تحليلات

قوة "السردية الوطنية" للدراما الرمضانية تجابه إعلام الإخوان

طباعة

مقومات نجاح السردية الوطنية في مقابل فشل إعلام الإخوان المتشرذم

دراما "المتحدة" تحطم تابوهات المظلومية الزائفة للتنظيم

إعلام "العقل والمنطق" يقوض عبث إعلام "أراجوزات التوك شو"

في أعقاب ثورة 30 يونيو 2013، دخلت الدولة المصرية مرحلة حرجة من إعادة التوازن السياسي والاجتماعي، مرحلة لم تعد فيها التحديات الأمنية والسياسية التقليدية كافية لوصف الصراع الذي تواجهه الدولة، بل امتدت المعركة لتصبح صراعًا على الوعي الجمعي والإدراك النفسي للمواطنين، حيث لم يكن الإعلام مجرد أداة لنقل الأخبار أو عرض الآراء، بل سلاحًا نفسيًا واستراتيجيًا بامتياز، يستهدف تشكيل تصورات الناس عن الدولة والمجتمع والشرعية الوطنية. في هذا السياق، شهدت مصر ظهورًا مكثفًا لإعلام التنظيمات المتطرفة، وعلى رأسها تنظيم الإخوان الإرهابي، الذي لم يختف أعضاؤه بعد انهيار مشروعهم السياسي وفقدانهم الشرعية الجماهيرية، بل تحولوا إلى ما يمكن تسميته الإعلام الوظيفي الموجه، الذي يستخدم كل الموارد المتاحة، سواء المنصات الفضائية أو الرقمية، من أجل إنتاج خطاب دائم التأثير النفسي والمعنوي، يركز على التشكيك في الدولة، وتكريس الشعور بالمظلومية، واستغلال أي أزمة محلية أو إقليمية لإعادة إنتاج سردية الهزيمة المستمرة، بحيث تصبح كل إنجازات الدولة مشوهة أو محل شك، وكل إخفاقات الدولة أداة لتأكيد ضعفها وفساد مؤسساتها.

هذا الإعلام لا يعمل كمعارضة سياسية بالمعنى التقليدي، بل كجزء من حرب غير تقليدية على وعي المجتمع، وفق منهجية ممنهجة تربط بين الأداء الشخصي للمقدمين، لغة الخطاب، التوقيت السياسي، ووسائل الإعلام الرقمية المختلفة، بما يعكس فهمًا متقدمًا لنظريات الحرب النفسية وإدارة الإدراك. تلك، التي تكمن في الأطر النظرية التالية، نبدأبمفهوم الحرب النفسية (Psychological Warfare) الذي يؤكد أن وسائل الإعلام لا تعمل على نقل الحقائق فقط، بل على كسر الإرادة، وزرع الإحباط، وإضعاف الثقة في المؤسسات، وإنتاج شعور مستمر بالهزيمة والقلق لدى الجمهور، ما يجعل تأثيرها نفسيًا وتراكميًا أكثر من كونه مباشرًا. الإعلام المعادي يوظف هذه النظرية من خلال أدوات محددة، أبرزها التكرار القهري للرسائل السلبية، تصوير الإنجازات كخداع، تبسيط الأحداث المعقدة إلى ثنائيات أخلاقية، وخلق شعور مستمر بأن المستقبل مسدود، كل ذلك يهدف إلى استنزاف المناعة المعرفية والنفسية للمواطن، وتحويل الانقسام إلى أمر طبيعي ومعتاد، وجعل المواطن في حالة تأهب دائم للتهديد الوهمي أو المبالغ فيه.

تستكمل هذه الأبعاد من خلال نظرية إدارة الإدراك (Perception Management)، التي تشرح كيف يمكن توجيه تفسير الأحداث والوقائع بطريقة تجعل الجمهور يرى الواقع وفق منظور محدد، بغض النظر عن الحقائق الموضوعية. فالإعلام المعادي لا ينقل الواقع مجردًا، بل يعيد تشكيله، يعزل الأحداث عن سياقها الطبيعي، ويخلق إطارًا معرفيًا مسبقًا للمتلقي، بحيث يصبح كل حدث جديد محل تقييم وفق هذا الإطار، وليس وفق الواقع الموضوعي. هذا يعني أن الأزمة الاقتصادية أو السياسية أو الأمنية لا تُعرض كما هي، بل يتم وضعها داخل سردية مسبقة تحددها المنصات الإعلامية الخارجية، وهو ما يجعل كل المحتوى الإعلامي جزءًا من استراتيجية نفسية طويلة الأمد تهدف إلى تعديل السلوك الجمعي دون مواجهة مباشرة.

كما تلعب نظرية التأطير الإعلامي (Media Framing) دورًا مركزيًا في هذا السياق، حيث يختار الإعلام المعادي ليس فقط ما يُقدّم، بل كيف يُقدّم، وما هو الإطار النفسي أو العاطفي الذي يتم وضعه فيه. هنا، يتم توظيف الإطارات المختلفة بشكل متكرر؛ إطار الدولة القمعية، إطار الشعب المظلوم، إطار الفوضى كحل وحيد، وإطار الانهيار الوشيك، وكل إطار يعيد إنتاج معنى محدد للحدث، بحيث يصبح لدى المشاهد عدسة جاهزة لرؤية الواقع بطريقة مشوهة أو متحيزة، ومتحكمة في ردود أفعاله النفسية والعاطفية قبل العقلية. هذا التأطير يضمن استمرار التأثير النفسي على المدى الطويل، حتى عند فشل جزء من الخطاب في الوصول إلى جمهور جديد، إذ أن البنية النفسية المرسخة تظل موجودة.

علاوة على ذلك، يتم دعم كل ما سبق من خلال نظريات الدعاية السياسية (Political Propaganda)، التي تؤكد أن الإعلام الحديث لا يقتصر دوره على الإقناع العقلاني، بل يمتد ليشمل التعبئة العاطفية واستقطاب الرأي العام. الإعلام المعادي يستخدم لغة الشارع والمظلومية الدينية والمبالغة في الأداء الصوتي والجسدي لمقدمي البرامج من أجل ربط المتلقي عاطفيًا بالسردية، بحيث يصبح الدفاع عن هذه السردية دفاعًا عن الذات. كل التكرارات، كل الصياغات المبالغ فيها، وكل الاستدعاءات العاطفية تعمل على خلق رابطة وجدانية بين المشاهد والمحتوى، تجعل المعلومات تُستقبل على أنها جزء من الهوية وليس مجرد حدث إعلامي.

ولا يمكن في هذا السياق تجاهل مفهوم الواقع الموازي (Parallel Reality)، الذي يسمح لهذه المنصات بصناعة عالم كامل يعيش فيه الجمهور، منفصل عن الواقع الموضوعي، حيث الدولة دائمًا على شفا الانهيار، الشعب دائمًا مظلوم، الانفجار الاجتماعي دائمًا وشيك، والهزيمة قريبة، وكلها عناصر تعمل في انسجام تام مع استراتيجيات الاستنزاف النفسي طويل الأمد. هنا يصبح الجمهور جزءًا من تجربة نفسية مستمرة، لا تتطلب وقوع أحداث حقيقية لتستمر، بل يعتمد استمرارها على التكرار، وإعادة التدوير، وصناعة الشعور الدائم بالمظلومية.

وباستخدام هذه النظريات مجتمعة، يصبح من الواضح أن الإعلام الإخواني يمثل تهديدًا مزدوجًا، فهو ليس فقط وسيلة لإيصال رسالة سياسية، بل شبكة معقدة من التأثيرات النفسية والمعرفية والاجتماعية، تعمل على استنزاف ثقة المواطن في الدولة، وإضعاف التماسك الداخلي، وزرع الانقسام والاستقطاب. وبالتالي فإن مواجهة هذا الإعلام تتطلب فهم هذه الآليات بشكل عميق، واستخدام أدوات الإعلام الوطني ليس للرد على كل خبطة إعلامية، بل لبناء مناعة معرفية للمجتمع قائمة على سردية وطنية جامعة، وتفسير الواقع بشكل عقلاني، وكشف التناقضات والارتباطات الخارجية، وتعزيز الثقة بين المواطن والدولة.

خصائص إعلام الإخوان

لا يمكن تفكيك خطاب إعلام الإخوان، ولا فهم حملاته المتكررة ضد الدراما والفن الوطنيين، دون وضعه داخل الإطار النظري السابقالذي يفسّر آليات عمله، وأهدافه، وأنماط سلوكه الاتصالي. فإعلام التتنظيم لا يعمل بمنطق الصحافة المهنية، ولا ينطلق من فلسفة الإعلام العام القائم على التعدد والتوازن، بل ينتمي في جوهره إلى ما تصفه الأدبيات الأكاديمية بـ "إعلام التنظيمات الأيديولوجية المغلقة"؛ ذلك النوع من الإعلام الذي لا يرى في الاتصال عملية تبادلية، بل أداة للهيمنة، ولا يتعامل مع الجمهور كعقل ناقد، بل كمساحة قابلة لإعادة الصياغة والتطويع.

في هذا النمط، تتحول الرسالة الإعلامية من أداة لنقل المعلومة إلى أداة تعبئة، ومن وسيلة إقناع إلى وسيلة ضبط وتوجيه، ومن منصة للنقاش إلى قناة لإعادة إنتاج الطاعة والاصطفاف. الإعلام هنا لا يعكس الواقع، بل يعيد تشكيله بما يخدم بقاء التنظيم، ويحافظ على تماسكها النفسي، ويبرر صراعها المفتوح مع المجتمع والدولة.

يقوم هذا الإعلام على افتراض مركزي مفاده أن الجمهور ليس شريكًا في الفهم ولا طرفًا في النقاش، بل هدفًا لإعادة التشكيل الذهني. ومن هنا، لا يبحث عن الحقيقة بوصفها قيمة مستقلة، بل عن الرواية بوصفها أداة صراع. ولا يهتم بتعقيد الواقع وتناقضاته، بل يسعى إلى تبسيطه قسريًا داخل ثنائيات حادة ومغلقة؛ معنا أو ضدنا،إيمان أو خيانة،ثورة أو مؤامرة،دين أو كفر سياسي.

وبهذا التبسيط العنيف، يتم إلغاء المناطق الرمادية، وتجريم الأسئلة، وتحويل أي اختلاف في الرأي أو السرد إلى تهديد وجودي. وهو ما يفسر لماذا يتعامل إعلام الإخوان مع الفن، وخاصة الدراما، باعتبارها خطرًا بنيويًا لا مجرد اختلاف ثقافي.

ويمكن فهم آلية عمل هذا الإعلام من خلال تداخُل ثلاثة أطر نظرية رئيسية، تعمل معًا لا بشكل منفصل، وتنتج في مجموعها خطابًا تعبويًا مغلقًا:

أولًا: نموذج الدعاية الأيديولوجية(Ideological Propaganda Model)

في هذا النموذج، لا يُقدَّم المحتوى بوصفه خبرًا قابلًا للتحقق أو النقاش، بل بوصفه رسالة مُحمَّلة مسبقًا بالحكم الأخلاقي والسياسي.إعلام الإخوان لا ينطلق من سؤال ماذا حدث؟بل من سؤال أكثر خطورة: كيف نوظّف ما حدث لخدمة السردية؟الحدث في حد ذاته لا قيمة له، إنما قيمته في قدرته على تعزيز خطاب المظلومية، أو تثبيت صورة العدو، أو إعادة تعبئة الأنصار. ومن هنا، تصبح الدراما مادة خام للدعاية، لا نصًا إبداعيًا مستقلًا.

فالإعلان عن مسلسل لا يُقرأ كخطوة إنتاجية طبيعية، بل يُعاد تأويله باعتباره “رسالة سياسية”.والبرومو لا يُفهم كأداة ترويج فني، بل كـ“وثيقة إدانة”.والخيال الدرامي لا يُعامل كمساحة رمزية، بل كأنه اعتراف سياسي مقنّع.في هذا السياق، يتم تجريد الفن من طبيعته التخيلية، وتحميله مسؤولية سياسية لا يدّعيها، فقط لأنه يقترب من مناطق يفضّل التنظيم في أن تبقى غامضة أو محاطة بالقداسة.

ثانيًا: نظرية التأطير الإعلامي المُسيَّس(Politicized Framing)

الإطار الثاني الذي يحكم عمل إعلام الإخوان هو التأطير المُسيَّس القسري. فالتنظيم لا يترك أي حدث ثقافي أو فني داخل سياقه الطبيعي، بل يقوم بانتزاعه من إطاره الفني أو الاجتماعي، وإعادة إدراجه داخل سياق سياسي عدائي جاهز سلفًا.العمل الدرامي، في هذا المنطق، لا يمكن أن يكونحكاية عن المجتمع، أو قراءة للتاريخ، أو معالجة نفسية أو إنسانية. بل يجب أن يُعاد تصنيفه داخل أحد الأطر التالية؛ الصراع مع الدولة، ومعركة الهوية، واستهداف “الإسلام السياسي”، وتشويه “التيار الإسلامي”.

وبهذا التأطير القسري، يتم نزع البراءة الفنية عن العمل قبل عرضه، وتحويل الجمهور من مشاهد محتمل إلى طرف في صراع لم يختره. فلا يُسمح له بالمشاهدة أولًا ثم التقييم، بل يُدفع إلى اتخاذ موقف مسبق، قائم على الخوف أو الغضب أو الشعور بالاستهداف.هذا النمط من التأطير لا يهدف إلى تفسير العمل، بل إلى تحصين الجمهور نفسيًا ضد تأثيره المحتمل، وهي آلية دفاعية أكثر منها نقدية.

ثالثًا: نظرية الضحية الدائمة(Perpetual Victimhood Narrative)

الركيزة الثالثة، وربما الأهم، في إعلام الإخوان هي إعادة إنتاج الذات بوصفها ضحية مستهدفة دائمًا. ففي هذا الخطاب:

·  أي نقد = اضطهاد

·  أي دراما = تشويه متعمّد

·  أي سرد بديل = حرب على الدين

·  أي تفكيك = عداء للإسلام

وبذلك يتحولالتنظيم من فاعل سياسي يمكن مساءلته إلى كيان مقدّس محاط بالمؤامرات. ويتم استدعاء خطاب المظلومية ليس بوصفه توصيفًا لحالة، بل كسلاح استراتيجي لإغلاق النقاش، وتجريم الأسئلة، ونزع الشرعية عن أي رواية لا تمر عبر قنوات التنظيم.

وهنا تصبح المسلسلات، خاصة تلك التي تفكك التنظيمات السرية، أو تكشف منطق العمل الخفي، أو تطرح فكرة الدولة في مواجهة التنظيم، خطرًا مضاعفًا؛ لأنها لا تهاجم التنظيم بشكل مباشر، بل تفعل ما هو أخطر؛ تسحب منها أهم أدواتها الرمزية المتمثل في احتكار المظلومية.

بهذا الفهم، يمكن إدراك أن هجوم إعلام الإخوان على الدراما ليس رد فعل عابرًا، ولا اختلافًا ثقافيًا، بل جزء من منظومة دعائية متكاملة ترى في الفن تهديدًا لبنية الوعي التي تسعى إلى هندستها، وفي الدراما منافسًا خطيرًا على السرد، وفي الجمهور عقلًا يجب السيطرة عليه لا محاورته

حين يتحول الإعلان عن "دراما رمضان" إلى "جريمة"

أخطر ما في هجوم إعلام الإخوان على مسلسلات رمضان 2026 ليس حدّته، ولا حتى لغته العدائية المعتادة، بل توقيته المدروس بعناية شديدة. فالهجوم لا يحدث بعد العرض، ولا بعد متابعة الجمهور للنص أو تطور الشخصيات، بل يُطلَق منذ اللحظة الأولى للإعلان، وأحيانًا منذ مجرد تسريب اسم العمل، أو الكشف عن خطوطه العريضة، أو حتى فكرة شخصية رئيسية فيه.

هذا الاستباق يمثل آلية دفاعية مزدوجة؛ دفاع نفسي داخلي للتنظيم ضد أي كشف محتمل، ودفاع خارجي لإعادة تأطير الجمهور قبل أن يصل النص إليهم، وخلق حالة من الانحياز القبلي تجاه ما سيُعرض. أي أن هذا الهجوم ليس مجرد اعتراض أو نقد، بل إدانة سابقة لوجود النص نفسه، وكأن مجرد ظهوره جريمة تستوجب التحصين النفسي.

في حالة مسلسلات الشركة المتحدة بالتحديد، وعلى رأسها مسلسل «رأس الأفعى»، لم ينتظر إعلام التنظيم المشاهدة الفعلية، ولم يقيّم الشخصيات أو الحبكة، بل حوّل الإعلان نفسه إلى مادة اتهام. كل لمحة من البرومو، كل مشهد قصير، كل صورة شخصية قيادية، تم التعامل معها باعتبارها وثيقة رسمية للإدانة.

مجرد الإشارة إلىتنظيمات سرية، والصراع مع الدولة، وبنية العمل الخفي، ومنطق السمع والطاعة،كانت كافية لإطلاق حزمة جاهزة من الاتهامات تدور حول “التشويه الممنهج”، و“تزييف وعي الجماهير”، و“تسييس الدراما”، و“الحرب على التيار الإسلامي”.

هنا يتضح جوهر المشكلة التي ليست في ما سيُعرض، ولا في السردية ولا في معالجتها، بل في الفكرة نفسها القائلة بأن هناك عملًا سيُعرض ويكشف شيئًا من الحقيقة الرمزية للتنظيمات السرية. الإعلام الذي يخشى النص قبل أن يُكتب، والمشهد قبل أن يُمثَّل، يعترف ضمنيًا، وربما دون وعي، بأن الدراما تمتلك قدرة كامنة على كشف ما يحاول الخطاب الدعائي إخفاءه أو الالتفاف عليه.

هذا المنهج الاستباقي في الإدانة لا يكتفي بالتهديد الرمزي، بل يتحول إلى أداة للتحصين النفسي للجمهور. قبل أن يرى المشاهد العمل، يُطلب منه أن يرفضه. قبل أن يسمع الحكاية، يُلقَّن الاتهام. أي أن كل عينات الدراما تصبح مسوغات للتحشيد المعنوي، وكل إعلان عن العمل يصبح حافزًا للعداء القبلي تجاه الفن نفسه، لا بسبب محتواه، بل بسبب قدرته على التأثير والطرح البديل.

إنها معركة تتجاوز حدود النقد الفني أو الذوق، لتصبح معركة منع رؤية؛ منع العقل من الانفتاح على سرد مختلف، ومنع الحس النقدي من الانخراط مع النص. الدراما، في هذه الحالة، لم تعد مجرد فن أو ترفيه، بل تهديد وجودي للهيمنة على السرد والفكر، وكأن مجرد طرح فكرة بديلة هو فعل خيانة أو اعتداء.

وهنا يظهر سر القوة الكامنة في الدراما،من حيث كونها قادرة على أن تكون كاشفة وصانعةللوعي في الوقت نفسه، وأن تخلق مساحة للتساؤل والتفكير خارج حدود خطاب الإقصاء والاتهام. وهذا ما يجعل الإعلام الذي يهاجمها، ويستبقها بالاتهام، في موقع اعتراف ضمني بأن الفن أخطر من الهجوم المباشر، وأقوى من كل الشعارات المستهلكة.

فن تسييس الهجوم وصناعة العدو من النص الدرامي

بعد أن استعرضنا كيف يتحوّل الإعلان عن العمل إلى “جريمة”، ننتقل إلى المرحلة الثانية من أساليب إعلام الإخوان: تحويل النص الدرامي نفسه إلى أداة سياسية، وخلط الفن بالسياسة بطريقة متعمدة تجعل كل عمل درامي خصمًا، وكل صانع محتوى فاعلًا سياسيًا، وكل رمز فني موقفًا يتطلب الرد.

في تعاطيه مع مسلسلات المتحدة على مر المعالجات السابقة وحتى التي تم التنويه عنها كمسلسل “رأي الأفعى”، لا يقرأ الإعلام الجماعي المسلسل كنص إبداعي يمكن تفسيره، بل كمعركة قائمة يجب أخذ الموقف منها مسبقًا. المخرج لا يُنظر إليه كمبدع أو صاحب رؤية فنية، بل كـ“فاعل سياسي”، والكاتب لا يُرى ككاتب يحكي حكاية، بل كـ“منفذ أجندة”، والخيال الدرامي يتحول من مساحة رمزية إلى خط دفاع أو هجوم في معركة أيديولوجية.

يقفز إعلام الإخوان مباشرة إلى استنتاجات جاهزة؛ المقصود الإخوان بالاسم أو بالإشارة، حتى لو لم يُذكر الاسم صراحة، أو لو كان السياق عامًا أو رمزيًا. ففي الهجوم على مسلسل «رأس الأفعى»، جرى اختزال العمل كله إلى “هجوم على التنظيم”، وهو أمر سبق أن تكرر عبر التاريخ في دول مختلفة. لكن إعلام الإخوان تجاهل السياق الفني والتاريخي، واعتبر كل شخصية قيادية داخل التنظيم السري انعكاسًا مباشرًا لشخصيات التنظيم، وكل مشهد يظهر منطق الطاعة أو العمل الخفي دليلًا على مؤامرة ضد الإسلام السياسي.

الهدف هنا ليس نقد العمل، بل إجبار الجمهور على اتخاذ موقف مسبق. فبدلًا من أن يُسأل المشاهد: “هل المسلسل ممتع أو متقن أو ذكي في تقديمه؟”، يُسأل:“مع من تقف؟ هل تقف مع الدولة أم ضد التنظيم؟”. بهذه الطريقة، يتحول النقاش الفني إلى ساحة استقطاب سياسي، ويصبح أي تقييم للدراما مسألة ولاء أو موقف، لا ذوق أو تحليل.

وبهذا يتم توجيه المشاهد قبل أن يرى، وتحويل الفعل الفني إلى حدث أيديولوجي مشحون. الدراما تصبح، بهذه الطريقة، ساحة صراع قبل أن تكون ترفيهًا أو فنًا، وهذا بالضبط ما يهدد السيطرة الأيديولوجية التي يسعى الإعلام الجماعي إلى فرضها.

بهذا، يتحقق الهدف الأساسي لإعلام الإخوان: إلغاء الحدود بين الفن والسياسة، وتحويل أي نص درامي إلى أداة صراع، وجعل الجمهور طرفًا قبل أن يكون متفرجًا.

تحميل النص إسقاطات غير متضمنة

من أخطر أدوات إعلام الإخوان في مهاجمة الدراما، خصوصًا مسلسلات المتحدة السابقةأو في رمضان 2026، هو ما يمكن تسميته الإسقاط الأيديولوجي. أي أن النص لا يُقرأ كما هو، بل كما يريد هذا الإعلام أن يكون، أو كما يخدم روايته المسبقة عن الواقع والتنظيم.

في هذا السياق تتحول الدراما من فن وحكاية ورمز إلى أداة متهمّة مسبقًا. الشخصيات الدرامية لم تعد شخصيات، بل تصبح “نسخًا مقنّعة” للقيادات الفعلية. المشاهد الرمزي أو الاجتماعي يصبح “رسالة مشفّرة”. السياق التاريخي أو الاجتماعي للعمل يتحول إلى ستار لتأويل سياسي مسبق، وكأن كل موقف داخل العمل هو جزء من مؤامرة ضد التنظيم.

آلية الإسقاط على مسلسل رأس الأفعى

في هذا العمل، الذي يندرج تحت ما تهدف دراما المتحدة من تحقيقه في عملية بناء الوعي، يمكننا التوقف أمام ما هو متداول حتى اللحظة من رد فعل لإعلام التنظيم ويرتكز على ما يلي:

·  شخصية قيادية داخل تنظيم سري، رغم كونها رمزية عامة، تُفسّر فورًا على أنها انعكاس مباشر لقادة تنظيم الإخوان.

·  مشاهد توضح منطق السمع والطاعة أو العمل الخفي تُعتبر “تشويها متعمدًا”، على الرغم من أنها عناصر ضرورية لفهم أي تنظيم مغلق.

·  أي إشارات لصراع الدولة مع التنظيمات السرية تُحوّل إلى حرب سياسية ضد التيار الإسلامي، حتى لو كانت مجرد سرد درامي لنموذج تنظيمي عام، يمكن أن يطبق على جماعات سرية تاريخية مختلفة.

هذا النوع من القراءة لا يعكس قوة التأويل، بل هشاشة الخطاب التنظيمي. فالتنظيم الواثق من نفسه لا يخشى الرمزية، ولا ينزعج من التلميحات، ولا يرى في أي قصة مرآة لنموذجه التنظيمي. أما التنظيم الذي يشعر بالتهديد، فهو سريعًا ما يَسقط أي تمثيل رمزي على نفسه، ويحوّل كل نص إلى خصم مفترض.

أهداف الإسقاط الأيديولوجي

1.   تجريد النص من استقلاليته الفنية: كل مشهد، كل شخصية، كل حبكة تُحوّل إلى أداة سياسية قبل أن تصبح فنًا.

2.   إفراغ الحكاية من دلالتها الرمزية: الرموز تصبح متهمّة، والمجاز يصبح دليل اتهام.

3.   التحكم في إدراك الجمهور: المشاهد لا يُترك ليكوّن رأيه النقدي، بل يُوجَّه لتفسير كل حدث داخل إطار الصراع السياسي الذي رسمه الإعلام الجماعي.

4.   تثبيت صورة العدو: أي تمثيل للتنظيمات السرية، ولو كان عامًا أو رمزيًا، يُسقط مباشرة على التنظيم، ويجعله محور الاتهام.

الجمهور، تحت تأثير هذا الإعلام، لا يشاهد النص كما هو، بل يشاهد ما يرسم له الإعلام. وبهذا، يتم إلغاء الحدود بين الواقع والخيال، بين النقد والتحريض، وبين الدراما والسياسة. المشاهد يصبح طرفًا في معركة لا علاقة له بها إلا من خلال النص، والدراما تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج خطاب الإقصاء والمظلومية.

في «رأس الأفعى»، الهدف الأساسي ليس الهجوم على التنظيم، لكنهيكشف منطق التنظيمات السرية وفهم طريقة عملها وصراعها مع الدولة الوطنية عبر كشف دور أحد أخطر قادة التظيمات الإرهابية.فأُسقط إعلام التنظيم كل عناصر الحبكة الدرامية على التنظيم مباشرة، واعتُبر العمل كله “هجومًا سياسيًا”، وهو ما يكشف خوف التنظيم من أن يُفهم خارج قاموسه الأيديولوجي.

لماذا يخشى التنظيم دراما المتحدة تحديدًا؟

الخوف الذي يشعر به إعلام الإخوان تجاه دراما المتحدة ليس عاديًا، ولا يرتبط بالصدفة أو بعمل درامي واحد، بل استراتيجي وعميق ومتجذر في طبيعة هذه الدراما وقنواتها. السبب الرئيسي يكمن في أن دراما المتحدة لا تكتفي بالترفيه أو التشويق، بل تقوم بما هو أخطر بكثير: الشرح والفهم والتحليل، وهو ما يهدد نموذج التنظيم القائم على الغموض والسرية واحتكار الرواية.

1.   التفكيك بدل الصراخ: الدراما تشرح ولا تصرخ

إحدى السمات الأساسية لدراما المتحدة هي أنها تفكك البنية التنظيمية والفكرية بدلاً من الاكتفاء بالصراخ أو إصدار الأحكام الجاهزة. فالمسلسلات، مثل «رأس الأفعى»:

·  توضح كيفية عمل التنظيمات السرية

·  تبيّن منطق الطاعة والسمع داخل الجماعات المغلقة

·  تعرض صراع الدولة مع العمل السري بطريقة تحليلية

·  تستعرض العلاقة بين الفرد والتنظيم بطريقة تجعل المشاهد يفهم المنطق الداخلي

هذه القدرة على الشرح والتحليل هي ما يخشاهالتنظيم، لأنها تسحب الغموض والقداسة عن خطابها، وتجعل جمهورها يرى النموذج التنظيمي من منظور محايد، بعيدًا عن التحريف والمظلومية التي يسعى الإعلام الجماعي لفرضها.

2.   تفكيك خطاب المظلومية والاحتكار

إعلام الإخوان يعتمد على خطاب المظلومية الدائم، أي أن التنظيم دائمًا ضحية، وأن أي نقد هو اضطهاد، وأن كل نقد للسلوك التنظيمي هو هجوم على الدين.

دراما المتحدة، بالعكس، تكشف منطق التنظيم المغلق والسلطة الداخلية بدون مهاجمة الدين أو المعتقدات، وتوضح الاختلالات البنيوية والفكرية.وهنا يظهر الخطر، الجمهور يبدأ في فهم التنظيم كهيكل إداري وفكري قابل للنقد والتحليل، وليس مجرد كيان ضحيّة يجب الدفاع عنه.

أي أن التنظيميفقد أهم أدواته في الحفاظ على الولاء الداخلي؛ مثل الإيهام بالقداسة والغموض، واستغلال المظلومية كغطاء لكل سلوك أو قرار.

3.    الرمزية والفهم التدريجي يهددان السيطرة على الخطاب

دراما المتحدة لا تقدم كل الحقائق دفعة واحدة، بل تعتمد على الرمزية والفهم التدريجي. المشاهد يُجبر على التفكير، على ربط الأحداث ببعضها، على استنتاج المنطق الداخلي للتنظيمات.التنظيميخشى هذا الأسلوب، لأنه يجعل الجمهور مشاركًا في عملية الفهم، بدلًا من أن يكون مستهلكًا سلبيًا للخطاب الجاهز.أي أن المشاهد يصبح قادرًا على رؤية الحقيقة التنظيمية بعين نقدية مستقلة، بعيدًا عن أطر الدعاية والإعلام الذي يفرضه الإخوان.

4.   استهداف الجمهور الحقيقي

القنوات التي تملكها الشركة المتحدة والمسلسلات التي تنتجها تستهدف شرائح واسعة ومتنوعة من المجتمع، وخصوصًا الفئات الشابة والمثقفة:

·  الشباب الذين لم يعودوا يستجيبون للخطاب التقليدي للإخوان

·  المشاهدون الذين يبحثون عن تحليل منطقي بدل الشعارات

·  جمهور القنوات الفضائية والإلكترونية الذي يميل إلى الرؤية النقدية والوعي السياسي

هنا يكمن الخطر الحقيقي،فالتنظيم لم تعد قادرًا على التحكم في الرأي العام، والدراما تصل إلى الوعي المبكر للمشاهد قبل أن يمكنهم من الانحياز لأي خطاب مسبق.

5.   القوة المركبة لمعادلة دراما المتحدة (فن + وعي + استراتيجية)

التنظيميخشى دراما المتحدة لأنها تجمع بين ثلاثة عناصر قوة:

1.   فن متقن: إخراج وحبكة وشخصيات تجذب المشاهدين.

2.   وعي وطني: تقديم سياق تاريخي واجتماعي وسياسي يبني الوعي بدلاً من التوجيه الأيديولوجي المباشر.

3.   استراتيجية تأثير: وصول العمل إلى جمهور واسع، وإقناعه بطريقة غير مباشرة، دون شعارات أو هجوم مباشر، بل عبر السرد والفهم التدريجي.

أي أن الدراما تصبح سلاحًا فعالًا في معركة الوعي، وهو ما يجعلها تهديدًا أكبر من أي حملة إعلامية مباشرة، لأن الجمهور يستقبلها بحرية ويكوّن حكمه الخاص، وهو ما لا يمكن السيطرة عليه بسهولة.

باختصار، الدراما تصبح تهديدًا وجوديًا للهيمنة الفكرية والجماهيرية للتنظيم، لأنها تعمل بالعقل والفهم لا بالخوف أو الهجوم المباشر، وهو ما لا تستطيع أي قناة أو إعلام جماعي مضاد منافسته أو تحييده.

عند جمع كل المحاور، يظهر نمط واضح: الدراما ليست مجرد فن، بل أداة كشف وعي. استباق الإدانة يوقف أي تفسير حر قبل عرضه، الخلط بين الفن والسياسة يحوّل الجمهور إلى طرف في الصراع، الإسقاط الأيديولوجي يُجرد النص من استقلاليته، خطاب التخوين يُفرغ العمل من أي قيمة فنية، والخوف من دراما المتحدة ينبع من قدرتها على الشرح والتحليل، والوصول إلى جمهور لم يعد خاضعًا للسرد الجماعي التقليدي.

في النهاية، تصبح معركة رمضان 2026، بكل أعمال دراما الوعي لشركة المتحدة، معركة وعي حقيقية. التنظيمخسر العادةقبل أن يبدأ أي معركة سياسية، ليس لأن الدولة أو الإعلام يفرضون شيئًا، بل لأن الفن نفسه، بمعناه الرمزي والتحليلي، صار أقوى من كل الحملات الدعائية، وأكثر قدرة على تشكيل وعي مستقل لدى المشاهد.

وهكذا، ينعكس كل هجوم إعلامي على الدراما في إطار نظري أوسع: ليس مجرد صراع على السياسة، بل صراع على الصورة والوعي والفكر. وكل نص درامي ذكي، كل تحليل رمزي، كل بناء شخصيات متقن، هو خطوة نحو استعادة القدرة على التفكير خارج الأطر المغلقة، وكشف المنطق الداخلي للجماعات السرية، وتحرير المجتمع من الرواية الأحادية.

ومن هذا المنطلق، يصبح استشراف مستقبل هذا الإعلام مرتبطًا بقدرته على الاستمرار في هذه الوظيفة، لا بقدرته على الإقناع الحقيقي. فمع تآكل مصداقيته تدريجيًا، ومع إدراك شريحة متزايدة من المواطنين لطبيعة هذا الخطاب الوظيفي، من المرجح أن ينتقل هذا الإعلام إلى مزيد من التطرف والانفعال، وتصعيد نبرة الفوضى، والرهان على الأزمات العابرة، في محاولة لتعويض فقدان التأثير، وهو نمط معروف في نظريات الدعاية حين تبدأ الأداة في فقدان فعاليتها، فتلجأ إلى الصراخ بدل الإقناع، وإلى الهدم بدل الطرح.

أما على مستوى التوصيات الاستراتيجية لإعلام الدولة، فإن المواجهة لا يجب أن تكون رد فعل أو مطاردة للترند، بل بناء منظومة إعلامية واعية بطبيعة الحرب النفسية، قادرة على تفسير الواقع لا تجميله، وعلى كشف التلاعب لا الاكتفاء بنفيه، وعلى تقديم سردية وطنية عقلانية تحترم وعي المواطن بدل مخاطبته من موقع الوصاية. إعلام الدولة مطالب بالانتقال من الدفاع إلى المبادرة، من تفنيد الشائعات إلى بناء مناعة معرفية، من الخطاب الانفعالي إلى الخطاب التفسيري، ومن رد الفعل اللحظي إلى التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد، مع الاستثمار في كوادر إعلامية تمتلك الوعي النظري والنفسي بطبيعة الصراع، وتفهم أن المعركة الحقيقية اليوم هي معركة وعي، لا معركة شعارات.

طباعة

    تعريف الكاتب

    أحمد ناجي قمحة

    أحمد ناجي قمحة

    رئيس تحرير مجلتى السياسة الدولية والديمقراطية