استشراف مستقبل الصراع الأمريكى-الإيرانى، يظل بعيدا عن التوقعات والمؤشرات، تحديدا حدود التفاوض واحتمالات تجدد الصراعات يصعب حسمها والجزم بها إلا فى أضيق الأطر، وبينما اشتعلت حرب التصريحات ما بين طهران وواشنطن، اتجهت أنظار المراقبين ناحية مخرجات اللقاءات المتواترة والتى جمعت مبعوثى الجانبين فى مسقط، حيث جاء معظمها كاشفا لغياب الأرضية المشتركة والمفترض أن ينطلق منها التفاوض ومن ثم يمكن البناء عليها، وبالرغم من أن التصريحات المتضاربة أيضا أبرزت تناقضات حادة فى المواقف والتوجهات المرتقبة، إلا أن معظمها جاء محسوبا وفى أطر من الدراسة والتعاطى القوى، ومن ثم تبقي مجموعة المحددات العريضة والنقاط المفصلية يقف عندها الصراع عند نقطة اتزان ما بين الدبلوماسية والحرب، وإن تعمدت دولة الاحتلال الدفع إلى حالة الحرب.
حيثيات الدراسة وحدود المراجعة:
لا تزال الأمور فى طور المراجعة وحيثيات الدراسة العميقة من قبل الطرفين سواء الأمريكى أو الإيرانى، حتى النهج الدبلوماسي محاط بالحذر والترقب، حيث يسعي الطرفان للتعاطى الدقيق مع مواقفهما على الصعيدين الداخلى والخارجى، فلم يغب عن واشنطن أو حتى طهران خطورة التداعيات حال اشتعال الموقف، أو عدم القدرة على تحقيق المستهدفات، ومن ثم يبرز الخيار العسكرى على هامش الأولويات، لتتصدر مرتبته الترتيبات الدقيقة من قبل الجانبين، بدليل تصريحات فانس نائب ترامب أن الرئيس الأمريكى هو من سيتولى وضع الخطوط الحمراء مع إيران، وبالرغم من غياب أطر الجدية عن مخرجات مفاوضات مسقط، على خلفية مجموعة من الأسباب أهمها:
- لا أجندة رسمية: لا وضوح لأية محاور جرى الاتفاق عليها، بينما يعتمد الجانب الإيرانى البرنامج النووى، انصب اهتمام الجانب الأمريكى على البرامج الصاروخية ودعم الوكلاء والسياسات الإيرانية الداخلية
- لا تمثيلا رفيعا: تمثيل المفاوضات جاء من قبل الوفود التقليدية سواء عراقجى أو يتكوف وصهر ترامب أو أحدثها لقاء لاريجانى مستشار الأمن القومى، وجميعهم شاركوا فى مفاوضات تقليدية لم تثمر عن تقدم ملحوظ، ولم يحدث أن تطرقت إلى تمثيل رفيع المستوى على مستوى الزعماء.
- غياب الأرضية المشتركة: غابت النقاط المشتركة بين الطرفين، أو محاور التفاهم والتى من الممكن أن يتم الانطلاق منها، وفى مقدمتها البرنامج النووى والذى ترفض طهران بشكل قاطع إيقافه أو التحكم فى نسب التخصيب، والتى تجاوزتها منذ الاتفاق الأول والذى جرى 2015.
- استمرار حدة التصريحات: تواصلت حدة التصريحات حتى عقب المفاوضات، خاصة تصريح عراقجى لا تصفيرا نوويا، فمنذ أيام قليلة وتحديدا عقب مفاوضات مسقط، حيث شدد عراقجى على عدم قبول بلاده ما يعرف ب «التخصيب الصفري» تحت أي ظرف، مشددا على أن أي تفاوض مشروط بالاعتراف بحق إيران في التخصيب داخل أراضيها، مع استعدادها لبحث إجراءات لبناء الثقة مقابل رفع العقوبات، أيضا تصريحات بزشكيان والقضاء الإيرانى حول التشكيك فى نية واشنطن.
مساحات وأدوات التفاوض:
المستجدات تكشف عن احتمالات تغليب مساحات التفاوض على حساب الاندفاعات العسكرية، وعلى خلفية بعض الدوافع والمسببات كالتالى:
- الهامش التراكمي لتعاملات ترامب والنظام الإيراني، ومع كل التناقضات فى المواقف والمستهدفات، ولحظات العداء المركز، يكشف قبول أمريكى بالنظام الحالى، نعم! فترامب يقبل بالتوليفة الإيرانية، التشدد على رأس السلطة، رئيس جمهورية إصلاحى، نخبة دبلوماسية كافة تصريحاتها مسئولة وغير تصعيدية، إلا فى حدود الردود المتبادلة وحرب التصريحات، بالتالى تكيف فى التعاطى معها حتى حساباته الدقيقة تمكن من إعدادها وصياغتها بناء على مواقف واتجاهات والأهم قناعات هذا النظام، وثمة مجموعة من الأسباب المنطقية أيضا أهمها العقلانية الإيرانية، فحتى وقتنا هذا لم تنفذ أيا من تهديداتها سواء التحكم فى مضيق هرمز وإغلاقه ومن ثم التداعيات الإقليمية والدولية على أسعار النفط وغيرها، حتى أذرعها لا تزال فى طور السيطرة من حيث التمويل والتوظيف العملياتى، والأهم التصريحات الواضحة فى العودة للمفاوضات وحتمية انتهاج الدبلوماسية، طبقا لأحدث تصريجات بزشكيان" إن طهران ترغب في إنجاح المفاوضات مع الولايات المتحدة، مضيفا أن إيران تسعى لتثبيت حقوقها المشروعة المنصوص عليها في معاهدة حظر الانتشار النووي ورفع العقوبات، ومع ذلك يصعب بشكل عام أية توقعات تجاه احتمالات تقديم طهران لأية تنازلات.
- العودة إلى حيز الدراسة الدقيقة والتى برزت فى سلوكيات الطرفين، تبرز إدراك الرئيس الأمريكى جيدا خطورة أى تحرك دون إحداث التغييرات الجوهرية المرتقبة فى السلوك الإيرانى تحديدا النووى والصاروخى، وربما ضربات أخرى غير محسوبة النتائج أو محسومة أيضا، قد تدفع إلى تسليط الضوء أو استعادة إخفاقات ضربات يونيو، وهنا يبرز ما يعرف بال Prestigeفى العلوم السياسية أى هيبة الدول، وهو ما كادت أن تفقده واشنطن على خلفية التصدى الإيرانى لها خلال هذه الضربات، ومع الوضع فى الاعتبار حرب الإثنى عشر يوما، والتى عُدت مقاربة مهمة، يصعب قراءة الواقع الحالى بمعزل عنها، وهى التى مكنت الرئيس الأمريكى من تحديد عدد من الاتجاهات، تحديدا فيما يخص مستقبل التعاطى مع الجمهورية الإسلامية، على خلفية مجموعة محددات، كنا قد تطرقنا إليها، أهمها مستوى الضربات والهجمات المتبادلة والتى بدت أقرب إلى ما يعرف بمخطط القلب الاتجاهى، وكما أوضحنا فى السابق أن غياب الحسم تجاه هذه النوعية من الضربات المتبادلة اعتبر فى مصلحة إيران، كونها تمكنت من الصمود أمام القوتين العسكريتين الأهم، ذلك بخلاف الضربات المزعومة والتى وجهت للبرنامج النووى، ولم تأت أية تقارير مفصلية أو حاسمة تبرز حجم الضرر، وربما خرج من البنتاجون ما يؤشر إلى عدم جدية الضربات أو مستوى الإضرار، فقط تم الجزم بقدرتها على تعطيله، وجميعها كفيلة بتعزيز طهران وموقفها شعبويا وإقليميا.
- علي الصعيد الإيرانى يواجه نظام الجمهورية الإسلامية إشكالية تتعلق بغياب المشروعية وفى ضوء تزايد الاحتجاجات وعدم القبول الشعبي بالطبيعة الثيوقراطية، مع المطالبات بضرورة تدوير السلطة، بالتالى يعاد صياغة السياسات الداخلية، تحديدا الخطاب الشعبوى والجماهيرى الذى ينتهجه خامئنى، فعقب خطاب قمعى برزت الخطابات المحسوبة والتى تستهدف الاصطفاف وما يعرف يتجييش الشعب تجاه المستهدف القومى وهنا ليس إتمام البرنامج النووى، لكن تجاه العدو الخارجى وما ينتويه تجاه الوطن، حسبما جاء فى دعوته إلى مسيرات حاشدة من أجل إعلاء الولاء للنظام، لإظهار قوة الشعب وإحباط مخططات العدو، وبالتزامن مع ذكرى الثورة الإيرانية والإطاحة بالشاه فبراير 1979، أيضا إبداء التحفظات ناحية المصطلحات المركزية والتى طالما اعتمدتها طهران فى سياساتها الخارجية، وأهم مفاهيم تصدير الثورة، مما برز فى تحركات البرلمان الإيرانى تجاه تغيير السياسات الخارجية وحتمية مراجعتها، بالتالى تسوية الأوضاع وإحداث التوافقات فيما بينها لا يستقيم والدفع بالبلاد ناحية الانفعالات العسكرية والمواجهات مع واشنطن.
منطلقات الصراع ( المواجهات العسكرية):
غير أن المظاهرات والتى اندلعت عقب إقرار الموازنة وما جاء فيها من سبل وأوجه إنفاق تخطت المواطن الإيرانى واحتياجاته، متجهة ناحية المؤسسات السيادية والأيديولوجية، ومن ثم يمكن وصفها بالمظاهرات النوعية، شكلت الثغرة الموسمية -إن جاز التعبير كونها تتجدد بتجدد الأزمات- والتى تسلل منها ترامب من جديد لانتهاك السيادة الإيرانية وداخل طهران، ومنه تواردت الاحتمالات حول إمكانية التعاطى مع إيران على غرار فنزويلا، وهنا كثرت التحليلات التقليدية واتجاهات ناحية التأطير لرغبات ترامب تجاه الإطاحة بالمرشد، وبالرغم من أن العلوم السياسية تخدم على ترامب فى هذا الاتجاه، حتى فيما حدث مع فنزويلا، وذلك انطلاقا من حقيقة علمية مفادها أن أحد أهم وأبرز محددات إصلاح النظم السياسية هو أن يتم فرض الديمقراطية من الخارج على غرار ما حدث مع العراق أيضا، لكن ولأن الولايات المتحدة لا تجيد إحكام الإصلاحات الحقيقية وتركت الدول فى حالة عارمة من الفوضى وعدم الاستقرار عقب الإطاحة بحكامها، وهى التى كان من المفترض أن تكمل هذه الإصلاحات عبر المتابعة والمعاونة وعلى كافة الأصعدة سياسيا، واقتصاديا، وحتى أمنيا وعسكريا، ولأن واشنطن لا تجيد إدارة هذه المواقف وتحكمها مصالحها بالأساس قبيل المسئولية الدولية، فإن تدخلاتها طالما اعتبرت انتهاكا واضحا لسيادة الدول ودواخلها، لكن الأصل فى الأمور وفى المقاربة الإيرانية تختلف كليةً عن فنزويلا، كون أن الإمبراطورية الفارسية مدعمة عسكريا عبر الحرس الثورى وإقليميا عبر الأذرع بخلاف أيضا ميليشيات مُعدة للتعامل مع هذه التطورات إذا ما تفاقمت ووصلت إلى الإطاحة بالجمهورية الإسلامية، ومع ذلك تبقي احتمالات تغلغل ترامب من قبل بعض الأطراف الداخلية والموظفة جيدا من قبل الأجهزة المخابراتية سواء الأمريكية أو الإسرائيلية، على غرار الاستعدادات لضربات يونيو وحينما أرسلت الطائرات المفخخة إلى داخل طهران، من أجل استهداف المواقع الصاروخية، وبحسب تقارير إسرائيلية فإن عناصر من الموساد زرعوا أسلحة دقيقة قرب بطاريات الدفاع الجوي الإيراني، تم تفعيلها بالتزامن مع بدء القصف، مما ساهم في تحييد تلك الأنظمة، مما يعد منطلقا ناحية تسهيل العمل العسكرى وتكراره مع بعض التقنيات الكفيلة بتحسين النتائج سواء عسكرية أو مخابراتية ولوجيستية.
ولعل تغير مفاهيم الحرب بالوكالة عُد ضمن المقاربات والتى من الممكن استنتاجها من الصراع بين إيران والولايات المتحدة، فبعد أن كانت واشنطن هى من تدفع الدول ناحية الاحتكاكات على أن تدعم هى عسكريا، ومخابراتيا، ولوجستيا، أصبحت إسرائيل هى من تدفع الولايات المتحدة ناحية التصعيد العسكرى، وإحداث إملاءاتها على الجانب الإيرانى عبر الوسيط الأمريكى، لكن يبدو أن ترامب قد تعلم الدرس جيدا ولن ينساق كما تمت إدارته أو الدفع بها يونيو الماضى، فطالما شكل الكيان طرفا مهما ومحددا رئيسيا فى صياغة الصراعات ما بين طهران وواشنطن، وحاليا يدفع أيضا تجاه المواجهات العسكرية، بل بالأكثر يسوق خطوطه الحمراء وشروطه البديهية والتى جاءت مدروسة بشكل حاسم كما يتضح فى التقديرات الإسرائيلية للترسانة الصاروخية الإيرانية، وحجم اليورانيوم المخصب، ومن ثم تواصل إسرائيل المراقبة لهذه الحدود والتقديرات ضمانا لعدم زيادتها، بل وصل الأمر بإخطارها واشنطن بأنها ستتحرك وحدها لمهاجمة طهران، خاصة مع توارد التقارير حول تكييف إيران لأوضاعها عبر التأمين اللازم ونقل بعض منشآتها الحيوية إلى مواقع محصنة تحت الأرض.
ختاما:
لا يزال من المبكر الجزم أو حتى توقع مستقبل الصراع بين الجانبين، وفى ضوء جملة من الحسابات الاستراتيجية والمحددات أعلاه، لكن من غير المستبعد أن تستمر عمليات المناورة السياسية بما تتضمنه من طول أمد التفاوض والاستعدادات بين الجانبين، سواء عسكريا، أو سياسيا، أو دبلوماسيا، مع استمرار العامل الإسرائيلى كطرف أصيل ومحدد دافع ناحية الخيار العسكرى.