تحليلات

قمة "السيسي-أردوغان".. تأكيد التوافق لتطوير التعاون العسكري وخفض التصعيد الإقليمي

طباعة

استقبل الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي" يوم 4 فبراير 2026، نظيره التركي "رجب طيب أردوغان" في زيارته الرابعة لمصر خلال عامين، وعقدا جلسة مباحثات ثنائية مغلقة ثم جلسة موسعة، كما حضرا الاجتماع الثاني "لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى"، والجلسة الختامية "لمنتدى الأعمال التركي-المصري"، وتأتي الزيارة في ظل مسار التقارب بالعلاقات بين الدولتين، للارتقاء بالتعاون الثنائي لمرحلة الشراكة الاستراتيجية، واستمرار التنسيق بينهما لمواجهة التحديات الإقليمية الراهنة، نظرا للثقل الاستراتيجي للدولتين وأهمية الدور المحوري المصري والتركي لتسوية الملفات الإقليمية بالشرق الأوسط، وشرق المتوسط، والقرن الإفريقي، ودعم القضية الفلسطينية، وهو ما سيؤدي لدعم الاستقرار الإقليمي.

· نتائج استراتيجية:

تعد زيارة "أردوغان" هي الثالثة له لمصر في غضون عامين بينما زار الرئيس "السيسي" تركيا مرة واحدة في سبتمبر 2024، وقد رافق الرئيس التركي بزيارته وفد رفيع المستوى ضم وزراء (الخارجية، والدفاع، والخزانة والمالية، والأسرة والخدمات الاجتماعية، والطاقة والموارد الطبيعية، والصناعة والتكنولوجيا، والشباب والرياضة، والصحة)، وأسفرت الزيارة عن تأكيد مصري-تركي على الارتقاء بالتعاون الثنائي لمستوى الشراكة الاستراتيجية، وتوافق لمعالجة مختلف القضايا الإقليمية، وذلك كما يلي:

- الارتقاء بالتعاون المشترك:وقع الرئيسان على "إعلان مشترك" (تضمن 40 بندا) يؤكد التزام مصر وتركيا بتطوير العلاقات على أساس "الاحترام والمنفعة المتبادلة"، كما شارك الرئيسان بالاجتماع الثاني "لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى" بالقاهرة، وكان الاجتماع الأول عقد فى سبتمبر2024، خلال زيارة الرئيس "السيسي" لتركيا، واتفق على عقد الاجتماع الثالث للمجلس بأنقرة عام 2028، وأكد الرئيس "السيسي" عزم الدولتين لتعزيز التعاون بمختلف المجالات، وجدد "أردوغان" رغبة بلاده "في الاستفادة من روابط الأخوة بين الدولتين لتحقيق رفاهية الشعبين واستقرار المنطقة"، وأكد أن العامين الماضيين شهدا أكثر من 50 زيارة رسمية متبادلة بين الدولتين بمختلف المستويات مما يؤكد أهمية التعاون المشترك، وأوضح "أن تركيا ومصر دولتان شقيقتان، وقوتان لهما مسئوليات تتجاوز حدودهما في المنطقة، والتعاون بينهما يساهم في استقرار المنطقة"،وشهد الرئيسان التوقيع على (18) اتفاقية تعاون ومذكرة تفاهم بمجالات (الدفاع، والاستثمار، والتجارة والزراعة، والصحة، والشباب والرياضة، والحماية الاجتماعية).

- توطيد التعاون الاقتصادي: حضر الرئيسان الجلسة الختامية لمنتدى الأعمال التركي-المصري بالقاهرة، وأشاد الرئيس "السيسي" بارتفاع حجم التبادل التجاري بين الدولتين الذي بلغ تسعة مليارات دولار سنويا مما يجعل مصر الشريك التجاري الأول لتركيا بالقارة الإفريقية، وتطمح الدولتان لرفع ذلك المعدل ليصل إلى 15 مليار دولار سنويا بحلول عام 2028، بدوره دعا "أردوغان" لمشاركة الشركات التركية ببناء المدن الذكية بمصر المخطط لها ضمن "رؤية 2030"، وأوضح أن المقاولين الأتراك نفذوا 27 مشروعا بمصر بقيمة مليار دولار، كما بلغت الاستثمارات التركية بمصر أربعة مليارات دولار في أكثر من 200 شركة تركية تقوم بتوظيف 100 ألف مصري، جدير بالذكر أن المنتدى شارك به أكثر من 460 من رؤساء وممثلي الشركات التركية العاملة بمصر و270 من ممثلي القطاع الخاص المصري، ويعد التعاون الاقتصادي هو "قاطرة" العلاقات المصرية-التركية حيث حرصت الدولتان على استمرار التبادل التجاري بينهما خلال "فترات التوتر 2013-2021"، وهو عائد بمكاسب اقتصادية عليهما، كما لجأت عدد من الشركات التركية لنقل مصانعها من بلادها للتوطين بمصر لتجنب نسب التضخم المرتفعة بتركيا والاستفادة من المناخ الاستثماري المصري لا سيما بقطاع المنسوجات والمواد الغذائية.

- الدعوة لتنفيذ "خطة السلام" بقطاع غزة: رفض الرئيسان عرقلة تطبيق "خطة السلام" بغزة وأكدا أهمية حشد دعم دولي عاجل لجهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار في القطاع، وأكدا ضرورة البدء بعملية تعافٍ مبكر وإعادة إعمار شاملة بكافة أحياء قطاع غزة دون تمييز، وشددا على "حتمية الحفاظ على وحدة وسلامة الأراضي الفلسطينية، وعلى ضرورة ضمان إيصال المساعدات الإنسانية إلى غزة بشكل عاجل وآمن ومستدام"، وأكد "أردوغان" أن تركيا ستعمل مع مصر لاستعادة السلام وإعادة الإعمار في غزة، وثمن الدور المصري في إدخال المساعدات الإنسانية للفلسطينيين، الذي ساهم في إدخال (100 ألف طن) من المساعدات التركية للقطاع من خلال معبر رفح المصري.

- توافق لإرساء الاستقرار بالدول العربية:أكد الرئيس "السيسي" على"تقارب الرؤى إزاء مختلف القضايا الإقليمية والدولية بين مصر وتركيا"، بدوره أوضح "أردوغان" أن "تعاون الدولتين سيسهم بتحقيق السلام الإقليمي"، وجدد الرئيسان دعمهما لبدء العملية السياسية بليبيا لحفظ أمنها واستقرارها وسيادتها وسلامتها الإقليمية ووحدتها السياسية، وأكدا التزامهما الراسخ بسيادة سوريا ووحدتها واستقرارها وسلامة أراضيها، وأهمية جهود إعادة الإعمار بها، وتعزيز قدرات مؤسسات الدولة، وإطلاق عملية سياسية بجميع المكونات السورية، كما شددا على أهمية مكافحة الإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره، وعدم تحول الأراضي السورية إلى مصدر تهديد لأمن واستقرار المنطقة، كما شددا على دعم المؤسسات الوطنية اللبنانية وجهود ترسيخ سلطة الدولة، وضمان حصر السلاح بيد الدولة فقط.

- دعم الاستقرار بالقرن الإفريقي:جدد الرئيسان دعمهما للجيش السوداني في مواجهته مع قوات (الدعم السريع) وأكدا السعي نحو هدنة إنسانية تفتح الطريق أمام وقف دائم لإطلاق النار ومسار سياسي شامل، في ظل التدهور الإنساني المتسارع في البلاد، ثم بدء حوار وطني شامل جامع لكافة السودانيين، كما أكد الرئيسان دعمهما لوحدة الأراضي الصومالية وأدانا الاعتراف الإسرائيلي بإقليم "أرض الصومال" الانفصالي، وأهمية تأمين البحر الأحمر وضمان الملاحة الدولية به، كما دعوا لضرورة معالجة معضلة الإرهاب في منطقة الساحل الإفريقي.

- رفض التدخلات الخارجية بالمنطقة:دعا "السيسي" لعدم الانزلاق لمواجهة عسكرية بالملف الإيراني والعمل على دفع الحلول الدبلوماسية، وحذر "أردوغان" من مخاطر التدخلات الخارجية بالمنطقة لأن الحوار يظل الخيار الأمثل لمعالجة الملف الإيراني، وكشف الرئيسان عن الاتفاق على تكثيف الجهود التنسيقية مع الدول الإقليمية الأخرى المعنية بالملف الإيراني لدعم مساعي خفض التصعيد في الشرق الأوسط، واستمرار المفاوضات بين واشنطن وطهران، جدير بالذكر أن الرئيس "السيسي" قد أجرى محادثة هاتفية بنظيره الإيراني "مسعود بزشكيان" بنهاية يناير الماضي جدد فيها رفضه لتوجيه ضربة عسكرية لإيران، وحث فيها طهران على الانخراط بالمفاوضات حول البرنامج النووي، وكانت مصر قد بدأت وساطتها بين إيران ووكالة الطاقة النووية في أكتوبر 2025، وأسفرت عن موافقة الطرفين على استئناف التفاوض بالفعل، كما رحبت مصر وتركيا بعقد اجتماع بين وزير الخارجية الإيراني "عباس عراقجي" والمبعوث الأمريكي للشرق الأوسط "ستيف ويتكوف" في 6 فبراير الحالي بسلطنة عمان لبحث المفاوضات بين الطرفين.

* تداعيات جيوسياسية:

تحمل زيارة "أردوغان" لمصر العديد من الدلالات الجيوسياسية من حيث التوقيت والأهمية، حيث إنها تأتي في ظل جولة عربية شملت المملكة العربية السعودية، مما يؤكد ضرورة التنسيق الإقليمي بين القوى الثلاث الكبرى بالشرق الأوسط، لا سيما في ظل توافق الرؤى بينهم فيما يخص ضرورة خفض التصعيد الإقليمي بكافة الملفات الراهنة خاصة الملف النووي الإيراني وتشكيل محور إقليمي لرفض التدخلات الأجنبية بالمنطقة، كما أن لها العديد من التداعيات المهمة كما يلي:

- الرؤية التركية للتعاون الثنائي: تأتي زيارة "أردوغان" لمصر ضمن أول جولة خارجية له لعام 2026، مما يؤكد محورية التعاون بين الدولتين في مسار السياسة الخارجية التركية، التي شهدت تحولا ملحوظا خلال الأعوام الأربعة الماضية أسفرت عن "المصالحة" مع القوى العربية المؤثرة (مصر والسعودية) بعد فترة من التوتر التي شابت العلاقات بينهم، ويعد هذا تطبيقا لرؤية "قرن تركيا" التي أعلن عنها "أردوغان" عام 2023، وتقوم على "جعل تركيا النجم الصاعد بالشرق الأوسط عبر تبنى سياسة خارجية تقوم على التقارب مع مختلف الدول وإنشاء حزام آمن من دول الجوار التركي القريب والبعيد"، وهو ما أدي لتحقيق المصالحات الإقليمية بين تركيا والدول العربية.

- دعم إقليمي لحقوق مصر المائية: أكد الرئيسان "الأهمية الحيوية لنهر النيل لمصر في ضوء ندرة المياه بها"، حيث تعتمد مصر بنسبة (98%) على مياه نهر النيل كمصدر للمياه العذبة، وتبلغ حصة مصر منها ( 55.5 مليار م3) سنويًا فقط، وهو ما يقارب حد "الفقر المائي"، وتعمل مصر على حشد الدعم الإقليمي لموقفها من "السد الإثيوبي" الذي يهدف للإضرار بحصتها من مياه النيل في ظل "تعنت إثيوبي"لاستئناف التفاوض ورفض المقترحات المصرية في هذا الإطار، وذلك بعدما أكملت أديس أبابا بناء السد متجاهلة قاعدة "الإخطار المسبق" أو توقيع اتفاق جديد يضمن حقوق دول المصب (مصر والسودان).

- أهمية تطوير التصنيع العسكري المشترك: تم التوقيع خلال الزيارة على "اتفاقية تعاون عسكري" للبدء في التصنيع العسكري المشترك، والذي يعد "تحولا استراتيجيا" في التعاون بين الدولتين، والذي تطور بشكل لافت خلال العامين الماضيين، حيث تم إجراء التدريبات البحرية المشتركة "بحر الصداقة" التي تساهم في إرساء الاستقرار بشرق المتوسط، كما اتفقت القاهرة وأنقرة على التعاون في التصنيع المشترك للطائرات المسيّرة، وانضمت القاهرة لبرنامج طائرات (كآن) التركية. وسبق لمصر أن حصلت على مسيرات (بيرقدار) التركية، ووقعت الدولتان بأغسطس الماضي اتفاقا لتصنيع الطائرات المسيّرة ذات الإقلاع والهبوط العمودي. كما بدأ إنتاج المركبات الأرضية المسيّرة بناء على تعاون بين شركة التصنيع العسكري التركية "هافيلسان" ومصنع "قادر" المصري، وافتتحت شركة "أسيلسان" التركية المتخصصة بتصنيع المنتجات العسكرية مكتبا تمثيليا إقليميا لها بالقاهرة، كما اتفقت الدولتان على تطوير وإنتاج أنظمة دفاعية مشتركة وتعزيز التعاون بالإلكترونيات العسكرية والقدرات التصنيعية المصرية المتقدمة، وهذا التعاون سيكون له أهمية استراتيجية للدولتين حيث ستوظف كل دولة قدراتها العسكرية لتحقيق الاستفادة للأخرى، وستستفيد مصر من القدرات العسكرية التصنيعية التركية المتقدمة وخبراتها كدولة عضو بحلف شمال الأطلسي (الناتو)، كما ستستفيد تركيا من القدرات القتالية التدريبة المصرية وطبيعتها الميدانية، وسيتم توظيف ذلك لإجراء مناورات مشتركة فضلا عن التصنيع العسكري.

- محورية الدعم المصري-التركي للقضية الفلسطينية: توافقت الرؤية المصرية والتركية على ضرورة الحفاظ على وحدة قطاع غزة ورفض تقسيمه، والبدء في تنفيذ المرحلة الثانية من "خطة السلام" الأمريكية التي تم اعتمادها خلال قمة "شرم الشيخ للسلام من أجل غزة" التي عقدت بأكتوبر الماضي في مصر وشارك فيها "أردوغان"، ووقع على الوثيقة النهائية للمؤتمر مع الرئيس "السيسي" كإحدى الدول الضامنة لتنفيذ الاتفاق، جدير بالذكر أن تركيا أدانت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة التي استمرت عامين، واتخذت أنقرة عددا من الإجراءات ضد تل أبيب خلال تلك الفترة، منها (تقليل التبادل التجاري، إلغاء التوءمة بين المدن، والانضمام لدعوة المحكمة الجنائية ضد إسرائيل)، كما تؤيد مصر وتركيا إطلاق عملية سياسية تفضي إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة على خطوط الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وتنفيذ كافة قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة المعنية بذلك.

- آفاق مستقبلية: حقق التعاون الثنائي المصري-التركي "طفرة" بمختلف المجالات خلال العامين الماضيين، إلا أن هناك عددا من المجالات التي يجب تطوير التعاون المستقبلي فيها، منها اعتماد العملات الوطنية في التبادل التجاري بدلا من الدولار الأمريكي وهو ما سيحقق عائدا اقتصاديا على الدولتين، وتطوير مشروعات التصنيع العسكري المشترك، وكذلك عودة البرامج السياحية الثنائية التي كانت تدمج بين زيارة المدن التركية والمصرية، وتوطين الخبرات التركية بمشروعات تصنيع (المواد الغذائية والمنسوجات والملابس الجاهزة) المتقدمة، فضلا عن تطوير التعاون الأمني والاستخباراتي لا سيما بمجال مكافحة الإرهاب، وإمكانية تشكيل محور مصري-تركي صناعي لنقل الخبرات المشتركة للدول الإفريقية والعربية التي توجد فيها الشركات المصرية والتركية لتكوين شراكات ثلاثية تساهم في عمليات إعادة الإعمار وتطوير البنية التحتية بتلك الدول.

- تشكل محور أمني إقليمي: شهدت الأشهر الماضية تكثيفا للتواصل السياسي والتنسيق الأمني بين (مصر، والسعودية، وتركيا)، لمواجهة التحديات الإقليمية الراهنة بالشرق الأوسط، الممثلة في (التوسع الإقليمي الإسرائيلي بدول المشرق العربي والقرن الإفريقي، وتهديد بتوجيه ضربة عسكرية أمريكية لإيران، والوضع الأمني الهش ببعض دول المنطقة، واضطراب النظام الدولي إثر مسارات السياسة الخارجية الأمريكية الجديدة)، ولذا تعمل الدول الثلاث على تشكيل محور أمني إقليمي لضمان أمنها القومي وإرساء الاستقرار بالشرق الأوسط، ومنع التدخلات العسكرية والسياسية الخارجية بالمنطقة.

خلاصة القول، إن زيارة الرئيس التركي لمصر تمثل "نقلة نوعية إيجابية" في مسار العلاقات بين الدولتين الذي حقق "طفرات ناجحة" خلال العامين الماضيين، وتؤسس لبناء شراكة استراتيجية مصرية-تركية متعددة الأبعاد، كما سيكون لها تداعيات إقليمية حيث تعمل (القاهرة، وأنقرة، والرياض) على إعادة صوغ التوازنات بالشرق الأوسط لإرساء الاستقرار بدول المنطقة، ومعالجة الملفات الإقليمية العالقة، والتأكيد على رفض التدخلات العسكرية الأجنبية من خلال طرح رؤى إقليمية فاعلة لمعالجة أزمات المنطقة، وتعد القضية الفلسطينية والملف النووي الإيراني اختبارا لذلك التعاون الإقليمي، ولذا فإن التنسيق المصري-التركي يعد "ضرورة استراتيجية" للحفاظ على الأمن والاستقرار بالشرق الأوسط.

طباعة

    تعريف الكاتب

    د. منى سليمان

    د. منى سليمان

    باحث أول ومحاضر فى العلوم السياسية