نشأت في أسرة كاثوليكية، تنتمي إلي عائلة كاثوليكية كبيرة بها قساوسة، ورهبان، وراهبات من طائفة الأقباط الكاثوليك المصرية.
وكانت ولا تزال الطقوس الكاثوليكية تمارس بشكل يومي وإن كان أشهرها الذهاب إلي الكنيسة يوم الأحد.
والمذهب الكاثوليكي باختصار هي الكنيسة التي أسسها "بطرس" تلميذ يسوع المسيح النجيب، ومقرها "الفاتيكان" لذلك يقال عن "البابا" هو خليفة القديس بطرس.
وتعتمد على المنطق، والدليل، والبرهان في الشرح والتفسير بـ "أمثلة" وبأدلة مادية وثائقية لنفي ما قام به واحد من التلاميذ ويدعي "توما" حينما أعلن أنه لن يؤمن إلا إذا رأى آثار أماكن مسامير الصلب في يد ورجل المسيح.
ومن ضمن قائمة ما يستعان به في الشرح والتفسير هي "الأعمال الفنية" المرسومة، والملونة، والمنحوتة.
لذلك كنت أرى كثيرا صور أعمال فنية "دينية"، في البيت، والكنيسة، والمدرسة وفي الكتب الدينية والكتب الدراسية المعنية بدراسة الفنون الجميلة، حيث إن الجزء الخاص بالرسومات الدينية هو جزء مهم وضخم ولا يمكن لأي طالب أو دارس فنون جميلة أن يكمل تعليمه دون هذه الأعمال الفنية.
بعضها شهير مخلد مثل أعمال "مايكل أنجلو" وبعضها موجود في معظم كاتدرائيات وكنائس ومتاحف كل دول أوروبا العظمى في فترة عصر النهضة الأوروبية.
وبعد أن أنهيت دراستي في كلية الفنون الجميلة، بدأت فكرة لوحة دينية تظهر، وكنت أحاول تجنبها وصرفها.
لأن رسم مشهد ديني هو أمر على درجة من الصعوبة ولا يحتمل المجازفة، وعلى الفنان أن يدرك أن تناول أي موضوع ديني لابد أن يكون صادرا من القلب وله دافع يتسم بأحقية هذا الفعل.
ولم أفلح في صرفها بل جازفت بطرحها.
وأول هذه اللوحات كانت لوحة "العشاء الأخير"، من مادة تاريخ الفن، كان هناك اسم فنان هو الأول في تاريخ هذه المرحلة المعروفة بـ "عصر النهضة"، المدعو ليوناردو دا ڤينشي.
* له لوحتان خالدتان، الموناليزا والعشاء الأخير.
* وعندما تأملت، لوحة العشاء الأخير، وبمقارنتها بتفاصيل الحدث الديني كما هو موصوف ومذكور في الإنجيل، أجد أن الفنان قد تناول اللوحة من منظوره الفني الخاص، في ترتيب المسيح مع تلاميذه في مواجهة الصورة كما لو كان يلتقط لهم صورة فوتوغرافية.
* لأن الرومان في ذلك العصر، العصر الروماني، كانوا يتناولون طعامهم في وضعية "الاستلقاء" (Reclining) ويقال "إتكأ" للأكل، وهي أصل كلمة "التكية" مكان مخصص للأكل أثناء الولائم، وهي وضعية جلوس مريحة تتضمن الاعتماد على وسائد أو الأثاث لإسناد الجزء العلوي من الجسم (مرفق صورتان).
وكان هذا الوضع مخصصا بشكل أساسي للرجال، وهي طريقة شائعة قديما في "المآدب".
بينما كانت النساء إما تجلسن على كراس أو في أجزاء أخرى من المائدة.
* وبعد سنوات الدراسة بدأت أتأمل كل لوحات العشاء الأخير، وتأكدت أن لكل فنان منظوره الخاص يستعرض به أفكاره وأعماله وأسلوبه.
* إن الفنان لابد أن يؤكد على إبداعه الأصيل عن طريق فكرة جديدة وأسلوب جديد.
* وكان التحدي كيف أوجد، كفنان، بلوحة العشاء الأخير من منظوري الخاص.
* لذلك تصورتهم يجلسون حول مائدة، كما هو الحال في عصرنا، في وقت العشاء، أي في ضوء الليل، ولكن لأنهم من زمن ليس به إضاءة، تخيلتهم بمساعدة أدوات الإنارة في ذلك العصر، الشموع، وتحديدا استخدمت ثلاث شمعات.
* وكان المسيح يمسك الكأس والخبز، ووضعت على شخص المسيح، علامة "الصليب" وهي تشبه إلي حد كبير العلامة ذاتها الموجودة في الأسلحة الحديثة للمساعدة على دقة التصويب و"التنشين" باعتباره الشخص المستهدف.
ووضعت أيضا كرسيا شاغرا أمام سبت من الخبز وشخصا، يدخل من عند الباب وقلت إن هذا الشخص هو "أنا" وهذا الكرسي هو لي.
* اللوحة تم عرضها في مصر أول مرة في معرض قام بافتتاحه "البابا شنودة سنة ١٩٩٦"، وشيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي، والمستشار السياسي لرئيس الجمهورية د. أسامة الباز.
* وكان البابا شنودة يقف في افتتاح المعرض أمام كل لوحة تلفت انتباهه، وكنت محظوظا أن قال لي كلمني عن اللوحة دي , وقلت له ما سبق وصفه، ابتسم وقال لي حلو أوي، انت فاجأتني بجرأتك، خيال الفنان مالوش حدود، الله هو الفنان الأول ونستلهم منه كل أعمالنا، لو استمريت على كده هيكون في مصر فنان كبير.
* اللوحة من ناحية الأسلوب تتبع المدرسة التعبيرية، ومعظم أعمالي تنتمي إلي هذه المدرسة.
اللوحة شاركت في معارض في نيويورك وتم استعارتها في متحف في منهاتن نيويورك لمدة ١٤ شهرا وفي فيترينة كنيسة في منهاتن نيويورك لمدة ثمانية أسابيع.
* اللوحة كانت الموضوع الأساسي في حوار مع الصحفي جمال نكروما لجريدة الأهرام ويكلي.
* وأيضا حوار مع الأب رفيق جريش لجريدة "الرسالة" والمعروفة بـLe Messagerالفرنسية.
* هذا الحدث، العشاء الأخير، هو احتفال ديني من سلسلة احتفالات يومية خلال ما يعرف بـ "أسبوع الآلام" والذي يختتم بـ "عيد القيامة" والذي يكون دائما أبدا يوم أحد يعقبه يوم الاثنين والمعروف بـ "شم النسيم".
* ولأنه العيد الكبير فهو مصحوب دائما أبدا بـ "الصوم الكبير".
كلمة الصوم في اللغة العربية معناها الإمساك، والترك، والامتناع، عن أي فعل أو قول، أيا كان.
ولذلك يكون الصوم بمعنى الصمت ويقال أيضا صامت الريح أي ركدت.
ولكن دينيا، منذ الديانة الفرعونية، كان القدماء المصريون في طقوس العبادة "يصومون"، والصوم هو الامتناع عن الطعام، والشراب، والجماع منذ الفجر حتى غروب الشمس وهو ذات الرتبة والطقس في الديانة اليهودية بالحكمة والتقنية نفسها.
أي إن "الصوم" هو الامتناع عن الطعام، والشراب، والجماع من "شروق الشمس" وحتى "المساء"، وهذا يعتبر صيام يوم واحد.
ولكن يمكن الاستمرار في صيام متصل دائم أكثر من يوم على حسب قدرة "الصائم"، إذا كان هناك "ندر" أو تكفير لتحقيق أمنية كما حدث مع "أستير (ملكة يهودية) "صامت" ثلاثة أيام متصلة دون طعام وشراب، صيام دائم لثلاثة أيام متصلة، و"داود النبي "صام" سبعة أيام" متصلة، صيام دائم لمدة سبعة أيام و"المسيح "صام" أربعين يوما" متصلة، صيام دائم لمدة أربعين يوما.
* واخترت لك عزيزي القارئ هذه "الآيات" من "الكتاب المقدس" لتوضيح المعنى.
١- من "سفر القضاة"، إصحاح "٢٠" آية "٢٦": فصعد بنو إسرائيل، الشعب كله، وأتوا بيت إيل وبكوا، وجلسوا هناك أمام الرب، وصاموا ذلك اليوم إلي المساء، وأصعدوا محرقات وذبائح سلامية أمام الرب.
٢- سفر صموئيل الثاني، إصحاح "١٢" آية "١٦": فتضرع داود إلى الله من أجل الولد، وصام داود ودخل بيته وبات مضطجعا على الأرض. (سبع أيام)
٣- سفر أستير، إصحاح "٤" آية "١٦": اذهب واجمع كل اليهود الذين في شوشن، وصوموا لأجلي، ولا تأكلوا ولا تشربوا ثلاثة أيام ليلا ونهارا، وأنا ووصيفاتي نصوم كذلك.
٤- إنجيل متى، إصحاح "٤" آية "٢": فصام أربعين يوما وأربعين ليلة حتى جاع.
* إذن كما هو واضح، بديهيا، ممارسة "الصوم" هو تضرع إلى "الله" وليس لـ "الناس".
* صوم المسيح، وهو دليل صوم المسيحيين والاسترشاد به والذي لا يمكن تطبيقه، لأنه "معجزة" من قائمة معجزات المسيح.
* لا يمكن لأي شخص أن يمتنع عن الطعام والشراب لمدة أربعين يوما، ولا يمكن الاعتماد على طريقة الصوم اليهودي نفسها من الفجر إلي المغرب، لذلك اقترحت "الكنيسة"، أن يكون الصوم لـ "الله" هو الصوم عن متع ورفاهية الدنيا بالدرجة الأولى ويكون الطعام والشراب بسيطا ومتقشفا ولا يحتوى على أي "لذة"، مع قائمة من الممنوعات.
* يعرف هذا الصوم بـ "الصوم الكبير" وباللغة الإنجليزية Lentوبالفرنسية Careme.
* واختم من إنجيل متى إصحاح ٦ الآيات ١٦- ١٨: ١٦ وإذا صمت فلا تعبسوا كالمرائين، فإنهم يكلحون وجوههم، ليظهر للناس أنهم صائمون. الحق أقول لكم إنهم أخذوا أجرهم. ١٧ أما أنت، فإذا صمت، فادهن رأسك واغسل وجهك، ١٨ لكيلا يظهر للناس أنك صائم، بل لأبيك الذي في الخفية، وأبوك الذي يرى في الخفية يجازيك.