تعريف لـ "الموضوع المرجعي"، فبدلا من النظر إلى استقرار النظام الدولي القائم على القواعد كمنفعة عالمية مشتركة، ركز الفاعلون السياسيون بشكل متزايد على السيادة الوطنية، والاستقلال الإقليمي، و"المرونة الحضارية". وحتى عند الدفاع عن المؤسسات متعددة الأطراف، صورها المتحدثون كأصول استراتيجية في إطار تنافسي وليس كمنصات محايدة لحل المشكلات بشكل تعاوني.

لهذا التوجه المعياري الجديد تداعيات طويلة المدى، فإذا حلت "المرونة" محل "التعاون" كمبدأ ناظم أساسي، فقد تصبح آليات الحوكمة العالمية أكثر تشرذما. قد تستمر المؤسسات في البقاء، لكن جوهرها سيتغير من الشمولية نحو "الاصطفاف الاستراتيجي". إن لغة التنافس النظامي، بمجرد أمننتها، تميل إلى إعادة إنتاج نفسها، فهي تضيق المساحة الدبلوماسية وتزرع الشك في التفاعلات المؤسسية.

- مستقبل حوكمة التحالفات.. "التضامن المشروط":

يتعلق أحد التداعيات الجوهرية الأخرى بحوكمة التحالفات، ففي مؤتمر ميونيخ 2026، جرت "أمننة" تماسك التحالف في حد ذاته. فبينما شدد القادة الأوروبيون على الهشاشة الناجمة عن الاعتماد المفرط، أكد ممثلو الولايات المتحدة على ضرورة تقاسم الأعباء وإعادة الاصطفاف الاستراتيجي.

تولد هذه "الأمننة المزدوجة" ما يمكن تسميته بـ "التضامن المشروط"، حيث تستمر التحالفات، لكن الثقة تصبح أكثر "نفعية" (Transactional) وقائمة على الأداء. يتم تأكيد الالتزامات، ولكنها تكون مصحوبة بتوقعات صريحة فيما يتعلق بالمساهمات الدفاعية، والقدرة الصناعية، والتوافق التكنولوجي.

ومن منظور نظرية الأمننة، يوضح هذا التطور كيف يمكن للتحالفات أن تتحول من مجتمعات قائمة على الهوية إلى "آليات تأمين استراتيجي". هنا، ينتقل "الموضوع المرجعي" من القيم المشتركة إلى الموثوقية الاستراتيجية. وإذا استمر تأطير "عدم اليقين في التحالف" كخطر وجودي، فقد تتجه الدول الأعضاء بشكل متزايد لتنويع ترتيباتها الأمنية -عبر تعزيز التعاون الدفاعي الإقليمي داخل أوروبا مع الإبقاء على العلاقات العابرة للأطلنطي كركيزة واحدة من بين ركائز عدة.

إن مثل هذا التعدد لا يشير بالضرورة إلى انهيار التحالف، بل يوحي بتحول في منطق التحالف من "الديمومة المفترضة" إلى "حالة الطوارئ المدارة بنشاط".

- "التمدد الأمني" وتوسيع مجالات الحوكمة:

عزز مؤتمر ميونيخ 2026 توسع الحوكمة الأمنية لتشمل المجالات الاقتصادية، والتكنولوجية، والصناعية. ووفقا لنظرية الأمننة، بمجرد نجاح الأمننة في قطاع واحد، غالبا ما تتبع ذلك تأثيرات تمدد أمني (Spillover). فالتحديات العسكرية تبرر التدخلات الاقتصادية، والمنافسة التكنولوجية تُؤطر كحرب استراتيجية، وسلاسل التوريد تتحول إلى بنية تحتية للأمن القومي.

والنتيجة المترتبة على ذلك هي ضبابية الحدود بين السياسة الاقتصادية والسياسة الدفاعية، حيث يتم إضفاء الشرعية على فحص الاستثمارات، وضوابط التصدير، والدعم الصناعي، ليس بناء على أسس تنموية، بل بناء على "منطق البقاء". يضفي هذا التقارب طابعا مؤسسيا على نموذج حوكمة هجين جديد " فن إدارة الدولة جيو-اقتصاديا" (Geoeconomic statecraft)  تحت مبررات أمنية.

ومع مرور الوقت، قد ينتج عن هذا التكامل هياكل بيروقراطية جديدة، مثل هيئات التنسيق المشتركة بين الوزارات، ومجالس الصناعات الدفاعية، ووكالات التخطيط الاقتصادي ذات التوجه الأمني. إن خطاب ميونيخ، عبر تعزيزه للتأطير الوجودي، يسرع من وتيرة هذا التكامل الهيكلي.

خامسا- التوقعات والمسارات الاستراتيجية ما بعد المؤتمر:

بناء على الروايات المُؤمننة التي صيغت في مؤتمر ميونيخ 2026، يمكن توقع عدة مسارات محتملة لمرحلة ما بعد المؤتمر:

- تسريع التكامل الدفاعي الأوروبي:

بالنظر إلى "أمننة" التبعية الاستراتيجية، فمن المرجح أن تعمل الدول الأوروبية على تعميق التنسيق الدفاعي الصناعي. وقد يشمل ذلك توسيع مبادرات المشتريات المشتركة، وزيادة الاستثمار في قدرات الإنتاج المحلية، وتقوية الأطر المؤسسية داخل الاتحاد الأوروبي للتعاون الأمني.

تتنبأ نظرية الأمننة أنه بمجرد قبول الجمهور لـ "الهشاشة" كخطر وجودي، تقل المقاومة تجاه التكامل. لذا قد تشهد بيئة ما بعد المؤتمر تنفيذا أسرع لآليات التمويل الدفاعي الجماعي وبرامج تعزيز العمل المشترك (Interoperability). ومن المرجح أن يتطور "الاستقلال الاستراتيجي" من طموح بلاغي إلى تسارع سياساتي ملموس.

- مأسسة الضمانات الأمنية طويلة الأمد لأوكرانيا:

يشير استمرار أمننة الحرب في أوكرانيا إلى أن الفاعلين الغربيين سيتبعون أطرا أمنية أكثر رسمية ومتعددة السنوات. فبدلا من حزم الدعم المخصصة لحالات معينة (Ad hoc)، قد تتحرك الدول نحو اتفاقيات أمنية مهيكلة، والتزامات ردع موسعة، وآليات تمويل يمكن التنبؤ بها.

يعكس هذا النوع من المأسسة تحولا من "الاستجابة للأزمات" إلى "استراتيجية الاحتواء الهيكلي". وبمصطلحات الأمننة، فإن التأطير الوجودي للنزاع يمنع "التطبيع" السريع، ويشجع بدلا من ذلك على ترسيخ الترتيبات الأمنية طويلة المدى.

- ترسيخ السياسات الأمنية الجيواقتصادية:

يُتوقع حدوث توسع إضافي في السياسات الأمنية الاقتصادية المؤطرة ضمن مبررات الدفاع الوطني، حيث من المرجح أن تزداد حدة الرقابة على التكنولوجيا، واستراتيجيات المرونة الصناعية، وتنويع الموارد الاستراتيجية.

إن أمننة التبعية التكنولوجية تضفي الشرعية على سياسات ربما كانت ستواجه معارضة في السابق بموجب معايير السوق الحرة. ونتيجة لذلك قد تشرع الدول بشكل متزايد في تقديم مبدأ "الفائض عن الحاجة" (Redundancy) على الكفاءة، ومبدأ "المرونة" على الاعتماد المتبادل الليبرالي.

- خطر التصعيد الخطابي وتراجع المرونة الدبلوماسية:

بينما يمكن للأمننة أن تحشد الوحدة، فإنها ترفع أيضا من احتمالية التصعيد. فإذا استمر تأطير التنافس النظامي كخطر وجودي، يصبح التوافق الدبلوماسي مكلفا من الناحية السياسية، إذ يخاطر القادة بالظهور بمظهر الضعف إذا دعوا إلى خفض التصعيد في بيئة "مُؤمننة".

لذلك فإن أحد التطورات المحتملة لمرحلة ما بعد ميونيخ هو تضييق الحدود البلاغية، حيث قد تزداد روايات التنافس الاستراتيجي حدة، مما يقلل من المرونة في المفاوضات مع القوى المنافسة. فكلما طال أمد التأطير الوجودي، ترسخت الرؤى العالمية الصدامية.

- احتمالية "نزع الصفة الأمنية" الانتقائية:

رغم هذه التوجهات تؤكد نظرية الأمننة أيضا على إمكانية "نزع الصفة الأمنية" (De-securitization)، وهي العملية التي يتم من خلالها إعادة القضايا إلى حيز النقاش السياسي الطبيعي. ومع مرور الوقت، قد تعود بعض المجالات المؤطرة حاليا كقضايا وجودية تدريجيا إلى الحوكمة الروتينية.

على سبيل المثال، قد يستقر تنظيم التكنولوجيا أو السياسة الصناعية في أطر عمل يمكن التنبؤ بها، مما يقلل من طابعها الاضطراري. وسيكون المحدد الرئيسي هو ما إذا كان الفاعلون السياسيون يرون فائدة مستمرة في الحفاظ على الخطاب الوجودي، أم إن حوافز الاستقرار ستشجع على الاعتدال.

بشكل عام يمثل مؤتمر ميونيخ للأمن 2026، لحظة من خطاب الأمننة المكثف عبر قطاعات متعددة من الحوكمة العالمية. وتتجاوز تداعياته التنسيق الفوري للسياسات لتصل إلى تحولات أعمق في السلطة السياسية، وهياكل التحالفات، والتوجهات المعيارية، والحوكمة الاقتصادية.

إذا استمرت تحركات الأمننة التي صيغت في ميونيخ وتعززت باستمرار، فقد تشهد السنوات المقبلة ترسيخ "المرونة التنافسية" كنموذج مهيمن للأمن الدولي، حيث سيتسارع التكامل الدفاعي، وتتوسع الأدوات الجيواقتصادية، وتصبح التزامات التحالف أكثر شرطية ولكنها حيوية استراتيجيا في الوقت ذاته.

ومع ذلك يظل المسار طويل الأمد رهنا بـ "قبول الجمهور". فالأمننة ليست عملية آلية أبدا، بل تعتمد على مدى صدى روايات التهديد لدى القواعد الشعبية والدولية. لقد أظهر مؤتمر ميونيخ 2026 توافقا كبيرا في الآراء، ولكن يبقى السؤال: هل سيستقر هذا التوافق في شكل تحول دائم في الحوكمة، أم سيفسح المجال تدريجيا لعملية "نزع الصفة الأمنية"؟ هذا ما سيحدد المرحلة المقبلة من سياسات النظام العالمي.

طباعة

    تعريف الكاتب

    د. محمد عبد العظيم الشيمي

    د. محمد عبد العظيم الشيمي

    أستاذ العلوم السياسية – جامعة حلوان