كتب - كتب أجنبية

المستقبل الصفري:|القوة الأمريكية في عصر القلق

طباعة

عرض : محمد عبد الله يونس

معيد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة

Gideon Rachman, Zero-Sum Future : American Power in an Age of Anxiety

New York: Simon & Schuster, 2011

"العالم يتغير بوتيرة سريعة نحو احتدام الصراع بين القوي الاقتصادية الكبري"، هذه هي المقولة المركزية التي يطرحها "جيدون راتشمان" - المحلل الاقتصادي ومحرر قسم العلاقات الدولية بصحيفة فايننشال تايمز- في كتابه "المستقبل الصفري .. القوة الأمريكية في عصر القلق"، محذرا من مستقبل صراعي نتيجة لتداعيات الأزمة المالية العالمية منذ عام 2008، وسيادة منطق المباراة الصفرية علي تفكير وسياسات الدول الكبري، لاسيما الصين والولايات المتحدة، بما جعل التعاون في مواجهة القضايا الدولية العابرة للحدود، مثل الاحتباس الحراري والإرهاب، غير مطروح رغم أهميته.

يعد هذا الكتاب امتدادا لموجة الكتابات عن تحولات النظام الدولي بعد الأزمة المالية العالمية التي تناولت تراجع التفرد الأمريكي علي المستوي الدولي، وصعود قوي دولية جديدة مناوئة للولايات المتحدة، وتغير الخريطة الجيوسياسية للعالم، ومن هذا المنطلق، يطرح "راتشمان" عدة تساؤلات حول مستقبل التفاعلات الاقتصادية العالمية، وكيف يمكن للولايات المتحدة التعايش في ظل تلك التحولات الدولية.

نهاية العولمة والاعتماد المتبادل:

يبدأ الكاتب مراجعته التاريخية منذ عام 1978 وبرنامج الإصلاح الاقتصادي الرأسمالي الذي تبناه الرئيس الصيني "دينج زياوبنج"، وقد تواكب ذلك مع تحولات دولية إيجابية من منظور الكاتب، مثل سقوط الأنظمة السلطوية في أمريكا اللاتينيية والبرتغال وإسبانيا في نهاية السبعينيات، ووصول كل من "مارجريت تاتشر" و"رونالد ريجان" للسلطة في بريطانيا والولايات المتحدة، وسياساتهما الداعمة بقوة لاقتصاد السوق الحر والقطاع الخاص. أما التحول الأبرز في هذه الفترة، فكان وصول "ميخائيل جورباتشوف" للسلطة في الاتحاد السوفيتي، وتبنيه سياسات إصلاحية أدت لسقوط الاتحاد السوفيتي، وتراجع أهمية الأيديولوجية الاشتراكية والأيديولوجية القومية. ويحتفي الكاتب في هذا الصدد بمقولات "فرانسيس فوكوياما" حول نهاية التاريخ، واعتبار الرأسمالية التطور النهائي للأيديولوجيات. ويطلق الكاتب علي هذه المرحلة إجمالا "عصر التحولات".

تنطلق المرحلة التالية التي يطلق عليها الكاتب "عصر التفاؤل" بداية من سقوط حائط برلين عام 1989، وانهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، وعصر الأحادية القطبية، وتصاعد موجات التحول الديمقراطي عالميا. إلا أن التحول الأبرز، من وجهة نظر الكاتب، كان العولمة الاقتصادية، وبداية عصر المكاسب المتبادلة لجميع الدول بتوظيف آليات اقتصاد السوق، والاعتماد المتبادل لمواجهة التحديات العالمية.

ويرى الكاتب نجاح جهود التكامل الأوروبية وتدشين الاتحاد الأوروبي تتويجا لهذه المرحلة. بيد أن هذا التفاؤل الدولي لم يستمر طويلا مع تراجع عوائد التعاون الدولي، وبداية الأزمة المالية العالمية عام ٨٠٠٢.

عصر القلق والصراع الاقتصادي:

يرى "راتشمان" أن الأزمة المالية العالمية لم تكن مجرد تراجع مؤقت في مسار الاقتصاد العالمي، وإنما نقطة تحول جوهرية في تطور النظام الدولي لتمثل عودة لمنطق النظرية الواقعية حول حتمية الصراع الدولي، وأولوية المصلحة القومية علي المكاسب المتبادلة. ويطلق الكاتب علي مرحلة ما بعد الأزمة المالية العالمية "عصر القلق"، كناية عن غموض مآل التفاعلات الدولية، وانهيار موجة التفاؤل الدولي التي سادت مرحلة التسعينيات.

ويعرف الكاتب "عصر القلق" بأنه مرحلة انهيار الازدهار والاستقرار الدولي الذي يميز عصر العولمة ومرحلة عودة الأيديولوجيات القديمة، ونهاية تفرد الرأسمالية.

ويدرج في إطاره عدة تحولات، أهمها:

(1) تراجع القوة الاقتصادية الأمريكية والأحادية القطبية كأحد تداعيات الأزمة المالية العالمية.

(2) انتقال مركز القوة الاقتصادية من الولايات المتحدة إلى القارة الآسيوية، لاسيما مع الصعود الصيني.

(3) موجات التراجع الديمقراطي وعودة السلطوية والأيديولوجيات القومية، خاصة في آسيا وأمريكا اللاتينية.

(4) تصاعد التحديات الاقتصادية التي يواجهها الاتحاد الأوروبي واحتمالات انهيار تجربة التكامل الأوروبي، نتيجة عجز المنظمة عن احتوائها.

(5) احتدام التحديات الدولية العابرة للحدود البيئية والأمنية والاقتصادية، وعجز المجتمع الدولي عن مواجهتها، نتيجة التنافس علي الموارد النادرة.

كيف يمكن تجاوز حتميات الصراع العالمي؟

يشير الكاتب إلى أن هذه التحولات تعد بداية التغير في بنية النظام الدولي، وأن الولايات المتحدة لا يمكنها إجهاض تلك التحولات باستراتيجية استباقية للحيلولة دون فقدان مكانتها الدولية. بمعني آخر، فإن الاستجابة لمقتضيات الصراع الدولي ومنطق المباراة الصفرية لن تؤدي سوي للتبكير بفقدان الولايات المتحدة لمكانتها الدولية، وصعود القوي الجديدة، مع استمرار عدم الاستقرار والصراع علي المستوي الدولي.

تكمن الاستراتيجية الأفضل، من منظور الكاتب، في "الهدوء والاستمرار" علي حد تعبيره بمعني عدم الانجراف إلى الصراع مع القوي الصاعدة، والاستمرار في دعم التعاون الدولي، والاعتماد المتبادل لمواجهة التحديات الدولية.

ويري الكاتب أن الولايات المتحدة يجب أن تسعي لاحتواء القوي الصاعدة، مثل الصين، وتجنب المواجهة المباشرة بمعني اتباع الاستراتيجية نفسها التي أوصي بها "جورج كينان" لمواجهة المد السوفيتي منذ خمسينيات القرن العشرين. ويؤكد أن مهمة الولايات المتحدة لن تكون فقط الحفاظ علي انفرادها الدولي، وإنما إنقاذ العالم من صراع محتدم وممتد.

ويتضح من الكتاب الخط الليبرالي لـ "راتشمان"، بيد أن المراجعة التاريخية التي يطرحها لا تقدم الكثير للقارئ، ولا تضيف لما كتب في تحليل التحولات الدولية التالية للأزمة المالية العالمية، حيث تحتل الخلفيات التعريفية بالشخصيات المحورية، مثل "مارجريت تاتشر"، و"رونالد ريجان"، و"بيل جيتس" مساحة واسعة بالكتاب، علي الرغم من كونها تفاصيل لا تخدم الأطروحة الرئيسية للكاتب. ويبدو الخلط المفاهيمي واضحا، فيتعامل الكاتب مع العولمة والنظام الدولي الجديد علي أنهما مترادفان.

ويربط بين نظرية السلام الديمقراطي لـ "إيمانويل كانط" والرأسمالية، علي الرغم من عدم وضوح العلاقة بينهما. وفي النهاية، لا يقدم سوي استراتيجية تقليدية لمواجهة التحولات الدولية. ويعيد طرح استراتيجيات الاحتواء والمواجهة، وهو ما يعيدنا للتضارب في أفكار الكاتب، وتوظيفه لاستراتيجيات واقعية لتحقيق غايات ليبرالية.

طباعة

    تعريف الكاتب

    جيدون راتشمان

    جيدون راتشمان

    محرر قسم العلاقات الدولية بصحيفة فايننشال تايمز‮