تحليلات

البحر الأحمر بين الطموح والسيادة.. اختبار النظام الدولي في القرن الإفريقي

طباعة

لم يعد ما يجري في القرن الإفريقي مجرد خلاف سياسي حول تسهيلات عبور تجارية،  ولا توتر دبلوماسي يمكن احتواؤه ببيانات مطمئنة أو صيغ تفاوضية تقنية.ما نشهده اليوم هو أزمة إقليمية ذات أبعاد قانونية وجيوسياسية عميقة،  تتجاوز الإطار الثنائي لتطال استقرار البحر الأحمر ومصداقية النظام الدولي القائم على القواعد.

الأزمة الراهنة ليست وليدة ظرف طارئ،  ولا نتيجة سوء فهم عابر،  بل هي انعكاس مباشر للطموح الإثيوبي المعلن نحو الحصول على ما تصفه القيادة الإثيوبية بـ"وصول سيادي إلى البحر ."وقد قُدِّم هذا الطموح بأوصاف متعددة ومتبدلة: تارة باعتباره حقاً قانونياً،  وتارة استحقاقاً تاريخياً،  وأحياناً ضرورة وجودية أو اقتصادية لا تحتمل التأجيل.غير أن تنوّع الخطاب لا يغيّر من جوهر المسألة؛ فالمشكلة الحقيقية تكمن في الانتقال من إطار الوصول التعاقدي المشروع،  الذي يقره القانون الدولي للدول غير الساحلية،  إلى طرح ذي طبيعة سيادية يعيد فتح سؤال الحدود والاختصاص الإقليمي في منطقة شديدة الحساسية.

والأهم أن أياً من هذه التوصيفات بصرف النظر عن صياغتها السياسية لا يؤسس في القانون الدولي المعاصر لأي حق في اكتساب السيادة على أراضي دولة أخرى.فلا توجد قاعدة قانونية تمنح دولة غير ساحلية حقاً في فرض سيادتها على ساحل تابع لدولة ذات سيادة،  ولا يجيز أي مبدأ حديث اكتساب الإقليم خارج إطار المعاهدات والاعتراف المتبادل والرضا الحر .إن ميثاق الأمم المتحدة يكرّس المساواة في السيادة بين الدول،  ويحظر التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة .ومن ثم،  فإن الفرق بين "حق الوصول"، و"الحق السيادي "ليس تفصيلاً لغوياً،  بل هو الفاصل بين التعاون المشروع وبين إعادة تعريف أسس النظام الدولي ذاته.

وفي منطقة مثل البحر الأحمر- حيث تتقاطع طرق التجارة العالمية مع تنافس القوى الإقليمية والدولية- يصبح هذا التحول مسألة أمن جماعي، لا مجرد شأن اقتصادي محدود.

أولاً- الرؤية الإثيوبية كما يطرحها صناع القرار:

لكي يكون النقد متماسكاً وعادلاً،  لا بد أولاً من عرض الرؤية الإثيوبية كما تُقدَّم في الخطاب الرسمي وشبه الرسمي.تقوم هذه الرؤية على ثلاثة مرتكزات رئيسية:الأمن القومي،  والاقتصاد،  ومشكلة الاعتماد شبه الكامل على موانئ الغير.فمن زاوية الأمن القومي،  ترى أديس أبابا أن دولة بحجم إثيوبيا السكاني والجغرافي لا تستطيع أن تظل محصورة داخل حدود برية،  ولا أن تربط أمن تجارتها الخارجية بقرار دولة أو دولتين من الدول الساحلية.ومن زاوية الاقتصاد،  تؤكد أن ارتفاع تكاليف النقل، والرسوم، والتأمين يضعف القدرة التنافسية للصادرات والواردات،  ويجعل التنمية رهينة لاختناقات لوجستية خارج السيطرة المباشرة للدولة.

أما من زاوية الاعتماد على موانئ الغير،  فتشير الرؤية الإثيوبية إلى أن معظم تجارتها الخارجية تمر عبر جيبوتي،  وأن هذا الاعتماد يخلق هشاشة استراتيجية في حال وقوع أزمات سياسية، أو أمنية، أو تجارية. وهذا جانب لا ينبغي إنكاره من حيث المبدأ؛ فالدول الحبيسة تواجه فعلاً تحديات بنيوية في الوصول إلى الأسواق العالمية،  وقد عالج القانون الدولي هذه المشكلة من خلال الاعتراف بحق الوصول إلى البحر وحرية العبور،  لا من خلال منح حقوق سيادية على أراضي الدول الساحلية.

لكن نقطة الضعف في الخطاب الإثيوبي تبدأ عندما يجري الانتقال من تشخيص مشكلة حقيقية إلى طرح علاج غير مشروع قانونياً.فالحاجة الاقتصادية،  مهما كانت جدية،  لا تتحول إلى سند لاكتساب السيادة على ساحل دولة أخرى .والأمن القومي،  مهما كان مهماً،  لا يمنح دولة الحق في إعادة تعريف حدود جيرانها أو الضغط عليهم تحت عنوان "الضرورة الوجودية" .هنا تحديداً يصبح التفريق بين الوصول التجاري والحق السيادي جوهر المسألة: الأول يمكن تنظيمه باتفاقيات عادلة ومفيدة للطرفين،  أما الثاني فيصطدم مباشرة بمبدأ السيادة وسلامة الأراضي.

ثانياً- تشكّل الدولة الإثيوبية الحديثة وحدود المشروعية:

لفهم عمق الجدل،  لا بد من العودة إلى السياق التاريخي لتكوّن الدولة الإثيوبية الحديثة بصيغتها المعترف بها دولياً.فإثيوبيا كما نعرفها اليوم لم تتبلور كامتداد متصل لكيان إمبراطوري قديم بحدود ثابتة،  بل تشكلت حدودها السياسية الحديثة في أواخر القرن التاسع عشر خلال عهد الإمبراطور منليك الثاني،  الذي وسّع مملكة شِوا شمالاً وجنوباً في سياق إعادة رسم خرائط القرن الإفريقي في ظل التنافس الاستعماري الأوروبي.

في 1يناير 1890أُعلنت إريتريا مستعمرة إيطالية رسمياً. بذلك فإن الكيان الإريتري الحديث سبق في تشكله القانوني الدولي اكتمال توسع الدولة الإثيوبية الحديثة بحدودها المعاصرة.هذا الترتيب الزمني ليس تفصيلاً ثانوياً،  بل عنصر حاسم لفهم طبيعة الكيانات السياسية في المنطقة.فإذا كانت إريتريا قد تشكلت ككيان محدد ومعترف به قبل تثبيت حدود إثيوبيا الحديثة،  فإن الادعاء بأنها كانت جزءاً أصيلاً من تلك الدولة يتعارض مع الوقائع التاريخية والقانونية معاً.

كما أن إثيوبيا الحديثة تأسست،  في صورتها المعترف بها دولياً قبل الاتحاد الفيدرالي مع إريتريا،  كدولة بلا ساحل مباشر على البحر الأحمر.فهي لم تفقد منفذاً بحرياً كان جزءاً من كيانها القانوني المستقر،  ولم تُنتزع منها سواحل كانت داخلة ضمن حدودها الدولية المعترف بها.وعليه،  فإن تصوير "فقدان البحر" بوصفه مظلمة تاريخية يستند إلى خلط بين ترتيبات قانونية معترف بها وبين أوضاع ظرفية نشأت في سياقات استثنائية.

أما وصولها المؤقت إلى البحر فقد جاء نتيجة قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 390(V)لعام 1950،  الذي أقر اتحاداً فيدرالياً بين إريتريا وإثيوبيا.وقد دخل هذا الترتيب حيز التنفيذ في سبتمبر 1952،  قبل أن يُنهى بصورة أحادية عام 1962بضم إريتريا وإلغاء وضعها الفيدرالي.

ومن منظور القانون الدولي،  فإن الضم مهما طال أمده لا يُنشئ حقاً تاريخياً مشروعاً،  بل يطرح سؤال المشروعية والمساءلة.ولذلك فإن استقلال إريتريا،  الذي تحقق بعد التحرير الفعلي عام 1991ثم أُقر عبر استفتاء عام 1993تحت مراقبة الأمم المتحدة،  لم يكن انفصالاً عن دولة أم،  بل إنهاءً لوضع نشأ عن ضم أحادي وتنفيذاً لحق تقرير المصير[1].إن استدعاء التاريخ لتبرير مطالبات سيادية معاصرة يتجاهل حقيقة أساسية:الشرعية في النظام الدولي تُبنى على المعاهدات والاعتراف المتبادل،  لا على الروايات الحضارية أو القراءات الانتقائية للماضي.

ثالثاً-الإطار القانوني.. حق الوصول لا الحق السيادي:

ميثاق الأمم المتحدة،  والقانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي،  واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار،  كلها ترسم حدوداً واضحة للمشروع وغير المشروع.فمبدأ المساواة في السيادة وحظر التهديد بالقوة أو استخدامها لا يمثلان لغة أخلاقية مجردة،  بل قواعد تأسيسية لحماية الاستقرار الدولي ومنع تحويل الطموح السياسي إلى تعديل قسري للحدود.

أما اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982،  والتي دخلت حيز النفاذ عام 1994،  فتمنح الدول غير الساحلية حق الوصول إلى البحر وحرية العبور عبر ترتيبات تعاقدية عادلة ومنصفة،  لكنها لا تمنحها أي حق سيادي على أراضي أو موانئ دول أخرى. وبالمثل،  يرسخ الإطار الإفريقي مبدأ احترام الحدود القائمة عند الاستقلال،  وهو مبدأ جوهري في منع النزاعات الحدودية داخل القارة.[2]

وعليه،  فإن تحويل "حق الوصول" إلى "حق سيادي "لا يمثل تطويراً قانونياً،  بل انتقالاً إلى منطقة تصادم مباشر مع المبادئ المؤسسة للنظام الدولي الحديث،  وفي مقدمتها عدم جواز اكتساب الإقليم بالقوة أو بالضغط السياسي.وهنا تحديداً يتجسد الاختبار:هل تبقى هذه المبادئ خطوطاً حمراء فعلية،  أم تتحول إلى نصوص قابلة لإعادة التأويل تحت ضغط الخطاب السياسي والمصالح الجيوسياسية؟

رابعاً- الدول الحبيسة في إفريقيا.. المشكلة حقيقية والحل تعاوني:

لا تنفرد إثيوبيا بمشكلة الجغرافيا الحبيسة.فإفريقيا تضم ست عشرة دولة حبيسة أو نامية غير ساحلية،  من بينها إثيوبيا وأوغندا ورواندا وبوروندي ومالي والنيجر وتشاد وزامبيا وزيمبابوي وبوتسوانا وليسوتو وإسواتيني وجنوب السودان.. وغيرها.[3]وقد عالجت معظم هذه الدول تحدياتها عبر اتفاقيات عبور،  وممرات تجارية،  وتعاون جمركي،  وربط سككي وبري،  ومشروعات بنية تحتية مشتركة،  لا عبر مطالبات سيادية على سواحل جيرانها.

وهنا تكمن الفكرة الأساسية التي ينبغي تطويرها بدلاً من الاكتفاء برفض المطالب السيادية:فالمسار العملي لا يكون بإغلاق الباب أمام احتياجات إثيوبيا الاقتصادية المشروعة،  بل بتأطيرها داخل صيغ تعاون لا تمس السيادة.ويمكن تصور بدائل متعددة،  مثل اتفاقيات طويلة الأجل لاستخدام الموانئ،  ومناطق لوجستية حرة،  وممرات تجارية بضمانات دولية أو إقليمية،  ورسوم عبور شفافة،  وربط سككي وطرقي مشترك،  وتعاون جمركي وأمني يحفظ حقوق الدولة الساحلية واحتياجات الدولة الحبيسة في آن واحد.

بهذا المعنى،  فإن الرفض القانوني للمطلب السيادي ينبغي ألا يظهر كرفض للتعاون،  بل كدفاع عن القاعدة التي تجعل التعاون ممكناً.فالدول الساحلية تستطيع أن تقدم حلولاً عملية،  لكنها لا تستطيع ولا ينبغي أن تُطالب بالتنازل عن سيادتها أو قبول ترتيبات مبهمة قد تتحول لاحقاً إلى أمر واقع سياسي أو عسكري.

خامساً- الدوافع البنيوية والربط بين الداخلي والخارجي:

لا يمكن قراءة الطموح البحري بمعزل عن السياق الداخلي.فإثيوبيا تواجه تحديات عميقة في إدارة تنوعها الإثني،  وصراعات داخلية ممتدة،  وضغوطاً اقتصادية وأمنية متزايدة.في مثل هذه البيئات،  قد يتحول الملف السيادي إلى أداة تعبئة سياسية تعيد توجيه النقاش الداخلي نحو قضية خارجية جامعة،  وتُقدَّم فيها المطالب البحرية باعتبارها "حلاً" لأزمات بنيوية في الداخل،  لا باعتبارها مسار تعاون طبيعي مع الجوار.

هذا الربط بين الداخلي والخارجي ليس اتهاماً سياسياً عابراً،  بل مدخلا معروفا في تحليل سلوك الدول التي تواجه أزمات شرعية أو ضغوطاً داخلية.فعندما يتراجع التوافق الداخلي،  قد تكتسب القضايا الحدودية أو الرمزية وزناً تعبويّاً مضاعفاً.ومن هنا فإن الخطاب البحري الإثيوبي لا يمكن فصله عن الحاجة إلى إنتاج قضية وطنية عابرة للانقسامات الداخلية،  حتى لو كان ذلك على حساب تهدئة الجوار أو احترام حساسية البحر الأحمر.

سادساً- الفاعلون الإقليميون والدوليون.. من التعميم إلى شبكة المصالح:

في الوقت ذاته،  أصبح البحر الأحمر ساحة تنافس مفتوح بين قوى إقليمية متوسطة وقوى دولية كبرى تسعى إلى تعزيز حضورها العسكري واللوجستي .لكن الإشارة العامة إلى وجود "قوى إقليمية ودولية" لا تكفي وحدها لفهم طبيعة الأزمة الراهنة .فمع أن البحر الأحمر بات ساحة تتقاطع فيها مصالح أطراف عديدة،  إلا أن الأزمة الحالية،  المرتبطة بالسعي الإثيوبي إلى ما يُسمى "وصولاً سيادياً إلى البحر"،  تبدو أكثر ارتباطاً بديناميات النفوذ التي تقودها بعض القوى الإقليمية،  مع حضور غير مباشر للمصالح الإسرائيلية في أمن البحر الأحمر وباب المندب.

وتزداد أهمية هذا البعد في ظل اتساع نطاق النزاع الإسرائيليالإيراني،  وارتباط أمن البحر الأحمر بدور القوى المتحالفة مع إيران في اليمن،  ولا سيما عند باب المندب.فهذا الممر لم يعد مجرد طريق تجاري دولي،  بل أصبح جزءاً من معادلة أمنية أوسع تتصل بأمن الخليج،  وإسرائيل،  وقناة السويس،  وحركة الطاقة والتجارة العالمية.وقد أظهرت هجمات الحوثيين على الملاحة في البحر الأحمر منذ أواخر 2023كيف يمكن لفاعل دون الدول،  مدعوم إقليمياً أو متحالفا مع قوة إقليمية،  أن يؤثر في طرق التجارة العالمية وفي حسابات القوى الكبرى.[3]

ومن ثم،  فإن أي إعادة ترتيب لموازين النفوذ على الساحل الإفريقي للبحر الأحمر يمكن أن يكتسب معنى يتجاوز إثيوبيا نفسها،  ليدخل في حسابات الردع،  والمراقبة،  والتحالفات،  والتنافس الإقليمي.ومن هنا،  فإن فهم الأزمة يتطلب النظر في كيفية تقاطع الطموح الإثيوبي مع مصالح هذه الأطراف،  لا الاكتفاء بتفسيره كحاجة اقتصادية لدولة حبيسة.فالملف البحري هنا لا يتعلق بالعبور التجاري وحده،  بل يدخل في شبكة أوسع من الحسابات المرتبطة بالموانئ،  والأمن البحري،  والتحالفات،  وإعادة توزيع النفوذ في البحر الأحمر.

سابعاً- البحر الأحمر أرقام القوة وواقع الحساسية:

البحر الأحمر ليس ممراً إقليمياً فحسب،  بل أحد أهم الشرايين الاقتصادية في العالم،  ومفترق طرق جيوسياسي يتحدد عنده أمن الطاقة، وحركة التجارة، وسلاسل الإمداد .فمحور البحر الأحمرباب المندبقناة السويس يربط أوروبا بآسيا والخليج بالبحر المتوسط،  ويمثل عقدة استراتيجية في سلاسل الإمداد العالمية.وتشير تقديرات أممية ودولية إلى أن قناة السويس تعاملت في 2023مع نحو 12إلى 15في المائة من التجارة العالمية،  فيما يمر عبر البحر الأحمر أو يتأثر به جزء كبير من حركة الحاويات بين آسيا وأوروبا.

كما تؤكد بيانات الطاقة أن تدفقات النفط عبر باب المندب تراجعت بشدة بعد اضطرابات البحر الأحمر،  من متوسط بلغ نحو 8.7 مليون برميل يومياً في عام 2023إلى نحو 4ملايين برميل يومياً خلال جزء من عام 2024،  وهو ما يوضح حساسية الممر تجاه المخاطر الأمنية.[5]أي اضطراب مستدام في هذا الممر ينعكس فوراً على تكاليف التأمين والنقل،  ثم على أسعار السلع والطاقة والاستهلاك،  ولا سيما في الاقتصادات المستوردة والنامية.

وفوق ذلك،  صار البحر الأحمر فضاءً تتقاطع فيه الاستثمارات العسكرية والموانئ الاستراتيجية والتحالفات الأمنية. قواعد بحرية، وترتيبات لوجستية،  واتفاقات شراكة طويلة الأمد؛ كلها تجعل من أي محاولة لإعادة تعريف "السيادة" في هذا الحيز خطوة تتجاوز الإقليم لتلامس الأمن الاقتصادي الدولي.

ثامناً -ما المطلوب عملياً؟

أولاً- تثبيت المبدأ القانوني بوضوح: حقوق الدول غير الساحلية تعاقدية لا سيادية. فلا يجوز،  تحت أي ظرف،  تحويل الحاجة إلى منفذ بحري إلى مطالبة تمس سلامة أراضي الدول الساحلية أو تنتقص من سيادتها.وهذا لا يعني إنكار احتياجات إثيوبيا الاقتصادية أو التقليل من صعوبة وضعها كدولة حبيسة، بل يعني وضع هذه الاحتياجات في إطار قانوني واضح يمنع تحويلها إلى ضغط سيادي أو ذريعة لإعادة فتح ملفات الحدود. فالقانون الدولي لا يغلق الباب أمام الوصول إلى البحر،  لكنه يميز بصرامة بين الوصول المنظم بالاتفاق وبين الادعاء بحقوق سيادية على أرض الغير.

ثانياً- تطوير بدائل عملية للتعاون بدلاً من الاكتفاء بردود سياسية عامة.فرفض المطالب السيادية يصبح أقوى وأكثر إقناعاً عندما يقترن بطرح مسارات واقعية تلبي الاحتياجات الاقتصادية المشروعة دون المساس بالسيادة،  ويمكن أن تشمل هذه البدائل اتفاقيات استخدام موانئ طويلة الأجل،  وممرات عبور مؤمنة،  ومناطق حرة داخل موانئ الدول الساحلية،  واستثمارات مشتركة في الطرق والسكك الحديدية،  وآليات تحكيم لتسوية المنازعات التجارية،  وتنسيقاً جمركياً وأمنياً،  ورسوم خدمات شفافة وقابلة للمراجعة، ويمكن كذلك إنشاء أطر تعاون إقليمية تضمن انتظام حركة التجارة،  وتمنع تسييس الموانئ،  وتوفر للدولة الحبيسة قدراً من الاستقرار اللوجستي دون أن تتحول التسهيلات التجارية إلى حقوق سيادية أو وجود أمني دائم.

ثالثاً- ينبغي أن تقوم أي ترتيبات مستقبلية على مبدأ المنفعة المتبادلة لا منطق الإكراه. فالدول الساحلية ليست مطالبة بالتنازل عن سيادتها،  لكنها تستطيع أن تستفيد اقتصادياً من موقعها الجغرافي من خلال تطوير الموانئ والخدمات اللوجستية والتخزين والنقل والتأمين والصيانة البحرية،وفي المقابل،  تستطيع إثيوبيا أن تحصل على منفذ تجاري مستقر ومتنوع يخفض تكاليف النقل ويقلل الاعتماد المفرط على ممر واحد. بهذا المعنى،  يمكن تحويل الجغرافيا من مصدر توتر إلى مجال تكامل،  بشرط أن يكون التعاون قائماً على الاعتراف المتبادل واحترام الحدود والوضوح القانوني.

رابعاً-  على الدول الساحلية الأكثر تأثراً أن تعزز تنسيقها الدبلوماسي والأمني ضمن إطار القانون الدولي. الردع هنا لا يعني بالضرورة المواجهة العسكرية،  بل منع خلق أمر واقع جديد يهدد الاستقرار ويقوض الثقة في منظومة القواعد. ويشمل ذلك تنسيق المواقف الجماعية،  ورفض أي مطالبات سيادية أحادية،  وتعزيز التعاون البحري المشترك لحماية الملاحة الدولية،  وإنشاء آليات تشاور إقليمية منتظمة لتقييم المخاطر الاستراتيجية. كما ينبغي أن يشمل التنسيق تبادل المعلومات،  ومراقبة التحركات التي قد تؤثر في أمن الممرات البحرية،  وتطوير خطاب دبلوماسي موحد يفرق بوضوح بين التعاون المشروع والمطالبات التي تمس السيادة.

خامساً-  على الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة والهيئات الإقليمية،  بما فيها إيجاد والجامعة العربية والدول المطلة على البحر الأحمر،  أن تؤكد التزامها العملي بمبادئ سلامة الأراضي وعدم تغيير الحدود بالقوة أو بالضغط السياسي. فلا يكفي الاكتفاء ببيانات عامة عن الاستقرار،  بل يجب أن تكون الرسالة واضحة: حقوق العبور والتعاون الاقتصادي قابلة للتفاوض،  أما السيادة وسلامة الأراضي فليستا موضوعاً للمساومة. فالتساهل مع أي سلوك من هذا النوع لا يهدد دولة بعينها فحسب،  بل يهدد فكرة القانون الدولي ذاتها بوصفها مرجعية تضبط العلاقات بين الدول.

سادساً-  ينبغي تحييد البحر الأحمر قدر الإمكان عن سياسات المحاور والصراعات بالوكالة. فكلما تحولت الموانئ والممرات البحرية إلى أدوات في صراع النفوذ بين قوى إقليمية ودولية،  تراجعت فرص التعاون الاقتصادي وازدادت احتمالات سوء التقدير والتصعيد. ولذلك فإن المطلوب ليس فقط معالجة الطموح الإثيوبي في حد ذاته،  بل وضعه ضمن رؤية أوسع لأمن البحر الأحمر،  تقوم على احترام سيادة الدول الساحلية،  وحرية الملاحة،  ومنع عسكرة الموانئ والجزر،  وضمان ألا تتحول حاجة الدول الحبيسة إلى منفذ بحري إلى بوابة لإعادة توزيع النفوذ أو خلق ترتيبات أمنية غامضة.

الخاتمة.. ما الذي يُختبر فعلاً؟

القضية اليوم ليست منفذاً بحرياً فحسب،  ولا مجرد خلاف حول مرفأ أو ممر تجاري،  بل اختبارا لمصداقية النظام الدولي نفسه في منطقة شديدة الحساسية. فإذا كان من الممكن إعادة تعريف السيادة استناداً إلى خطاب سياسي متغير،  أو إلى ضرورات اقتصادية تُقدَّم باعتبارها حقوقاً سيادية،  فإن الاستقرار الإقليمي يصبح هشاً بطبيعته،  وتغدو الحدود قابلة للمساومة تحت ضغط القوة أو الإغراءات الجيوسياسية. عندئذ لا تتضرر دولة بعينها فقط،  بل تتضرر القاعدة التي قامت عليها العلاقات الدولية الحديثة: أن الحدود لا تُعدَّل بالإكراه،  وأن احتياجات الدول مهما كانت مشروعة لا تُحل على حساب سيادة دول أخرى.

وفي الوقت نفسه،  فإن حماية السيادة لا تعني إغلاق الباب أمام التعاون،  ولا إنكار التحديات الحقيقية التي تواجه الدول الحبيسة في الوصول إلى الأسواق والموانئ. فالتحدي الحقيقي هو صياغة معادلة متوازنة تسمح للدول الحبيسة بالوصول العادل والمستقر إلى البحر،  وتسمح للدول الساحلية بالحفاظ على سيادتها وأمنها،  وتمنع في الوقت ذاته القوى الإقليمية والدولية من تحويل الاحتياجات الاقتصادية المشروعة إلى أدوات لإعادة هندسة النفوذ في البحر الأحمر. وهذا لا يتحقق بالشعارات أو بالتصعيد،  بل باتفاقيات واضحة،  وممرات آمنة،  وترتيبات تجارية شفافة،  وضمانات قانونية تحمي حق العبور دون أن تفتح الباب أمام مطالب سيادية ملتبسة.

ومن هنا،  فإن المخرج العملي لا يكمن في فرض الأمر الواقع،  ولا في استدعاء التاريخ لتبرير مطالب معاصرة،  بل في العودة إلى القواعد التي أثبتت ضرورتها في إفريقيا والعالم: احترام الحدود،  وعدم استخدام القوة أو التهديد بها،  والاعتراف المتبادل،  والتعاون القائم على المصالح المشتركة. فكلما كانت القواعد واضحة،  أصبح التعاون ممكناً؛ وكلما غابت هذه القواعد،  تحولت الموانئ والممرات البحرية من فرص للتكامل الاقتصادي إلى ساحات للتنافس والصراع.

البحر الأحمر لم يكن يوماً مجرد مسطح مائي؛ كان دائماً فضاءً للتجارة والتفاعل الحضاري والتنافس الاستراتيجي. غير أن استقراره اليوم يتطلب وضوحاً قانونياً،  وتوازناً مسئولاً، وإدراكاً بأن حماية القواعد الدولية ليست ترفاً نظرياً،  بل شرطاً ضرورياً للأمن الجماعي .والسؤال الذي يواجه المنطقة بل العالم ليس من يملك منفذاً إلى البحر،  بل أي نظام دولي نريد أن نحافظ عليه: نظام يقوم على السيادة والتعاون والقانون،  أم نظام يسمح بتحويل الحاجة الاقتصادية والطموح الجيوسياسي إلى مبرر لإعادة فتح الحدود والنزاعات؟

الهوامش:

[1]حول التكوين القانوني والتاريخي لإريتريا:إعلان إريتريا مستعمرة إيطالية في 1يناير 1890؛ وقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 390(V)الصادر في 2ديسمبر 1950بشأن الاتحاد الفيدرالي بين إريتريا وإثيوبيا؛ واستفتاء إريتريا في أبريل 1993تحت رقابة الأمم المتحدة.

[2]ميثاق الأمم المتحدة، ولا سيما المادة 2(1)بشأن المساواة في السيادة، والمادة 2(4)بشأن حظر التهديد بالقوة أو استخدامها؛ واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، الجزء العاشر، المواد 124-132، وخاصة المادة 125بشأن حق الدول غير الساحلية في الوصول إلى البحر وحرية العبور؛ وانظر أيضاً القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي، المادة 4(ب)، وقرار منظمة الوحدة الإفريقية AHG/Res.16(I)، القاهرة 1964، بشأن احترام الحدود الموروثة عند الاستقلال.

[3]UN-OHRLLSوUNCTAD، قوائم وتقارير الدول النامية غير الساحلية، وتشير إلى وجود 32دولة نامية غير ساحلية عالمياً، منها 16في إفريقيا.

[4]انظر تقارير DP WorldوReuters حول اتفاق 2018الذي أشار إلى حصة إثيوبية محتملة في مشروع ميناء بربرة إلى جانب موانئ دبي العالمية وسلطة ميناء صوماليلاند.

[5]بشأن حساسية البحر الأحمر وباب المندب: UNCTAD، 26يناير 2024، حول اضطرابات التجارة العالمية في البحر الأحمر وقناة السويس؛ وU.S. Energy Information Administration، 11أكتوبر 2024، حول تراجع عبور ناقلات النفط في البحر الأحمر؛ وتقارير مجلس الأمن و Reutersبشأن هجمات الحوثيين على الملاحة منذ أواخر .2023

طباعة

    تعريف الكاتب

    سليمان آدم حسين

    سليمان آدم حسين

    كاتب ومحلل سياسي