جاءت رسالة الرئيس دونالد ترامب بشأن السد الإثيوبي لإعادة إحياء أزمة دولية لم تُحسم بعد، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بالأمن المائي المصري، وذلك في توقيت استُنفدت فيه عمليًا كافة مسارات التفاوض التقليدية، وقد تضمنت الرسالة استعدادًا أمريكيًا لاستئناف دور الوساطة بين مصر وإثيوبيا للتوصل إلى حل لمسألة تقاسم مياه نهر النيل، مع التأكيد على الأهمية الحيوية للنهر بالنسبة لمصر، والتنبيه إلى أنه لا ينبغي لأي دولة أن تفرض سيطرة منفردة على موارده على نحو يُلحق ضررًا بدول الجوار.
وفي الإطار ذاته اقترح ترامب دورًا تقوده الولايات المتحدة لمراقبة مسار المفاوضات بما يضمن تدفقات مائية منتظمة خلال فترات الجفاف، مع السماح لإثيوبيا بالاستفادة من السد في توليد الطاقة الكهربائية، على أن يتم تقاسمها إقليميًا، وربطت الرسالة بين تسوية أزمة السد الإثيوبي وتحقيق الاستقرار الإقليمي في كل من إفريقيا والشرق الأوسط، باعتبارها أولوية سياسية.
ويمكن إجمال الرسالة في ثلاثة محاور رئيسية:
- الاستعداد لإعادة إطلاق الوساطة الأمريكية بين جمهورية مصر العربية وإثيوبيا للتوصل إلى حل نهائي لمسألة تقاسم مياه نهر النيل.
- التحذير من انزلاق النزاع إلى مواجهة عسكرية
- التأكيد على عدم مشروعية السيطرة المنفردة على موارد النيل بما يُلحق ضررًا بدول الحوض.
ومع ذلك خلت الرسالة من أي التزام أمريكي قانوني أو سياسي ملزم تجاه الملف، كما تجاوزت الإشكاليات القانونية الجوهرية المرتبطة باتفاقية عنتيبي أو بمشروعية تجاوز الاتفاقيات والمعاهدات الدولية القائمة.
ويستحضر هذا النهج الجهود الأمريكية خلال الولاية الأولى للرئيس ترامب، ولا سيما مسار التفاوض في فبراير 2020، الذي اقترب آنذاك من التوصل إلى اتفاق شامل لتسوية الأزمة ووقّعت مصر بالأحرف الأولى على مشروع الاتفاق المبدئي، بينما امتنعت إثيوبيا عن حضور الاجتماع الحاسم، مما حال دون اعتماده، وقد تزامن ذلك مع غياب الضغوط الإقليمية والدولية الكفيلة بتحويل الوساطة السياسية إلى التزام تفاوضي جاد وملزم لكافة الأطراف.
فمن منظور حقوق مصر المائية، لا يكمُن التحدي الجوهري في اتفاقية عنتيبي أو في غيرها من المحاولات الرامية إلى إعادة تشكيل الإطار القانوني لحوض النيل خارج قواعد الإجماع عبر المعاهدات الدولية والاتفاقيات، بل فيما يتمثل في القبول الضمني بالتعامل مع السد الإثيوبي بوصفه أمرًا واقعًا، لا خطرًا قانونيًا عابرًا للحدود يستوجب تطبيق قواعد الوقاية والمنع.
فلا يمكن التعاطي مع حقوق مصر المائية في سياق السد الإثيوبي باعتبارها مجرد حقوق مكتسبة تاريخيًا أو حصصًا كمية يحكمها منطق الاتفاقيات فقط، بل يجب النظر إليها بوصفها عنصرًا أساسيا في معادلة الاستقرار الإقليمي فإثيوبيا ترغب في أن تُنتقص حقوق مصر عبر خرق مباشر لقواعد القانون الدولي للأنهار، بتفريغها من مضمونها الإلزامي، وإعادة إدراجها ضمن ترتيبات إدارة المخاطر، حيث يُطلب من دول المصب التكيّف مع الأضرار بدلًا من منعها.
فاستمرار النهج الإثيوبي للهيمنة المائية المثيرة للقلاقل مع جيرانها والمهدد لاستقرار الإقليم، فدولة إثيوبيا دائما ما تستخدم المفاوضات كغطاء لتكريس الأمر الواقع، وهو ما ترفضه الدولة المصرية جملة وتفصيلا فلا يمكن لأي دولة نهرية أن تتصرف بنحو فردي في استغلال النهر الدولي بصورة تؤدي إلي أحداث أضرار بالغة بمصالح دول أخرى أو تعرض هذه المصالح للخطر ومن حق الدول المضرورة أن تعترض.
فلم يعد النزاع حول السد الإثيوبي قابلا للاختزال في خلاف حول حصص مائية لدول المصب أو تفسيرات متباينة لمبدأ الاستخدام المنصف، بل هو تهديد وجودي تعدى مرحلة اقتسام المياه وحقوق مصر المائية، وإنما أصبح يكشف عن إشكالية تتعلق بإعادة توصيف المنشآت المائية الكبرى ذات الآثار الممتدة باعتبارها تهديدا ومخاطر عابرة للحدود تتسبب في ضرر جسيم عابر للحدود بسبب نتائجها المادية، فقد يصدر عن الدولة فعل يمثل خطورة استثنائية تترتب علية أضرار بدولة أخرى ولو كان الفعل في ذاته مشروعا فتقوم مسئولية الدولة وفقا لنظرية المخاطر، وهو ما ينطبق علي السد الإثيوبي وما يسببه من مخاطر عابرة للحدود لدولتي المصب.
والجدير بالذكر أن ملف السد الإثيوبي يشكل نزاعا دوليا حول حقوق مصر المائية وهو مرتبة أعلى من الموقف الدولي الذي تتشابك فيه مصالح عدة دول.
وفي هذا الإطار تتعرض حقوق مصر المائية لعملية انتقاص من خلال تجاوزها تعاقديًا بأطر إقليمية منها اتفاقية عنتيبي التي لا تُنشئ التزامات قانونية ملزمة لدول المنبع، بل تشكل مسارا لإفراغ حقوق دولتي المصب، وأيضا من خلال إخراج السد من قواعد المسئولية الدولية عن الأنشطة الخطرة، والإبقاء عليه ضمن خطاب المشروعات التنموية، رغم ما ينطوي عليه من احتمالات ضرر جسيم يمسّ الأمن المائي والبيئي لدول المصب.
فقد استقر القانون الدولي على مبادئ الحقوق المكتسبة، وحظر الاستخدام الضار، والإخطار والتشاور والتفاوض، وهو ما يجعل اتفاقية عنتيبي في ضوء تجاهلها لهذه المبادئ، محل تعارض مع الاتفاقيات المنظمة لمياه النيل القائمة والمنتجة لآثارها طبقا لقواعد التوارث الدولي للمعاهدات.
فمنذ بدء إنشاء السد الإثيوبي 2011 حتى الآن 2026، نرى أن كل المفاوضات تتسم بالجمود السياسي بسبب تعنت الجانب الإثيوبي لغياب الإطار القانوني الجامع الذي يحظى بقبول الجميع، مما يفتح مجالا للصراع المائي الدولي بين دول حوض النيل. حيث دافعت مصر كدولة مصب عن الوضع القائم كحق مكتسب من اتفاقيات ومعاهدات دولية مبرمة سابقا، بينما ترى دول المنبع وفي صدارتها إثيوبيا ضرورة وضع إطار قانوني جديد لتخصيص المياه وإعادة التفاوض على الاتفاقيات القائمة بالفعل والتوصل لاتفاقيات جديدة.
وهو ما نراه مخالفا لقواعد القانون الدولي ومخالفا للمبدأ القانوني الدولي في حجية الأمر المقضي به والتوارث الدولي للمعاهدات، حيث تم التصديق عليها سابقا ودخلت حيز التنفيذ واكتسبت شرعية دولية.
ويقتضي أي تفاوض محتمل تحت رعاية أمريكية التعاطي الجاد مع عدد من الإشكاليات القانونية الجوهرية التي تحكم السلوك الإثيوبي إزاء نهر النيل، منها:
-تبني إثيوبيا صراحةً أو ضمنًا لنظرية السيادة المطلقة على الموارد المائية، وكأن النيل نهر داخلي خاضع لإرادتها المنفردة لا مجرى مائيًا دوليًا تحكمه قواعد القانون الدولي، ويُعد هذا التصور مخالفًا بصورة صريحة للتطور المستقر في القانون الدولي للأنهار، إذ لم تأخذ أي من الاتفاقيات أو المعاهدات الدولية المنظمة للأنهار المشتركة بنظرية السيادة المطلقة، وإنما استقر العمل الدولي على مبادئ الانتفاع المشترك، والتوزيع العادل والمنصف، وحماية الحقوق التاريخية المكتسبة، والالتزام بالتشاور والإخطار المسبق قبل الشروع في أي مشروعات من شأنها التأثير في الدول المشاطئة، فضلًا عن حظر التصرفات الأحادية وتبادل المعلومات وعدم إحداث ضرر جسيم بالغير.
- رغبة إثيوبيا في التنمية ببناء السد وتشغيله يخالف مبدأ الاستعمال البريء الذي يقضي بعدم استعمال الأنهار الدولية بطريقة تحدث ضررا بالدول الأخرى، فكل دولة مسئولة نحو المجتمع الدولي ونحو الدول الأخرى ومواطنيها عن المخاطر والخسائر الناتجة عن أفعال استثنائية تكون داخل إقليم الدولة أو تحت إشرافها.
- كذلك كل ما تقوم به إثيوبيا بتصرف صادر عن إرادتها المنفردة والرغبة لفرض الأمر الواقع على دولتي المصب في تحدٍ سافر للإرادة الجماعية للمجتمع الدولي، فالنهج الإثيوبي والتصرفات الأحادية المستمرة تؤكد مخالفة قواعد القانون الدولي، فلابد ألا يخالف مضمون التصرف قواعد النظام العام الدولي.
وتعد أيضا أهداف الدولة الإثيوبية السياسية الحقيقية والتي ترمي إلى أسر نهر النيل والتحكم فيه وتحويله من نهر عابر للحدود جالب للحياة إلى أداة للهيمنة المائية لممارسة النفوذ السياسي وبسط السيطرة، وهو ما يهدد بتقويض السلم والأمن في المنطقة، فالسيطرة أحادية الجانب على مورد مياه مشترك من قبل دولة ما، يعد تغولا على حصة دولة أخرى وانتهاكا لمبدأ الاستخدام المنصف والمعقول للموارد المشتركة.
فكون إثيوبيا دولة منبع ليس من شأنه منحها حرية التصرف بالإرادة المنفردة على نهر النيل فهو نهر دولي يشارك فيه عدة دول، فغياب الإطار القانوني الجامع الذي يحظى بقبول الجميع يفتح مجالا للصراع المائي الدولي بين دول حوض النيل.
فمن قواعد القانون الدولي لاستخدام المجاري المائية الدولية هي قواعد هلسنكي() 1966، وقد كان لتلك القواعد أھمیة بالغة في تطور القانون الدولي للمياه، وذلك لما تضمنته من مبادئ صارت محل قبول العديد من الدول المتعاونة في مجال الموارد المائیة المشتركة، حيث كرّست مفهوم النصيب العادل والمنصف استنادًا إلى اعتبارات موضوعية، من بينها عدد السكان واحتياجاتهم المائية ومتطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فضلًا عن حماية الحقوق التاريخية المتمثلة في حجم الاستخدام السابق للمياه قبل نشوء النزاع.
ختامًا فإن السيطرة الأحادية على مورد مائي مشترك من قبل دولة إثيوبيا تُعد مساسًا بحقوق دول المصب، وانتهاكًا صريحًا لمبدأ الاستخدام المنصف والمعقول للموارد المشتركة، بما يفضي إلى تقويض الأسس القانونية الحاكمة للمجاري المائية الدولية.
كما أن غياب إطار قانوني جامع يحظى بقبول كافة دول حوض النيل يفتح المجال أمام تصاعد الصراع المائي الدولي، ويحوّل الخلاف من نزاع قانوني قابل للتسوية إلى تهديد مباشر للاستقرار الإقليمي، وعلى الرغم من حالة الجمود الراهنة التي تحيط بملف السد الإثيوبي، تظل هذه القضية في صدارة أولويات الأمن القومي المصري بما يفرض ضرورة الانتقال من إدارة الأزمة سياسيًا إلى معالجتها قانونيًا، على نحو يضمن عدم المساس بالأمن المائي لمصر ويحفظ حقوقها المشروعة وفق قواعد القانون الدولي.