كتب - كتب أجنبية

البرازيل‮ .. ‬الصعود المضطرب لقوة دولية

طباعة
عرض: محمد مسعد العربي - باحث بمكتبة الإسكندرية
 
Michael Reid,Brazil: The troubled rise of a global power,(New Haven: Yale University Press, 2014)
 
تعد البرازيل إحدى أهم الدول المرشحة لتكون قطبا في أي نظام دولي تعددي‮.‬ غير أن صعودها من مصاف دول العالم الثالث إلي مصاف الدول القائمة لا‮ ‬يزال محفوفا بالمخاطر، وعلي رأسها الاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية المصاحبة للتحولات السياسية والاقتصادية الجارية علي قدم وساق منذ منتصف العقد الأول من الألفية الحالية،‮ ‬من خلال الإصلاحات التي قام بها الزعيم السابق لولا دي سيلفا‮. ‬وهو ما اتضح في الفترة التالية علي نهاية ولاية دي سيلفا،‮ ‬وتولي ديلما روسيف‮. 
 
‬ومن هنا،‮ ‬تأتي أهمية هذا الكتاب الذي تزامن إصداره مع إقامة بطولة كرة القدم العالمية في الصيف الماضي‮ (‬يونيو‮ ‬2014‮) ‬في البرازيل،‮ ‬صاحبة الباع في هذه اللعبة‮. ‬وأشار البعض إلي أن هزيمة البرازيل في البطولة وخروجها منها مبكرا جاءا مصدقا لحالة الاضطراب التي يشير إليها الكتاب‮.‬
 
ومؤلف هذا الكتاب، مايكل ريد،‮ ‬يعد من أهم الخبراء الغربيين بأمريكا اللاتينية وشئونها، وهو كاتب عمود في مجلة الإيكونوميست البريطانية، وعمل مراسلا للجريدة نفسها في البرازيل في الفترة من‮ ‬1996‮ ‬إلي‮ ‬1999، كما أن له العديد من المؤلفات الأخري عن أمريكا اللاتينية، أبرزها كوبا‮: ‬الثورة في تراجع‮ (‬2012‮)‬، القارة المنسية‮: ‬الصراع علي روح أمريكا اللاتينية‮ (‬2008‮). ‬وقد صدرت من كتابه الأخير عن البرازيل عدة طبعات‮.‬
 
الاستثناء البرازيلي في الجغرافيا والتاريخ‮:‬
 
في الفصول الأولي من الكتاب المكون من‮ ‬14‮ ‬فصلا، يتناول‮ "‬ريد‮" ‬التجربة التاريخية لتشكل البرازيل كدولة وكمجتمع،‮ ‬والإرث التاريخي الذي لا‮ ‬يزال يلقي بأعبائه عليها في الوقت الحاضر‮. ‬فتختلف البرازيل عن جاراتها اللاتينيات بحجمها الكبير الذي يضاهي أكثر من نصف حجم القارة اللاتينية،‮ ‬وبلغتها اللاتينية المختلفة عن محيطها الإسباني‮. ‬ولم يكن احتلال البرتغال للبرازيل،‮ ‬منذ بداية القرن الخامس عشر حتي بداية القرن التاسع عشر،‮ ‬بشراسة احتلال القوي الأوروبية لبقية العالم‮.‬ أورث هذا البرازيل رغبة في حل الأزمات عن طريق الإجماع،‮ ‬لا عن طريق الصراع، كما أن استقلالها عن لشبونة لم يأت من خلال حرب تحرير طويلة الأمد كتلك التي قادها بوليفار في بقية القارة، بل من خلال توافق سياسي مع العرش‮. ‬كما أن للبرازيل،‮ ‬قبل قريناتها،‮ ‬تجربة اقتصادية تنموية علي يد الرئيس جيتوليو دورنيلليس فارجاس‮ (‬1930‮ - ‬1954‮)‬، والذي يؤكد‮ "‬ريد‮" ‬أنه كان من‮ "‬أسس لنظام الأمة التي يحصل فيها الأفراد علي المنافع والمواطنة والإدماج الاجتماعي من أعلي،‮ ‬لا من خلال اكتسابها عبر الديمقراطية‮"‬، وأطلق علي هذه السياسات اسم‮ "‬النظام الموجه‮".
 
 ‬ولا تزال تبعات هذا النظام وما أنتج من تغيرات اجتماعية مؤثرا في حاضر البرازيل‮. ‬فعلي الرغم من أن هذه السياسة أنتجت سياسات بناء في الزراعة ومجالات أخري لمدة ثلاثة عقود حتي الثمانينيات،‮ ‬فإنها أيضا أنتجت المركزية الشديدة في الإدارة الاقتصادية،‮ ‬والتصاقا كبيرا بالدولة علي النحو الذي يعوق تحرير الاقتصاد علي نحو كامل‮.‬
 
جاء الرئيس دي سيلفا،‮ ‬كما يشير ريد،‮ ‬من خلفية يسارية راديكالية معادية لتدخلات الدولة والديكتاتورية العسكرية، غير أنه تحول مع سياسات الرئيس انريك فيرناندوكوردوسو إلي الإيمان برأسمالية موجهة تلعب دورا اجتماعيا‮. ‬خاض دي سيلفا الانتخابات الرئاسية‮ ‬2002،‮ ‬وفاز حزبه حزب العمال‮. ‬وخلال فترته الرئاسية الأولي، استطاع‮  ‬أن يرفع من معدلات النمو العام للبرازيل لتصل إلي‮ ‬7‭.‬5٪،‮ ‬وأن ترتقي البرازيل لتصبح خامس أكبر اقتصاد في العالم،‮ ‬والأكبر بين دول أمريكا اللاتينية‮. 
 
‬واستطاعت سياسته الاجتماعية،‮ ‬التي استلهمت سياسات فارجاس،‮ ‬أن تقلل من الفجوة الاقتصادية بين طبقات المجتمع‮. ‬وقد حاول دي سيلفا أن يبني علي إرث كان مندهشا من حجم الأزمات والكوارث التي سببها البرازيليون لأنفسهم‮. ‬ومع ذلك،‮ ‬يشير‮ "‬ريد‮" ‬إلي أن هذه النجاحات لم يكن لها مثيل في مجالات التدريب،‮ ‬والتعليم،‮ ‬والصحة،‮ ‬والتطوير، بل إن الدولة اتجهت في الفترة الأخيرة إلي فرض السياسة الحمائية‮. ‬نتج عن هذا وجود فجوة بين التحسن الفعلي في حياة الغالبية من البرازيليين،‮ ‬والإنتاجية الضئيلة للعمالة‮.‬
 
إحباطات ديلما روسيف‮:‬
 
يري‮ "‬ريد‮" ‬أن هذه السياسات القاصرة، والمتمثلة في عدم استثمار الدولة في عمليات التنمية المستقبلية المستدامة، أدت إلي ما يطلق عليه‮ "‬إحباط ديلما‮"‬،‮ ‬ويقصد به نتائج السياسات المخيبة التي اتبعتها رئيسة البرازيل الحالية،‮ ‬ديلما روسيف،‮ ‬خليفة دي سيلفا في قيادة حزب العمال البرازيلي‮. ‬فقد هبط معدل النمو العام في أول عامين من رئاستها إلي‮ ‬2٪،‮ ‬علي نحو فاقم من الأزمات الاجتماعية،‮ ‬ودفع الملايين إلي الشوارع مطالبين بتحسين الخدمات العامة في عام‮ ‬2013، وهي المظاهرات التي استمرت حتي وقت عقد بطولة كأس العالم لكرة القدم‮.‬
 
كما يري‮ "‬ريد‮" ‬أن هذه المظاهرات التي نتجت عن استثمار الدولة لنسبة ضئيلة من دخلها في الخدمات العامة‮ ‬3٪‮ ‬وضعت نموذج التنمية الرأسمالية التي تقودها الدولة محل تساؤل،‮ ‬خاصة مع تفاقم درجة الفساد في جهاز الدولة،‮ ‬مع ترسيخ هذا النموذج،‮ ‬الذي أصبح يخدم شريحة بسيطة من المنتفعين‮. ‬وبالتالي، أصبح السؤال الموجه للقيادة السياسية هو‮:‬ هل يمكن لهؤلاء المنتفعين تغيير النظام الذي يستفيدون منه؟‮.‬
 
يؤكد‮ "‬ريد‮" ‬أن جزءا كبيرا من مسئولي الدولة في البرازيل يعاني الاعتقاد السائد بأن النمو الاقتصادي قد يتحقق من خلال التلاعب بالمقدرات العامة‮.‬ كما أن المركزية البيروقراطية تقف أمام إحداث تغيير جذري في ثقافة مؤسسة الدولة والمتعاملين معها، حيث أصبحت الإنجازات التي تحققت للفقراء مهددة مع تهديد‮ ‬35‮ ‬مليون مواطن بالفقر‮.‬
 
ويقول‮ "‬ريد‮" ‬إنه علي الرغم من أن البرازيل ليس لديها تاريخ طويل من التمييز بين المواطنين، في الوقت الذي عاني‮ ‬غيرها التمييز العنصري،‮ ‬فإنها أصبحت،‮ ‬بسبب تعثر سياساتها الاجتماعية،‮ ‬واستشراء الفساد،‮ ‬واحدة من أكثر الدول من حيث انعدام المساواة بين المواطنين‮.‬
 
تعوق هذه الأزمات البرازيل عن الاستمرار في التأسيس لنفسها كقوة كبري في النظام الدولي الحالي أو المستقبلي، خاصة أنها اختارت حتي مع فترة دي سيلفا أن تُحجم عن أي مشاركة فعالة في الأزمات الدولية‮. ‬وهنا،‮ ‬يلوم‮ "‬ريد‮" ‬القيادة البرازيلية لعدم الإفادة من الخبرات الغربية أو الأمريكية في التعاون الدولي،‮ ‬خاصة في حروب مواجهة الإرهاب في أفغانستان،‮ ‬والشروق الأوسط‮. ‬وهو استنتاج يراه كثيرون متأثرا بتحيزات الكاتب الغربية، خاصة أن هذه المشاركة لم تكن لتضمن لها أي تفعيل لدورها العالمي‮.‬
 
يشير‮ "‬ريد‮" ‬عبر كتابه إلي الدور الفعال الذي استطاعت البرازيل لعبه في التنظيمات الاقتصادية الدولية مثل البريكس،‮ ‬التي تضم‮ (‬البرازيل،‮ ‬وروسيا،‮ ‬والهند،‮ ‬والصين،‮ ‬وجنوب إفريقيا‮)‬،‮ ‬ويتوقع لها أن تجابه الهيمنة الاقتصادية الغربية‮. ‬كما يوضح أيضا أن العلاقة بين البرازيل والولايات المتحدة الأمريكية لا تزال تتخللها عوامل انعدام الثقة،‮ ‬وعدم الاتجاه إلي التحالف‮.‬
 
علي الرغم من أن‮ "‬ريد‮" ‬يلجأ عبر فصول كتابه إلي القراءة التحليلية للتاريخ البرازيلي لتناول تأثيره في أزمات النمو الاقتصادي،‮ ‬وقصور سياسات التنمية التي تقودها الدولة، فإن الكتاب لا يخلو من محاولة لاستشراف المستقبل الممكن تحقيقه في حال التغلب علي الأزمات الحالية‮. ‬ومن هنا،‮ ‬يطالب‮ "‬ريد‮" ‬بضرورة توسيع القاعدة الديمقراطية بمنح الأحزاب السياسية البرازيلية قدرة أكبر علي الحركة والفعل،‮ ‬وبتغيير جذري في العقلية العامة للمجتمع والدولة‮. ‬كما أن الكتاب اعتمد، بحكم الخلفية الصحافية لـ‮ "‬ريد‮"‬، علي مجموعة موسعة من اللقاءات مع عدد كبير من المسئولين والمعنيين بقضية التنمية في البلاد،‮ ‬علي نحو جعله ينقل الصورة في البلاد بشكل حي‮.‬
طباعة

    تعريف الكاتب

    مايكل ريد

    مايكل ريد

    خبير في شئون أمريكا اللاتينية