مصر

مسارات البناء المصري في الذكرى الخامسة لثورة 30 يونيو

طباعة
تطرح الذكرى الخامسة لثورة 30 يونيو، التي أسقطت حكم تنظيم الإخوان المحظور، تساؤلا أساسيا يتعلق بمسارات البناء المصري ورهاناته المستقبلية. وترتبط تلك المسارات بسعي الدولة المصرية في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى تجاوز الأزمات التي خلفها حكم الرئيس السابق محمد مرسي ، حيث سعى إلى أخونة الدولة، وتجاهل الدستور، وإقصاء المعارضة، والإفراج عن المتهمين في قضايا إرهابية. 
 
حتمية  ثورة 30 يونيو:
ثمة تحولات كاشفة خلال فترة حكم تنظيم الإخوان فرضت "حتمية" ثورة الثلاثين من يونيو، و"إلزامية" بيان الثالث من يوليو، خاصة في ظل تنامي ظاهرة "أخونة الدولة"، وتمسك محمد مرسى برئيس وزراء، اعتبرته قوى المعارضة وقطاع واسع من الشعب المصري هو الأفشل في تاريخ البلاد.
أضف إلى ذلك، تمسك مرسي وجماعته بحكومة، أغلبها من أعضاء التنظيم ومناصريهم متجاهلا الدستور، الذي ينص على ضرورة أن تنال الحكومة ثقة البرلمان، وتحظى بالتوافق الوطني، وذلك بالتزامن مع معطيات محلية وإقليمية شديدة الوطأة على الأمن المصري، في ظل تصاعد موجات النشاط الإرهابي في المنطقة العربية المصاحب لتنامي سيطرة التيارات الإسلامية في دول الربيع العربي.  
انطلاقا من الحفاظ على الهوية المصرية، وثوابتها السياسية الداخلية والخارجية، ورداً على ما أنتجته فترة حكم تنظيم الإخوان من خلل سياسي واجتماعى واقتصادى، فقد تنامت موجات الحركات الجماهيرية، وفى مقدمتها حركة "تمرد" التي سعت لتفعيل الحشد الشعبي لمواجهة أخونة الدولة.
ومع تعاظم الأداء السياسي "السلطوي" لنظام الإخوان في السلطة، وسعيهم إلى تفريغ الساحة السياسية لصالحهم. جاءت ثورة 30 يونيو كرد فعل شعبي رافض للتحركات الإخوانية الرامية لخدمه أجندتهم التنظيمية فى الداخل والخارج، والتي كان من أبرزها: 
- عدم احترام الإخوان لسيادة القضاء: إذ افتعل الإخوان أزمات متتالية مع السلطة القضائية بدأت بإقصاء النائب العام، مرورا بإصدار محمد مرسي إعلانات دستورية تمس القضاء والحريات العامة، ومحاصرة أنصاره من التنظيم المحكمة الدستورية، رافعين شعار تطهير القضاء، وذلك ردًا على ما حكمت به محكمة القضاء الإداري بوقف قرار تنظيم الانتخابات البرلمانية، مما تسبب في إثارة غضب الرأي العام.
- إصدار مرسي عفوا رئاسيا عن الإرهابيين: فقد أصدر المعزول قرار العفو عن السجناء شمل 588 سجينًا بينهم فلسطينيين، وذلك بعد 19 يوما فقط من تقلده منصب رئاسة الجمهورية، كانوا متهمين في عدد من القضايا، أبرزها، حيازة أسلحة وذخيرة، واستعراض قوة، وسرقة دون سلاح. كما أصدر مرسي قرارات عفو عن متهمين في قضية تنظيم الإخوان الدولي على رأسهم، الداعية وجدي غنيم، وإبراهيم منير، الأمين العام لذلك التنظيم المحظور، والقيادي الإخواني يوسف ندا، وغيرهم، بالإضافة للسجناء في قضايا إرهابية والمحكوم عليهم في قضايا تمس الأمن القومي للبلاد.
- تهديد السلم الاجتماعي: فقد أدت ممارسات تنظيم الإخوان إلى تهديد الوحدة الوطنية بالداخل المصرى، فضلا عن فشل مرسي في توحيد القوى الثورية والمدنية والسياسية تحت مبدأ المشاركة، وعمد بالمقابل على تغليب مبدأ المغالبة، بالإضافة إلى ارتفاع وتيرة الاضطهاد ضد الأقباط، وهو ما برز في فتنة كنيسة الخصوص، فضلا عن التراخى فى استصدار القوانين الخاصة ببناء الكنائس.
- سياسات الإقصاء وأخونة الدولة : فخلال 8 أشهر من عام حكم مرسى، عمدت تنظيم الإخوان المحظور لاختراق جميع أجهزة الدولة للسيطرة عليها، وتقليد أتباعهم، ومن يدينون بالولاء لأفكار الجماعة مناصب وزارية، أو مستشارين للوزراء، وكذلك محافظين، ورؤساء للأحياء والمراكز، فضلا عن الانتشار الموسع لإحكام السيطرة على أجهزة الشرطة والقضاء. 
- الانفراد بصياغة دستور 2012 : فقد صدر دستور 2012 مفتقدًا للتوافق الوطني، خاصة أن غالبية أعضاء لجنة صياغة الدستور من حزب الحرية والعدالة "الحزب الحاكم آنذاك" وحلفائه من الإسلاميين، وانفرد تنظيم الإخوان باختيار أعضاء جمعية تأسيسية، متجاهلة الحديث عن التوافق، فيما انسحب ممثلو الكنائس وبعض التيارات الليبرالية من لجنة صياغة الدستور، مما أدى إلى زيادة حالة الاستقطاب في الشارع المصري .
- أخونة المنابر الإعلامية والثقافية: لإدراك تنظيم الإخوان المحظور مدى أهمية الأداة الإعلامية فى دعم شرعية أجندتهم الخاصة، فقد سعى الإخوان لاختراق ماسبيرو وزرع عناصرهم بداخله، كما سعوا لأخونة المؤسسات الصحفية والإعلامية الأخرى، بالإضافة لملاحقة الإعلاميين المعارضين. وتفاقم الأمر بمحاصرة أنصار الإخوان لمدينة الإنتاج الإعلامي والتهديد باقتحامها، فضلا عن محاولاتهم الرامية لتغيير الهوية الثقافية المصرية، وتحويل قصور الثقافة إلي منابر إخوانية لنشر الفكر المتطرف لسيد قطب وحسن البنا، وغيرهم، وإقصاء قيادات وزارة الثقافة واستبدالها بشخصيات تدين بالولاء للجماعة.
- اتساع الأزمات الاقتصادية: فقد أثرت الأوضاع السياسية والأمنية غير المستقرة بشكل كبير فى الأوضاع الاقتصادية بالداخل، فضلا عن مشروع النهضة الإخواني، والذي حمل الكثير من التناقضات، فضلا عن ضبابية آليات تنفيذه، مما أسهم فى تدهور التصنيف الائتماني لمصر على المستوى الدولي ليصل إلى مستوى أقل من التصنيف العالمي للدول المتعثرة. 
- تراجع السياسة الخارجية : فقد تسببت سياسات الإخوان فى تراجع علاقات مصر بدول محورية عديدة، خاصة في العالم العربي، فضلا عن دول الإتحاد الأوروبى باستثناء العلاقات مع دول تدعم قوى تيار الإسلام السياسى وحكم الإخوان في مصر، مثل تركيا وقطر.
- سوء إدارة ملف سد النهضة: فقد أسهم  بث اجتماع للقوى السياسية على الهواء مباشرة، ومناقشة مسألة تخص الأمن القومي للبلاد في أزمة دبلوماسية وتوتر العلاقات مع إثيوبيا، مما قد ينهى أى محاولات لفتح حوار مع أديس أبابا بشأن سد النهضة للحفاظ على حقوق مصر المائية.
 
مسارات البناء:  
جاء بيان الثالث من يوليو ليحمل ثلاثة مسارات رئيسية شكلت رهانا داخليا وإقليميا حول ضمانات الاستقرار، وماهية البناء بالداخل المصرى، وتم التعبير عنها وتوثيق خطواتها، خلال الخمس سنوات الماضية وحتى يومنا هذا، وذلك من خلال :  
- رهان المسار الأول: محاربة الإرهاب والتطرف ومن يدعمونه، سواء بالداخل المصري، أو من دول أخرى. وهو ما تم منذ ثورة 30 يونيو 2013 وحتى يومنا هذا، وصولا لعملية المجابهة الشاملة  "العملية سيناء 2018"، والتى استطاعت، وفقا لبيانات المتحدث العسكرى، إنجاز ما يفوق الـ90% من أهدافها، والرد عمليا بإحباط الخريطة النوعية لتحركات التنظيمات الإرهابية - التى تحدث عنها قادة تنظيم الإخوان عقب سقوط نظامهم وما أعقبها من أحداث فض رابعة - بالداخل المصرى، ونسف محاورها الأربعة والمتمثلة فى، الأول: السيطرة على شمال سيناء، ومحاولة إعلان "الخلافة الإسلامية" المزعومة، الثاني: إفشال الدولة، وعدم تمكينها من تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين كالأمن والكهرباء والأدوية والتعليم. بينما الثالث: يتعلق بالانتقام من رجال الشرطة، والجيش، ورجال القضاء، وبعض رجال الدين، والشخصيات العامة المؤيدة لنظام 30 يونيو، وصولا للمحور الرابع: المتمثل في مهاجمة الكنائس والمساجد، كمحاولة لإحراج النظام داخليا وخارجيا. 
- رهان المسار الثانى : وهو ما تمثل فى إنجاز الاستحقاقات الثلاثية السياسية، ورسم معالم الطريق للمستقبل، من خلال "خارطة طريق" تم تنفيذها وفقا لجدول زمني محدد، إذ جرى الاستحقاق الأول: بإقرار دستور 2014 بعد تعطيل العمل بدستور 2012، وتعيين المستشار عدلي منصور رئيس المحكمة الدستورية العليا رئيساً للجمهورية بشكل مؤقت لحين إجراء انتخابات رئاسية، ثم حققت مصر الاستحقاق الثاني بانتخاب الرئيس عبدالفتاح السيسي وحلف اليمين الدستورية رئيساً للجمهورية في يونيو 2014. تلى ذلك الاستحقاق الثالث والأخير، وهو انتخابات مجلس النواب وتشكيل برلمان مصر 2015، ليكتمل بهذا بنيان الهيكل التنظيمي للدولة المصرية من أسس وقواعد وأركان دستورية، وتشريعية، ورقابية، ونيابية، وتنفيذية، وإدارية. 
- رهان المسار الثالث: وهو ما تمثل فى استراتيجية التنمية المستدامة "مصر 2030"، وخطة التنمية من أجل إصلاح الاقتصاد والنهوض بمصر، والتى جاءت وفقا لآلية "التخطيط بالمشاركة"، وذلك بمشاركة مجتمعية واسعة لتراعى مستهدفات الوزارات والأجهزة الحكومية المختلفة، ورؤية كل من القطاع الخاص والمجتمع المدنى، أخذا فى الحسبان كل الأولويات والاستحقاقات التى نص عليها دستور مصر 2014، وكذلك الدروس المستفادة من كل الاستراتيجيات والرؤى والدراسات المتميزة السابقة على المستويين المحلى والدولي، بما يتوافق مع الأهداف الأصيلة للتنمية المستدامة التى أعلنتها الأمم المتحدة فى سبتمبر 2015، وكذلك مع أجندة إفريقيا 2063.
 
نخلص من ذلك إلى أن الذكرى الخامسة من ثورة 30 يونيو، قد توافقت مع الاستمرار الشعبى لتجديد الثقة بالرئيس عبدالفتاح السيسى لولاية رئاسية ثانية، واستكمال متطلبات إعادة بناء الدولة التوافقية، وفقا لما تم التعبير عنه في بيان 3 يوليو، والذي أفشل مخطط التيار الإسلامي وتنظيم الإخوان المحظور، سواء في اقتناص "الدولة"، أو إقرار العنف الإرهابي الممنهج الرامي لزعزعة استقرار الدولة.
 
طباعة

    تعريف الكاتب

    د. إيمان زهران

    د. إيمان زهران

    متخصصة في العلاقات الدولية والأمن الإقليمي