مقالات رأى

الموقف الأميركي من الأزمة السورية

طباعة

الليبراليون من القائلين بضرورة التدخل في النزاعات الأجنبية لاعتبارات إنسانية داخل إدارة أوباما كانوا حزينين الأسبوع الماضي الذي حلت فيه الذكرى العشرين لحصار سراييفو، عندما قام الجيش الصربي بضرب مدينة ملأى بالمدنيين بالمدفعية في وقت أصدرت فيه الولايات المتحدة نداءات تحذير غير فعالة. غير أن المقارنة مع مذابح هذا العام في سوريا كانت موفقة وصحيحة على نحو مؤلم.

فاليوم ومثل الأمس، طلب مجلس الأمن الدولي من كلا الجانبين وقف إطلاق النار، ولكن بدون جدوى عموماً. واليوم مثل الأمس، ترفض الولايات المتحدة وحلفاؤها فكرة التدخل العسكري باعتبارها خطيرة جداً ومن المرجح أن تؤجج العنف بدلاً من أن تنهيه.

وللتذكير، فقد تطلب الأمر أكثر من ثلاث سنوات والعديد من المذابح في البوسنة حتى تقرر الولايات المتحدة أن الضغوط الدبلوماسية والعقوبات ليست كافية، حيث أمر بيل كلينتون- الرئيس الأميركي آنذاك- بتنفيذ ضربات جوية ضد صرب البوسنة في أغسطس 1995، وهو ما غير مجرى الحرب وأفضى إلى مفاوضات سلام في غضون أسابيع.

غير أن ثمة فرقاً كبيراً بين الوضع في البوسنة والوضع في سوريا، ويتمثل في حقيقة أن الوقت هذه المرة يمر بسرعة أكبر. فعلى رغم أن إدارة أوباما مازالت تأمل في تجنب تدخل عسكري في سوريا وتدعم علناً جهداً ترعاه الأمم المتحدة لرعاية وقف لإطلاق النار هذا الأسبوع، إلا أنها خطت خطوة عن قصد على منحدر زلق من المرجح أن يؤدي إلى مزيد من التدخل.

وخلافاً للبوسنة، حيث سعت الولايات المتحدة وحلفاؤها في البداية إلى تبني موقفاً محايداً في حرب أهلية، فإن الولايات المتحدة هذه المرة اختارت الاصطفاف في صف معين، حيث دعت بشار إلى التنحي عن الحكم، وتبنت المجلس الوطني السوري المعارض.

وفي هذا الإطار، أعلنت وزيرة الخارجية الأميركية، في اجتماع عقد في اسطنبول الأسبوع الماضي، عن زيادة المساعدات الأميركية للمعارضة حيث أشارت علناً إلى مضاعفة حجم المساعدات الطبية والإنسانية، إضافة إلى توفير معدات اتصال. وبشكل أقل علنية، أكد مسؤولون أن الحزمة الجديدة تشمل أيضاً مساعدات "غير مميتة" سيتم إرسالها إلى الجيش السوري الحر - (القوات المسلحة المعارضة التي شُكلت حديثاً) - وتشمل معدات للرؤية الليلية ومعلومات استخباراتية أميركية من قبيل الإشعار المبكر بتحركات القوات السورية.

ثم إنه إذا كانت الولايات المتحدة قد قررت عدم تقديم أسلحة للثوار، فإنها لا تعترض على التمويل العسكري أو إرسال أسلحة من دول ترغب في رؤية سقوط الأسد.

على المدى القصير، تقول الإدارة الأميركية إنها مازالت تأمل في أن يستطيع أمين عام الأمم المتحدة السابق كوفي عنان التوصل إلى اتفاق لوقف لإطلاق النار، وأن يقرر الأسد التنحي. غير أنني لم أستطع الأسبوع الماضي إيجاد أحد في إدارة أوباما يعتقد أن تلك نتيجة محتملة. ولعل أحد أسباب ذلك أن الأسد يعتقد أنه بصدد الفوز، وبالتالي، فليس ثمة سبب حتى يستسلم الآن. وعليه، فإن أفضل أمل الآن على ما يبدو هو أن يصبح القمع الحكومي أقل إماتة.

وفي حال تباطؤ وتيرة القتل، فإن ذلك يمكن أن يؤدي إلى كسب وقت: وقت للعقوبات الاقتصادية حتى تُضعف النظام، ووقت لإقناع روسيا بتغيير خندقها والتخلي عن الأسد، ولكن أيضاً وقت للمعارضة وجيشها الجديد حتى تنظم صفوفها وتتحول إلى قوة أكثر فعالية.

أما إذا فشلت هذه التدابير في إسقاط الأسد، فإن الإدارة تبدو منقسمة حول السرعة التي ينبغي الانتقال بها نحو تدخل عسكري. فـ"البنتاجون" متردد في الانخراط في حرب أخرى، مثلما هو حال "البنتاجون" دائماً. ومستشار أوباما في الأمن القومي "توم دونيلون" رمى بثقله أيضاً ضد أي إغراء في مرحلة ما بعد التدخل في ليبيا لـ"عسكرة" مشكلة أخرى. هذا في حين صدرت عن وزارة الخارجية الأميركية التي تقودها كلينتون أكثر المواقف تشدداً – ربما لأن كلينتون هي التي صدرت عنها معظم تصريحات الإدارة التي تدعو الأسد إلى الرحيل.

غير أن حتى "الصقور" في الإدارة لا يعتقدون أن لحظة التدخل العسكري للولايات المتحدة أو "الناتو" قد حلت بعد، ويرغبون في أن يقدم مجلس الأمن الدولي مباركته لأي خطوة من هذا القبيل أولاً، أو على الأقل "الناتو" – إذا استمرت روسيا والصين في المقاومة. كما يرغبون أن تكون المعارضة السورية أحسن تنظيماً، مع ضمانات أكبر على أن المساعدات العسكرية لن تقع بين أيدي الإسلاميين المتشددين. ويرغبون أيضاً في أن تقوم تركيا بإقامة مناطق آمنة للمعارضة على طول الحدود مع سوريا.

غير أن سؤال التدخل العسكري سيتغير في الأخير من "إذا" إلى "متى"، وذلك لأن الولايات المتحدة التزمت أصلاًً بالمساعدة على إسقاط الأسد، وتبحث فقط عن الطريقة الأقل عنفاً وكلفة للوصول إلى هذا الهدف.

لقد تطلب الأمر في البوسنة أكثر من ثلاث سنوات حتى تتغلب الولايات المتحدة على تحفظاتها وتلجأ إلى القوة العسكرية، ولكن ذلك حدث قبل جيل من اليوم، عندما كانت فكرة التدخل الإنساني في حرب أهلية مازالت جديدة.

----------------
* نقلا عن الاتحاد الإماراتية، الأربعاء 11/4/2012.

طباعة

تعريف الكاتب

دويل مكمانوس

دويل مكمانوس

محلل سياسي أميركي