تحليلات

الصومال بين تداعيات الحرب الإيرانية ــ الأمريكية وتعقيدات مسار بناء الدولة والاستقرار المؤسسي

طباعة

في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط والقرن الإفريقي، باتت تداعيات التصعيد بين إيران، وإسرائيل، والولايات المتحدة تتجاوز حدود ساحات المواجهة التقليدية، لتنعكس بصورة مباشرة على الدول الهشة أمنيًا واقتصاديًا، وفي مقدمتها الصومال، التي لا تزال تواجه تحديات معقدة تتعلق بإعادة بناء الدولة وترسيخ الاستقرار السياسي والأمني. فالصومال اليوم لا تواجه مجرد آثار جانبية للصراع الإقليمي، بل تجد نفسها في قلب بيئة استراتيجية مضطربة تهدد بإبعاد مسار التعافي الهش عن أهدافه طويلة المدى، خاصة في ظل اضطراب خطوط الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، وارتفاع أسعار النفط، وتراجع أولويات المجتمع الدولي تجاه ملفات التنمية والاستقرار داخل إفريقيا لصالح احتواء التصعيد في الشرق الأوسط. وتزداد خطورة هذه التداعيات مع استمرار هشاشة البنية السياسية الداخلية وضعف التوافق بين الحكومة الفيدرالية والأقاليم المختلفة، الأمر الذي يحد من قدرة الدولة على التعامل مع الضغوط الاقتصادية والأمنية المتصاعدة، بالتزامن مع استمرار تهديدات حركة الشباب والتحديات المرتبطة بإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية والسياسية. كما ساهم اعتراف إسرائيل في ديسمبر 2025 بإقليم صوماليلاند الانفصالي في تعميق حالة الاستقطاب الإقليمي، بما يعكس مدى قابلية الانقسامات الداخلية الصومالية للتوظيف ضمن حسابات القوى الدولية والإقليمية المتنافسة في القرن الإفريقي، فضلًا عن تصاعد التوترات بين الصومال وبعض القوى الإقليمية، بسبب الخلافات المرتبطة بالسيادة والتدخلات الخارجية داخل الأقاليم الصومالية. وفي الداخل أدى ضعف التماسك السياسي والانقسامات المؤسسية إلى تعقيد الاستعدادات الخاصة بالمرحلة الانتقالية المرتبطة بانتهاء ولاية الحكومة الحالية في 15 مايو، وهو ما يضع مقديشو أمام تحديات سياسية وأمنية دقيقة في توقيت بالغ الحساسية، خاصة مع احتمالات اتساع نطاق الصراعات الإقليمية وانعكاساتها على الداخل الصومالي. وفي ضوء هذه البيئة المضطربة، تبدو الصومال أكثر عرضة لمخاطر الانزلاق نحو مزيد من عدم الاستقرار، في حال فشلها في إدارة توازناتها الدبلوماسية والإقليمية بحذر، بما يجعل أي خطأ سياسي أو اصطفاف غير محسوب عاملًا إضافيًا لتعطيل جهود إعادة بناء الدولة وتقويض فرص التعافي والاستقرار على المدى الطويل.

التداعيات الاقتصادية والإنسانية للتصعيد الإقليمي على الصومال:

يمثل الموقع الجغرافي للصومال على خليج عدن وبالقرب من أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم عاملًا رئيسيًا في زيادة تعرضه للتداعيات المباشرة للتصعيد الإقليمي في البحر الأحمر والشرق الأوسط. فمع تصاعد التوترات الأمنية وتهديدات الملاحة الدولية، تصبح الصومال أكثر هشاشة أمام أي اضطرابات تمس حركة التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، خاصة في ظل الارتباط الوثيق للاقتصاد الصومالي بأسواق الخليج العربي. وتبرز المملكة العربية السعودية باعتبارها الشريك التجاري الأهم للصومال، إذ تستحوذ على ما يقرب من 70% من إجمالي الصادرات الصومالية، وهو ما يعكس حجم الاعتماد الاقتصادي الصومالي على الأسواق الخليجية، ويجعل الاقتصاد المحلي شديد التأثر بأي تحولات سياسية أو أمنية في المنطقة.

وفي المقابل لا تزال الصومال تعتمد بصورة كبيرة على واردات السلع الأساسية والمواد الغذائية والاحتياجات الإنسانية، الأمر الذي يحد من قدرة الدولة على امتصاص الصدمات الاقتصادية الناتجة عن اضطراب حركة التجارة أو ارتفاع تكاليف الشحن والطاقة. وفي هذا السياق تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن ارتفاع تكاليف النقل والتأمين المرتبطة بالتوترات الإقليمية أدى إلى زيادة أسعار الغذاء والمياه داخل الصومال، إلى جانب مضاعفة تكاليف نقل المساعدات الإنسانية، وتأخير وصول الشحنات الحيوية من الأغذية والأدوية ومستلزمات الصرف الصحي، بما يفاقم من حدة الأوضاع الإنسانية والمعيشية داخل البلاد.

وتنعكس هذه الاضطرابات بصورة مباشرة على جهود الحد من الفقر وتحقيق التعافي الاقتصادي، خاصة في ظل استمرار المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية الهشة. ففي عام 2023، كان نحو 73% من السكان، بما يعادل 13.4 مليون نسمة، يعيشون تحت خط الفقر المدقع بأقل من ثلاثة دولارات يوميًا. ورغم وجود تقديرات تشير إلى إمكانية تراجع نسبة الفقر مستقبلا، فإن النمو السكاني المتسارع يهدد بزيادة العدد الإجمالي للفقراء، بما يعكس استمرار الأزمة الهيكلية للاقتصاد الصومالي وعدم قدرة النمو المحدود على استيعاب التحديات الديمغرافية والمعيشية المتفاقمة.

كما تتفاقم الأزمة بفعل استمرار العوامل الهيكلية المسببة للفقر وعدم الاستقرار، وفي مقدمتها موجات الجفاف والفيضانات المتكررة التي تؤدي إلى تآكل الأصول الإنتاجية وتقويض سبل العيش المرتبطة بالزراعة والرعي، فضلًا عن تأثيرات النزاعات الداخلية والتوترات الأمنية التي تعطل حركة التجارة والاستثمار وتضعف كفاءة المؤسسات الحكومية الهشة أصلًا. وفي ظل اتساع الاقتصاد غير الرسمي وتراجع فرص العمل والاستثمار، تجد غالبية الأسر الصومالية نفسها في مواجهة حالة مستمرة من انعدام الأمن الاقتصادي والمعيشي، الأمر الذي يجعل أي تصعيد إقليمي جديد عاملًا إضافيًا لتعميق هشاشة الدولة وتعطيل فرص الاستقرار والتنمية على المدى الطويل.

تأثير التصعيد الإقليمي والحرب مع إيران على الهشاشة الإنسانية والاقتصادية في الصومال:

تواجه الصومال واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في القارة الإفريقية، في ظل التداخل المستمر بين النزاعات المسلحة، والكوارث المناخية، والانهيار الاقتصادي، وهو ما جعل البلاد من بين أكبر بؤر النزوح الداخلي في العالم. فبحلول نهاية عام 2024، تسبب العنف والصراعات المسلحة في نزوح ما يقرب من 3.1 مليون شخص، في حين دفعت موجات الجفاف والفيضانات المتكررة أعدادًا أكبر إلى مغادرة مناطقهم الأصلية بحثًا عن الحد الأدنى من الأمن المعيشي والإنساني. وقد أدى ذلك إلى تعرض المدن الرئيسية، مثل مقديشو وبوصاصو، وبيدوا، وهرجيسا، لضغوط سكانية وخدمية متزايدة، مع تركز أعداد كبيرة من النازحين في مستوطنات عشوائية تفتقر إلى البنية التحتية والخدمات الأساسية، الأمر الذي يفاقم من هشاشة البيئة الإنسانية والاجتماعية داخل البلاد.

وفي ظل محدودية أنظمة الحماية الاجتماعية وضعف قدرة الدولة على توفير شبكات دعم اقتصادي فعّالة، تصبح قطاعات واسعة من المجتمع الصومالي أكثر عرضة للانهيار أمام أي صدمة خارجية جديدة، خاصة مع تصاعد التوترات الإقليمية المرتبطة بالحرب مع إيران وما تفرضه من اضطرابات اقتصادية وأمنية على منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي. كما تعكس المؤشرات الاقتصادية استمرار حالة التعافي البطيء وعدم قدرة الاقتصاد الصومالي على تجاوز أزماته الهيكلية بصورة حقيقية، إذ بلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي نحو 1466 دولارًا فقط في عام 2023، وهو رابع أدنى مستوى في إفريقيا، بينما تشير التقديرات إلى ارتفاعه إلى نحو 2644 دولارًا بحلول عام 2043، بما قد يرفع ترتيب الصومال نسبيًا داخل القارة، لكنه سيبقي مستويات الدخل بعيدة بصورة كبيرة عن متوسط الدول الإفريقية منخفضة الدخل.

ويعكس ذلك أن أي تحسن اقتصادي متوقع سيظل محدود التأثير في ظل استمرار النمو السكاني المرتفع واتساع الفجوات التنموية، بما يعني أن الصومال مرشحة للاستمرار ضمن أكثر الدول فقرًا وهشاشة خلال العقدين المقبلين، رغم بعض مؤشرات التحسن النسبي. كما يزيد من تعقيد المشهد استمرار الاعتماد الكبير على المساعدات الخارجية، التي باتت تمثل ركيزة أساسية لاستمرار الخدمات الإنسانية والاقتصادية داخل البلاد. غير أن الجزء الأكبر من هذه المساعدات يظل موجهاً للاستجابة للأزمات الإنسانية الطارئة، مثل الغذاء والإغاثة والرعاية الصحية العاجلة، بدلا من توجيهه نحو مشروعات التنمية المستدامة وإعادة بناء المؤسسات والبنية التحتية.

وفي هذا السياق تصبح الصومال أكثر عرضة للتأثر بالصدمات الخارجية، ليس فقط بسبب هشاشة اقتصادها الداخلي، بل أيضًا نتيجة هشاشة منظومة المساعدات الدولية ذاتها، التي تتأثر بالأزمات العالمية وتحولات أولويات القوى المانحة. وبالتالي، فإن استمرار التوترات الإقليمية المرتبطة بالحرب مع إيران، إلى جانب الأزمات المناخية والأمنية الداخلية، يهدد بإدامة الحلقة المفرغة من الفقر والنزوح والاعتماد على المساعدات، بما يعطل فرص التعافي الحقيقي ويؤخر مسار بناء الدولة والاستقرار طويل المدى.

تُشكّل الأزمة الحالية تهديدا مباشرا لمسيرة الصومال نحو التعافي والتنمية المستدامة. ولجعل البلاد أقل عرضةً للمخاطر عند وقوع الصدمة التالية، تُعدّ ثلاثة خيارات سياسية بالغة الأهمية: تحتاج الصومال إلى احتياطيات اقتصادية مستدامة، وإطار حوكمة أقوى، ونموذج تنموي أقل عرضةً للمخاطر منذ البداية.

أولاً ــ تحتاج الصومال إلى تقليل اعتمادها على السلع الأساسية المستوردة وتنويع أسواقها التصديرية المحدودة:ويمكن للتكامل عبر مجموعة شرق إفريقيا وعبر منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية أن يدعم هذا التحول، ولكن بشرط أن يكون مدعوماً بقدرة إنتاجية محلية أقوى، ولوجستيات تجارية أفضل، وقدرة تنافسية أعلى.

وهذا يتطلب استثمارًا أكبر في الزراعة وسلاسل السلع الأساسية، ولا سيما الثروة الحيوانية، التي لا تزال محورية للصادرات، بالإضافة إلى الصناعات الزراعية التحويلية، والطاقة، والبنية التحتية التجارية.

يمثل الاقتصاد الأزرق في الصومال فرصةً هائلةً أخرى غير مستغلة. فبامتلاكها أطول ساحل في البر الرئيسي لإفريقيا، تتمتع البلاد بإمكانات كبيرة لتوسيع قطاع مصايد الأسماك واقتصادها البحري بشكل عام. ومع ذلك، لا يزال قطاع مصايد الأسماك يساهم بنحو 2% فقط من الناتج المحلي الإجمالي.

ثانيا ــ تحتاج الصومال إلى تعزيز قدرات الدولة وتنسيق سياسي أفضل:ولا يزال هذا الأمر صعبا في ظل افتقار الحكومة الفيدرالية إلى السيطرة الكاملة على الأراضي، واستمرار حركة الشباب في الحد من نفوذ الدولة، وعدم اكتمال عملية الانتقال إلى نظام أمني وطني موحد.

لا تزال آفاق الاقتصاد والأمن والتنمية في الصومال مرتبطة بصدمات لا تسيطر عليها.

تفاقمت التوترات السياسية أيضا حول العملية الانتخابية والتعديلات الدستورية، مما يزيد من خطر تأخير أو نزاع على تغيير الحكومة. لا يمكن لأي بلد أن يتحمل الصدمات المتكررة إذا كانت السلطة العامة متشرذمة، والتنفيذ ضعيفا، والخلافات السياسية تحول دون تحقيق الاستقرار وتقديم الخدمات.

ثالثًا ــ يجب على الصومال أن تتجاوز إدارة حالات الطوارئ وأن تعزز أسس الاستدامة. ستظل المساعدات الإنسانية ضرورية، لكن المهمة الأكبر هي تعبئة الموارد المحلية بفعالية، وتهيئة الظروف المواتية للاستثمار في القطاعات الإنتاجية، وتعزيز تطوير البنية التحتية. كما أن تنمية المهارات أمر بالغ الأهمية لزيادة الإنتاجية إلى أقصى حد.

الأهم من ذلك أن الصومال لن تصبح أقل عرضةً للمخاطر من خلال الإصلاحات الجزئية. تتحقق المكاسب الأكبر عند اتخاذ إجراءات شاملة في مختلف القطاعات. في سيناريو "التكامل" الذي وضعته مبادرة "التحالف من أجل التنمية"، تُحقق التدخلات المنسقة في مجالات الزراعة، والصحة، والديمغرافيا، والتعليم، والتصنيع، والتجارة، والبنية التحتية، والحوكمة مكاسب تنموية أكبر من المسار الحالي، إذ تُسهم في انتشال نحو ستة ملايين شخص من براثن الفقر المدقع بحلول عام 2043.

لا يزال مسار التنمية في الصومال يتأثر بشدة بالديناميات الخارجية. ولا تكمن أهمية الصراع في الشرق الأوسط في قربه الجغرافي فحسب، بل في كونه يكشف مدى ارتباط اقتصاد الصومال وأمنه وآفاق تنميته بصدمات خارجة عن سيطرته.

خاتمة:

في ضوء التصعيد الإقليمي المتزايد المرتبط بالحرب مع إيران، وما يرافقه من اضطرابات أمنية واقتصادية في البحر الأحمر والشرق الأوسط، تبدو الصومال واحدة من أكثر الدول عرضة للتأثر بالتداعيات غير المباشرة للصراعات الدولية، بحكم هشاشة بنيتها السياسية والاقتصادية واعتمادها الكبير على الخارج. فالتحديات التي تواجه مقديشو اليوم لم تعد تقتصر على مكافحة الإرهاب أو إدارة الانقسامات الداخلية، بل باتت ترتبط أيضًا بقدرتها على تحصين الدولة ضد الصدمات الجيوسياسية العابرة للحدود، والتي تكشف حجم الترابط بين أمن القرن الإفريقي وتحولات الإقليم الأوسع. وبينما تمثل الأزمات الحالية اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة الصومالية على الصمود، فإن تجاوز هذه المرحلة يتطلب بناء نموذج تنموي أكثر استدامة، وتعزيز مؤسسات الدولة، وتوسيع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد، بما يقلل من هشاشة البلاد أمام المتغيرات الخارجية. وفي ظل استمرار التنافس الدولي والإقليمي على النفوذ في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، ستظل قدرة الصومال على تحقيق الاستقرار مرهونة بمدى نجاحها في إدارة توازناتها الداخلية والخارجية، والتحول من دولة تتأثر بالصراعات المحيطة إلى فاعل إقليمي أكثر قدرة على حماية مصالحه واستقرار مساره التنموي.

طباعة

    تعريف الكاتب

    محمود سامح همام

    محمود سامح همام

    باحث فى العلوم السياسية