مقالات رأى

ويبقى الأثر

طباعة
رحلت هالة مصطفى، لكن ما تتركه القامات الحقيقية لا يُختصر في سيرة، ولا يُغلق برحيل. يبقى ممتدًا في العقول التي أعادت تشكيلها، وفي الوعي الذي ساهمت في بنائه بصمت وثقة. لم تكن أستاذة عابرة في مسار أكاديمي، بل كانت نقطة تحول، لحظة تأسيس أعادت تعريف معنى أن تكون باحثًا.
 
تعلمت منها أن البحث ليس حرفة، بل مسؤولية. وأن الاقتراب من قضايا الحكم والسياسة يتطلب صرامة في المنهج، ونزاهة في التحليل، وشجاعة في طرح الأسئلة التي يتجنبها الآخرون. لم تكن تقبل بالحلول السهلة، ولا بالاقتباسات الجاهزة، بل كانت تدفعنا إلى تفكيك الظواهر، وإعادة تركيبها، وفهم ما وراء النصوص قبل الاكتفاء بما تقوله.
 
داخل تجربة مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، لم تكن مجرد جزء من مؤسسة، بل كانت أحد تجليات روحها. هناك تعلمنا أن الانضباط ليس إجراءً إداريًا، بل قيمة، وأن الانتماء للدولة الوطنية لا يتناقض مع الاستقلال الفكري، بل يؤسسه ويمنحه معنى. غرست فينا أن الباحث الحقيقي لا ينجرف وراء اللحظة، بل يقرأها في سياقها، ويضعها في ميزان أوسع من الضجيج العابر.
 
على المستوى الإنساني، كانت نموذجًا نادرًا في التوازن بين الحزم والرقي. حاضرة دون استعراض، صارمة دون قسوة، وقريبة دون أن تفقد هيبتها. كانت تعرف كيف تصنع من التفاصيل الصغيرة درسًا، ومن المواقف العابرة قاعدة تُبنى عليها شخصية كاملة. لم تكن تعطيك الإجابات، بل تعلّمك كيف تصل إليها، وهذه هي القيمة التي لا تزول.
 
رحيلها خسارة حقيقية، لكنه لا يلغي ما زرعته. يبقى أثرها في كل محاولة جادة للفهم، في كل تحليل يحترم العقل، في كل موقف يرفض التبسيط المُخل. هكذا يُقاس المعلمون الكبار: ليس بما قالوه فقط، بل بما تركوه حيًا في تلاميذهم من معايير لا تقبل التنازل.
 
رحمها الله، وبقيت مدرستها قائمة فينا فيما تركته من مدرسة خاصة في العلوم السياسية نحرص في مجلة الديمقراطية -التي أشرف برئاسة تحريرها وهي المؤسس الأول لها- أن نتبعها، تُذكّرنا في كل يوم أن ما تعلمناه منها ليس ماضيًا، بل التزام مستمر.
طباعة

    تعريف الكاتب

    أحمد ناجي قمحة

    أحمد ناجي قمحة

    رئيس تحرير مجلتى السياسة الدولية والديمقراطية