مقالات رأى

مؤسسات صناعة التعايش السلمى

طباعة

تؤكد جميع الأديان على أهمية الإنسان عند الله، وكلها تحث على قيم إنسانية رفيعة، وعلى الالتزام بالتعامل مع المختلفين بكل المحبة والتسامح. فى الدين المسيحي تقول الآيات فى (إنجيل لوقا 6: 28): "أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ"وجاء فى القرآن: "لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّالْمُقْسِطِينَ".

وحتى لا تتأثر الشعوب بالنعرات الطائفية ومروجيها، والتى تسعد بتناحرهم وتسلط الشر عليهم؛ لابد أن يُبنى التعايش السلمى على قاعدة قوية من الثقة والاحترام، ومن الرغبة في التعاون لخير الإنسانية. وعليه، يحتفل العالم يوم 16 نوفمبر من كل عام باليوم العالمي للتسامح، الذي دعت الجمعية العامة للأمم المتحدة الدول الأعضاء إلى الاحتفال به عام 1996، من خلال القيام بأنشطة ملائمة، توجه نحو كل من المؤسسات التعليمية وعامة الجمهور. وعرفت "اليونيسكو" التسامح أنه التسليم بالحقوق العالمية للإنسان وبالحريات الأساسية للغير، وهو الضامن الوحيد لبقاء المجتمعات المختلطة والمتنوعة في كل مناطق العالم، وأخذت اليونسكو على عاتقها تعزيز التسامح واللاعنف عن طريق برامج ومؤسسات تعني بمجالات التربية والعلم والثقافة والاتصال. فالتسامح فى مفهومها يعنى الاحترام والقبول والتقدير للتنوع الثري لثقافات العالم كله. ويجيء الاحتفال باليوم العالمي للتسامح من كل عام للتذكير بالتثقيف وأهمية التسامح، ونبذ العنصرية والتمييز غير العادل على المجتمع ومعرفة مدى تأثيره السلبي على المجتمعات، فى محاولة جادة للتخلص منه ومن آثاره؛ كذلك دعت إلى أن يتم بث مبادىء التسامح والإخاء فى البرامج الإذاعية والتليفزيونية، ولم تغفل أيضًا الدور المحورى للمُعلم والمدرسة، ودعت إلى أن يقوم بعض المعلمين في ذلك اليوم بإيضاح مبادئ التسامح وحقوق الإنسان للطلاب داخل الفصول.

فعلى الجميع أن يتحملوا المسئولية بداية من المؤسسات الدينية إلى الإعلاميين والمعلمين مع التلاميذ فى المدارس، كما يجب أن تساعد أنظمة التعليم على نشر ثقافة التسامح والاعتدال وتطوير المناهج التعليمية، وإيجاد مؤسسات تقتصر مهمتها على إشاعة ثقافة التعايش السلمي وتعزيز الهوية الوطنية، والاحتكام إلى القانون في حل الخلافات والنزاعات الطائفية، وأيضا أهمية تحقيق العدالة الاجتماعية بين أبناء الوطن، والسعى إلى عدم التمييز بينهم فى مختلف الوظائف.

نحن فى حاجة أن يتمتع كل شعوب العالم بالتسامح، وذلك من أجل رفعة الإنسان وتحقيق حريته فى أى وقت، واحترام الآخرين والحوار الراقى بين جميع الأطياف دون عنصرية. ومن أجل أهمية هذا الأمر، فى النطاق المحلى والدولى احتفل رؤساء المؤسسات الدينية فى مصر بمرور عشر سنوات على إنشاء ما يسمى "ببيت العائلة" الذى يدعو إلى التأكيد على القيم العليا والقواسم المشتركة بين الأديان والثقافات والحضارات الإنسانية المتعددة، وبلورة خطاب جديد ينبثق منه أسلوب من التربية الخلقية والفكرية بما يناسب حاجات الشباب والنشء، ويشجع على الانخراط العقلى فى ثقافة السلام، ونبذ الكراهية والعنف، والتعرف على الآخر، وإرساء أسس التعاون والتعايش بين مواطنى البلد الواحد، ورصد واقتراح الوسائل الوقائية للحفاظ على السلام المجتمعى؛ إلا أننا حتى الآن لم نجد له حراك قوى على أرض الواقع، ولم يحدث أن ساهم بوأد أى من المشكلات فى مهدها، ولم يقدم أى خدمات أو إعادة تأهيل للشباب ليكونوا مجتمعا يقوم على أساس التزام كل أطرافه بمبادئ الاحترام المتبادل لحرية الرأي، وهنا يجب التأكيد أن تلك الدول المتقدمة ترتكز على المشاريع التي تستهدف بناء الإنسان لتعيده إلى حالة من التوازن والاستقرار النفسي والاجتماعي؛ لأن من أهم التحديات التي تواجه المجتمعات اليوم هو كيفية التعامل مع الاختلاف خاصة مع تزايد وتيرة التحريض على العنف وارتكاب الفظائع تحت مبررات دينية وعرقية. لذلك، أصبح دور صناعة التعايش داخل المجتمع الواحد أمراً ملحًا وفي غاية الأهمية، وهو ما نأمل أن يقدمه لنا بيت العائلة في عيده العاشر.

طباعة

    تعريف الكاتب

    جاكلين جرجس

    جاكلين جرجس

    مدير المركز الثقافى القبطى بجمعية جامعة المحبة