إدارة الدين العام هي أحد أهم وظائف السياسة المالية طويلة الأجل لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي حيث خلق مسار مستدام للدين العام. فتحقيق معدلات نمو اقتصادي مرتفعة ليس بالضروري ضمانة لاحتواء تفاقم حجم الدين العام وخدمته. وعليه لا يمكن تحقيق نمو اقتصادي مرتفع مع إغفال استدامة الدين العام. فالمقصود باستدامة الدين العام هو قدرة الدول على الوفاء بالتزاماتها المالية حيث أعباء خدمة الدين من أقساط وفوائد دون التعرض لتعثر مالي، أو الإضرار بالملاءة المالية. وذلك من خلال الحفاظ على استقرار نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي مستقرة والعمل على تخفيضها في حالة الدول التي تعاني من ارتفاع مستويات الدين العام على وجه الخصوص.
وتكمن حوكمة إدارة الدين العام في كونها حجر أساس لتعزيز قدرة الحكومات على تحقيق الاستقرار الاقتصادي وضمان استدامة المالية العامة للدول والحد من المخاطر التي يمكن أن تواجهها.حيث إن رفع كفاءة إدارة الدين العام يسهم في الحــد مــن أعبــاء التأخيـر في سداد الديون، وإعــادة هيكلـة الديـن العـام بما يتوافق مع الأولويات التنموية والاستراتيجية ويقلل من تآكله للإيرادات العامة على حساب احتياجات المواطنين من النفقات العامة على الصحة، والتعليم، والأجور، والمرتبات، والمعاشات. كما أن حوكمة إدارة الدين العام تؤدي إلى تخفيـض أعبـاء خدمـة الديـون حيث الاعتماد على سياسة تنوع مصــادر التمويل المحليــة والخارجيــة الأقل تكلفــة، وربـط التمويـل الخارجــي بحزمـة متكاملـة مـن القـروض التنموية والمنـح وفقـًا لشــروط كل قـرض وطبيعة المشروعات طويلة الأجل.
فإن ارتفاع حجم الدين العام بشقيه الداخلي والخارجي في الدول النامية والناشئة يشكل تحديًا جسيمًا لتحقيق التنمية المستدامة الشاملة، خاصة إذا كانت معدلات النمو الاقتصادي المرتفعة لا تتوافق مع المعدلات الإنتاجية الحقيقية المطلوبة للاقتصاد القومي وحجم السكان والأسواق المحلية. الأمر يزيد من العبء المالي على كاهل الحكومات والأجيال القادمة، وفي هذا الصدد، فإن وجود استراتيجية لإدارة الدين العام متوسطة الأجل لا يعد كافيًا لخفض حجم الدين العام وتحقيق الاستدامة المالية. إذ بات حتميًا وضع آليات لضمان حوكمة إدارة استراتيجية الدين العام بما يحقق الاستدامة المالية بهدف تحقيق الانضباط المالي، والتحكم في أوجه أولويات الإنفاق العام وزيادة الاستثمارات العامة والخاصة بما يخفف عبء الدين العام على الأجيال القادمة ويسهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة وتوطينها.
فوضع استراتيجية لرفع كفاءة إدارة الدين العام بالتنسيق مع السياسات الاقتصادية الكلية يعزز من صلابة ومرونة هيكل الاقتصاد القومي، وذلك بما يلائم الظروف الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية داخل كل دولة في خضم تفاقم الأزمات الاقتصادية والسياسة إقليميًا ودوليًا. وتتضمن أبرز آليات رفع كفاءة إدارة الدين العام، تدبيـر التمويـل مـن القطـاع غيـر الحكومـي لتغطيـة احتياجـات اقتـراض الحكومـة، وتخفيــض تكلفـة الاقتراض إلــى أدنــى حــد بالتنسيق مع السياســة النقديـة، وتحديد نسبة محددة للدين العام مــن الدخــل القومــي لضمان عدم تجــاوز الديــن العام لهذه النسبة، بما يلائم أعباء خدمتها، وتنويع مصادر الاقتراض والتي قد تشمل الحكومات، والأفراد، والمؤسسات المقيمين وغير المقيمين، ووضع سقف للاستدانة لإدارة الدين العام. بالإضافة إلى وضع مؤشرات كمية ونوعية لرصد وتقييم المخاطر المتُضمنة في هيكل الدين العام، ومن ثم تخفيف حدة هذه المخاطر إلـى أقصى درجة ممكنة من خلال تعديل هيكل الدين، مع أخذ تكلفة هذا التعديل في الاعتبار. فضلًا عن تقييم وإدارة المخاطر المُصاحبة للدين المحـرر بالعملات الأجنبية، والدين قصير الأجل أو الدين بأسعار فائدة مدعومة. هذا مع ضرورة وجود سياسات نافذة لإدارة النقد بما يضمن القدرة على الوفاء بالالتزامات المالية عند الاستحقاق وتحليل أثر الالتزامات الاحتمالية على المركز المالي للحكومة، بما في ذلك سيولتها الكلية. وإنشاء سوق للأوراق المالية الحكومية كفئة لتخفيض التكاليف والمخاطر إلى أدنى حد ممكن سواء على المدى المتوسط والطويل.
هذا إلى جانب الأخذ في الاعتبار ثلاثة مبادئ رئيسية، أولًا: إرساء قواعد الشفافية والإفصاح بما يضمن فاعلية المساءلة في منظومة إدارة الدين العام ورفع كفاءتها. ثانيًا: زيادة تدفق الاستثمارات المباشرة وغير المباشرة للدولة من أجلرفع سقف الإيرادات السيادية للدولة وتوسيع الحيز المالي المتاح لتمويل تنفيذ أهداف التنمية المستدامة. ثالثًا: تحسين الجدارة الائتمانية والتقييم السيادي للدولة مما يوسع أسواق الأوراق المالية الحكومية ورفع كفاءتها، وتنويع مصادر الاقتراض والحصول على التمويل المطلوب بأسعار تنافسية، ووضع أساس مرجعي للقطاع الخاص المحلي يمكنه من الاقتراض من الأسواق الدولية بأسعار مناسبة، والحد من المزاحمة على المدخرات الوطنية وآثارها على تكلفة الدين المحلي والاستثمار.
وتجدر الإشارة إلى أن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي قد أطلقا قواعد إرشادية للدول من أجل رفع كفاءة إدارة الدين العام. إذ تتضمن عددًا من المحاور المهمة ومنها محور الإطار القانوني لإدارة الدين العام، حيث وجود إطار قانوني حاكم لإدارة الدين العام، ويتضمن الأسس والقواعد القانونية المتعلقة بتحديد نطاق الدين العام وتعيين سلطات الاقتراض، وكافة الجوانب الأخرى المرتبطة بالدين العام. محور: الهيكل التنظيمي لمنظومة إدارة الدين العام حيث يتعلق بتحديد أدوار ومسئوليات الأطراف المختلفة المنوط بها إدارة الدين العام، فضلًا عن وضع هيكل تنظيمي كفء وفعال لإدارة الدين العام يحدد بشكل واضح أدوار ومسئوليات الجهات المختلفة المرتبطة بإدارة الدين العام، وكيفية التنسيق فيما بينهما.محور: تقييم جودة استراتيجية إدارة الدين العام، حيث إن تبني استراتيجية إدارة الدين العام متوسطة الأجليهدف إلى وضع أهداف محددة لإدارة الدين، والتي عادة ما تتضمن حصول الدولة على التمويل المطلوب بتكلفة مناسبة، مع مراعاة عدم التعرض لدرجة عالية من المخاطر، وضرورة استخدام أساليب التحليل الكمي في دراسة وتحليل البدائل المختلفة للاقتراض. محور: ضمان الالتزام بمبادئ الشفافية والإفصاح في إدارة الدين العام. حيث إرساء قواعد الشفافية والإفصاح في إدارة الدين العام بما يضمن إتاحة كافة البيانات والمعلومات التفصيلية المتعلقة بالدين العام بصورة واضحة ودقيقة ومنتظمة، على نحو يضمن تقييم مدى فاعلية وكفاءة إدارة الدين العام.
هذا إلى جانب عدد من المعايير الحاكمة لتحسين فاعلية استراتيجيات إدارة الدين العام متوسطة الأجل والتي تتبناها الحكومات على المدى الطويل، إذ يتطلب وضع أهداف إدارة الدين العام بما يتسق مع أهداف سياسات الاقتصاد الكلي والسياسات المالية والنقدية. ويوضع مؤشرات تقييم كمية مصحوبًا بالتحليل الكمي في إعداد الاستراتيجيات متوسطة الأجل لإدارة الدين العام، وذلك من أجل وضع أهداف استراتيجية محددة تعكس تفضيلات الحكومة من حيث المواءمة بين التكلفة والمخاطر. وعليه يوصي أن تتضمن استراتيجيات إدارة الدين العام تحديدًا لتكوين محفظة الدين العام بما يعكس تفضيلات الحكومة من حيث تكاليف ومخاطر الدين، وكيفية إدارة المخاطر المالية الأخرى المرتبطة بالدين العام، مثل الالتزامات الطارئة الصريحة المترتبة على ضمانات الديون. بالإضافة إلى أدوات للمساعدة في تقييم ومراقبة المخاطر المالية الناجمة عن المؤسسات المملوكة للدولة، وفي ضوء القواعد الاسترشادية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، يتعين على الدول وضع الالتزامات الطارئة في الاعتبار أثناء إعداد التوقعات الخاصة بمتطلبات الاقتراض المستقبلية في استراتيجيات إدارة الديون متوسطة الأجل، وتخصيص مبالغ من موازناتها لتلك الالتزامات. وأنه من الضروري إعداد ونشر خطة الاقتراض السنوية، بالاتساق مع الاستراتيجية متوسطة الأجل لإدارة الدين العام، حيث يتم شرح كيف يُتوقع تلبية متطلبات التمويل السنوية عن طريق بدائل التمويل المتاحة.
وأخيرًا وليس آخرًا، تلجأ الحكومات التي تعاني من تفاقم حجم الدين العام (الخارجي والداخلي) لانتهاج عدد من آليات التنفيذ قصيرة ومتوسطة الأجل لإنقاذ الدول من براثن الديون التي تزعزع من صلابة هياكل اقتصاد هذه الدول. ومن بين تلك الآليات تعزيز التشريعات حيث فرض قيود على مستويات الدين الإجمالي والشروط التي يمكن للحكومات بموجبها تحمل ديون جديدة. وإحكام الرقابة التنظيمية من خلال إنشاء هيئات مستقلة للإشراف على استراتيجيات إدارة الديون وتقييمها، وضمان توافقها مع أهداف السياسات الاقتصادية وتحقيق الأهداف التنموية المستدامة. هذا إلى جانب رفع كفاءة القدرات المؤسسية من خلال وضع برامج تدريبية شاملة للموظفين المشاركين في إدارة الديون لضمان حصولهم على المهارات والمعرفة اللازمة. وتسريع وتيرة الرقمنة وزيادة الاستثمار في التكنولوجيا المالية لتحسين جمع البيانات وإدارتها وقدرات التحليل، وتسهيل اتخاذ القرارات بشكل أفضل والشفافية. بالإضافة إلى ترسيخ الشفافية والمساءلةمن خلالجعل بيانات الديون متاحة للعامة وسهلة الفهم لتعزيز المساءلة والحوار العام،وذلك من خلال التواصل بانتظام مع المواطنين وصناع السياسات والمستثمرين لمناقشة استراتيجيات إدارة الديون.وأهمية تعزيز أواصر التعاون مع المؤسسات المالية الدولية وغيرها من الدول للحصول على الدعم لتنفيذ الإصلاحات والوصول إلى المساعدة الفنية. وضرورة المشاركة في مبادرات إعادة جدولة الديون الدولية. هذا إلى جانب أهمية تنفيذ أنظمة الرصد والمراجعة المنتظمة لتقييم تقدم استراتيجيات إدارة الديون ووضع مؤشرات أداء كمية واضحة لقياس نجاح مبادرات إدارة الديون.