تشهد الضفة الغربية المحتلة تحولا جذريا يصفه مراقبون عرب، وإسرائيليون، ودوليون بأنه الأخطر منذ عقود، إذ لم تعد مجرد ساحة لإدارة الصراع كما كانت عليه الحال في العقود السابقة، بل أصبحت القلب النابض لمشروع "إسرائيل الكاملة" الذي يسعى إلى فرض السيادة الصهيونية على كامل الأرض بين النهر والبحر.
فما كان يُعرف بـ "إدارة الصراع" يحل محله اليوم مشروع سياسي أيديولوجي يميني منظم، هدفه المعلن تصفية أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية، عبر إجراءات إدارية، وقانونية، وأمنية متكاملة.
يستند هذا التحليل إلى مصادر متنوعة، أبرزها دراسة نشرها معهدINSS الإسرائيلي بعنوان "تحول جذري في يهودا والسامرة.. الأمن المطلق، والحسم، وفرض السيادة" التي تضمنت اعترافات خطيرة من داخل المؤسسة الأمنية، إلى جانب تقارير مراكز بحثية أوروبية وأمريكية وإسرائيلية معارضة، ووثائق رسمية وتصريحات لصناع القرار داخل كيان الاحتلال.
وتكشف هذه المصادر، حتى الإسرائيلية منها، أن حكومة نتنياهو لم تعد تتعامل مع الضفة الغربية والتي يطلقون عليها في الخطاب الإسرائيلي "يهودا والسامرة" كمنطقة متنازع عليها، بل إن التحول يطال المجالات القانونية، والملكية، والإدارية، والأمنية معا، و"فرض السيادة" يجري بحكم الأمر الواقع في محاولة لتجنب رد فعل دولي فوري.
خطة الحسم "لسموتريتش".. الأيديولوجيا التي تقود السياسة:
خلف الأقنعة الأمنية التي ترفعها الحكومة الإسرائيلية لتبرير سياساتها في الضفة الغربية، تقف أيديولوجيا واضحة المعالم هي "خطة الحسم" التي يقودها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش. هذه الخطة، التي طرحها للمرة الأولى عام 2017، تهدف إلى حسم الطموحات الوطنية الفلسطينية بالقوة، وتحقيق رؤية "أرض إسرائيل الكاملة" من خلال ضم كامل الضفة الغربية وفرض السيادة الإسرائيلية عليها بشكل دائم. ولا تترك الخطة أي مجال للتسوية السياسية، إذ تقدم للفلسطينيين خيارين فقط لا ثالث لهما: إما الإقامة داخل المنطقة دون أي حقوق سياسية، وهو ما يعني ترسيخ نظام يشبه الفصل العنصري، أو الهجرة القسرية خارج أراضيهم. وتكشف دراسة معهدINSS أن هذه الخطة لم تعد مجرد أفكار هامشية تتبناها مجموعات يمينية متطرفة، بل أصبحت سياسة حكومية رسمية ممولة بميزانيات ضخمة، تُنفذ على الأرض عبر مسارات متعددة ومتكاملة تشمل:
· توسيع الاستيطان بوتيرة غير مسبوقة.
· تغيير نظام ملكية الأراضي لصالح المستوطنين.
· إضعاف السلطة الفلسطينية بشكل منهجي حتى حدود الانهيار.
· توسيع نطاق السيطرة المدنية الإسرائيلية لتطال مناطق كانت حتى وقت قريب تحت إدارة فلسطينية.
وبذلك لم يعد سموتريتش مجرد مهندس نظري لهذه السياسة، بل أصبح القوة الدافعة لها داخل الحكومة، وسط غياب أي معارضة جدية من داخل المؤسسة السياسية أو الأمنية الإسرائيلية.
فتح سوق العقارات أمام الإسرائيليين:
في فبراير 2026، اتخذ المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر (الكابينت) سلسلة من القرارات غير المسبوقة في مجال الأراضي بالضفة الغربية، وهي القرارات التي وصفتها منظمة "Peace Now" الإسرائيلية المناهضة للاستيطان بأنها خطوات نحو ضم المنطقتين A وB، وتشمل هذه القرارات ثلاثة إجراءات رئيسية:
· إلغاء القانون الأردني الذي كان يحظر بيع أراضي الضفة لغير العرب، مما يفتح الباب أمام المستعمرين الإسرائيليين لشراء الأراضي الفلسطينية مباشرة.
· إلغاء شرط "تصريح الصفقة" الذي كان يتطلب موافقة وزارة الحرب الإسرائيلية على أي عملية شراء عقارية، وهو الشرط الذي كان يهدف إلى منع التزوير وضمان عدم قيام الإسرائيليين بتحديد سياسات أمنية من خلال شراء أراضٍ في مواقع حساسة.
· فتح سجلات الأراضي (الطابو) للاطلاع العام، مما يسهل على المستعمرين وشركاتهم استهداف ملاك الأراضي الفلسطينيين بالضغط أو الابتزاز لانتزاع أراضيهم.
تستهدف هذه القرارات تحويل الضفة الغربية إلى سوق عقارات مفتوحة أمام المستوطنين وشركاتهم، والنتيجة المنطقية لذلك هي تسارع وتيرة الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية وتهجير الملاك الأصليين عبر الضغوط الاقتصادية والقانونية، وليس فقط عبر القوة العسكرية.
ويصف تقرير صادر عن معهد "Washington Institute" -معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى- هذه الإجراءات بأنها تهدف إلى "خلق مساحة إقليمية واحدة لشعبين لا يتمتعان بنظام حقوق متساوٍ"، وهو وصف دقيق لما يعنيه ترسيخ نظام الفصل العنصري بحكم الأمر الواقع.
وهكذا تتكشف الصورة الحقيقية لهذه القرارات: ليست مجرد إجراءات عقارية، بل حلقة في سلسلة منهجية لتجريد الضفة من هويتها الفلسطينية وتمهيد الطريق لفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة.
نهاية أي حكم ذاتي فلسطيني في المنطقتينA وB:
ربما يكون أخطر ما تضمنته قرارات الكابينت الإسرائيلي في فبراير 2026، هو نقل صلاحيات إنفاذ القانون الإسرائيلي إلى المنطقتينA وB، وهما المنطقتان اللتان منحتهما اتفاقية أوسلو الثانية (1995) حصرا للسلطة الفلسطينية في مجالات الحكم المدني والأمني. تشمل الصلاحيات الجديدة التي استحوذ عليها الاحتلال أربعة مجالات حيوية:
· المياه، وهو ما يمنح إسرائيل السيطرة على المورد الأكثر حساسية للحياة الفلسطينية والزراعة.
· البيئة، وهو ما يتيح ذريعة لوقف أي مشروعات تنموية أو سكنية بحجج واهية.
· التراث والآثار، وبما أن الضفة الغربية بأكملها مليئة بالمواقع الأثرية، فهذا يمنح الاحتلال صلاحية مطلقة تقريبا للتدخل في أي بناء فلسطيني، في أي مكان، وتحت أي ذريعة.
تجريد المدن الكبرى من صلاحياتها.. الخليل نموذجا:
لم تكتف الحكومة الإسرائيلية باختراق المنطقتينA وBعبر نقل صلاحيات إنفاذ القانون في مجالات المياه، والبيئة، والتراث، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك بتجريد بلديات فلسطينية كبرى من صلاحياتها بشكل مباشر. فقرارات الكابينت التي صدرت في فبراير 2026 نصت على إجراءين رئيسيين:
· نقل صلاحيات التخطيط والبناء في مدينة الخليل ومحيط الحرم الإبراهيمي من بلدية الخليل الفلسطينية إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية، مما يعني أن إسرائيل تسيطر الآن على قرارات البناء والهدم في قلب واحدة من أكبر المدن الفلسطينية وأكثرها حساسية.
· إنشاء هيئة إسرائيلية دائمة لإدارة قبر راحيل في مدينة بيت لحم، وهي هيئة ذات صلاحيات موسعة وتمويل دائم، مما يكرس السيطرة الإسرائيلية على أحد أقدس المواقع الدينية في فلسطين.
ويصف مراقبون دوليون هذه الخطوة بأنها تجسيد لاستراتيجية أوسع تهدف إلى تحويل الصراع السياسي إلى صراع ديني، حيث يستخدم الاحتلال المواقع المقدسة ذريعة لتوسيع سيطرته على الأرض.
كما يشير محللون في معهد واشنطن ومعهد دراسات فلسطين إلى أن "المعركة على الأضرحة هي معركة على الأرض"، وأن السيطرة على المواقع الدينية تمنح الاحتلال تفوقا رمزيا وقانونيا في آن واحد.
وهذا التمييز بين "القوة" و"القانون" يشير إلى انتقال إسرائيل من فرض سيطرتها بالقوة العسكرية المباشرة، إلى ترسيخها من خلال أطر قانونية وإدارية دائمة، تجعل من الصعب عكسها في أي تسوية سياسية مستقبلية. والمحصلة النهائية لهذه الإجراءات هي تغيير الهوية الفلسطينية للمدن الكبرى، وتفريغ أي حكم فلسطيني فيها من مضمونه الحقيقي، وتحويل ما تبقى من صلاحيات السلطة إلى مجرد إدارة محلية شكلية تخضع لقرارات إسرائيلية مباشرة. وتجدر الإشارة إلى أن استهداف الخليل وبيت لحم تحديدا ليس محض صدفة، فهاتان المدينتان تحملان رمزية دينية وتاريخية كبرى لدى الفلسطينيين والعرب والمسلمين، وتغيير هويتهما يمثل ضربة موجعة للرواية الوطنية الفلسطينية ولأي مشروع سياسي مستقبلي يقوم على أساس حل الدولتين.
ميزانية إسرائيل 2026 وتمويل المنظومة الاستعمارية:
في 30 مارس 2026، أقر الكنيست الإسرائيلي ميزانية قياسية بلغت 271 مليار دولار، وهي الأكبر في تاريخ إسرائيل.غير أن الرقم الضخم في حد ذاته أقل دلالة من التخصيصات التي تكشف الأولويات الحقيقية للحكومة، والتي تأتي رغم تحذيرات المؤسسة الأمنية وحالة الحرب مع إيران. وتشمل هذه التخصيصات ثلاثة بنود رئيسية:
· 400 مليون شيكل (129.5 مليون دولار) لوزارة الاستيطان، وهي الوزارة التي ترأسها أوريت ستروك، والتي تُجيز البؤر الاستعمارية غير القانونية على أراضي الفلسطينيين.
· 2.75 مليار شيكل على مدى خمس سنوات لتطوير البنية التحتية في المستعمرات الإسرائيلية "ما وراء الخط الأخضر"، وهو استثمار ضخم يهدف إلى ربط المستوطنات البعيدة بشبكات الطرق، والكهرباء، والمياه.
· 50 مليون شيكل لمعدات أمنية مدنية (طائرات مسيرة، كاميرات مراقبة) يديرها المستوطنون أنفسهم، مما يدمجهم رسميا في المنظومة الأمنية ويطمس الحدود بين المدني المسلح والعسكري.
ويصف مراقبون في موقع "إسرائيل ديفينس" (Israel Defense) هذه المخصصات بأنها تعكس تجاهلا خطيرا لتحذيرات المؤسسة الأمنية. والأرقام تتحدث عن نفسها: فمنذ تولي الحكومة الحالية، ارتفع عدد المستعمرات والبؤر الاستعمارية في الضفة الغربية بما في ذلك القدس الشرقية من 141 (2022) إلى 210 (2025)، أي بزيادة تقارب 50%، ويعيش اليوم نحو 700 ألف صهيوني في مستعمرات غير قانونية بموجب القانون الدولي.
شعار "الأمن المطلق":
تستخدم الحكومة الإسرائيلية شعار "الأمن المطلق" لتبرير سياساتها في الضفة الغربية، خاصة بعد أحداث 7 أكتوبر والحرب مع إيران، حيث يُرفع هذا الشعار لتبرير كل شيء: توسيع الاستيطان، وفرض السيادة بحكم الأمر الواقع، وإضعاف السلطة الفلسطينية. لكن دراسة معهدINSS تفكك هذا التبرير بشكل مدمر، وتكشف الفجوة الواسعة بين الشعارات الأمنية والحقيقة على الأرض. فوفقا لما ذكره المعهد، فإن انتشار المستعمرات خارج الكتل الاستعمارية وخارج الجدار الأمني يؤدي إلى ثلاث نتائج خطيرة:
1- إطالة خطوط الدفاع بشكل كبير، حيث تضاعفت المساحة التي يُطلب من الجيش الإسرائيلي حمايتها بسبب البؤر الاستعمارية والمزارع المعزولة.
2- تحويل القوات المقاتلة من مهامها الأساسية، فبدلا من التركيز على إحباط المقاومة ورموزها وحماية منطقة التماس، تُستخدم هذه القوات في مهام حراسة ثابتة للبؤر الاستيطانية.
3- الاعتماد المتزايد على وحدات غير نظامية، مثل كتائب الدفاع الإقليمي ووحدات الاستعداد المحلية في المستعمرات، مما يطمس الفارق بين القوة العسكرية النظامية والمدنيين المسلحين.
وبالفعل حذر رئيس الأركان إيال زمير، وفقا للدراسة نفسها، من أن الجيش "قد ينهار على نفسه"، ويرفع "عشرة أعلام حمراء" أمام القادة السياسيين، محذّرا من العبء العملياتي الهائل الذي تسببه هذه السياسات. وهذا اعتراف إسرائيلي نادر ومهم، صادر عن أعلى مستوى في المؤسسة الأمنية، بأن الاستعمار ليس عامل أمان كما يُروّج، بل عبء عملياتي يضعف الجيش ويُعرض قدرته على مواجهة التهديدات الحقيقية للخطر. فالمنطق الأمني، ببساطة، يتم التضحية به لصالح منطق أيديولوجي استعماري.
إضعاف السلطة الفلسطينية.. بين الرغبة الإسرائيلية والخطر الاستراتيجي:
تتعمد الحكومة الإسرائيلية إضعاف السلطة الفلسطينية، بل دفعها نحو الانهيار، عبر ثلاث أدوات رئيسية:
· حجب أموال المقاصة بالكامل منذ مايو 2025، وهي الأموال التي تشكل المصدر الرئيسي لإيرادات السلطة، مما جعلها غير قادرة على دفع سوى 50-70% من رواتب موظفيها وفقا لتقرير البنك الدولي في نهاية 2025.
· منع عودة العمال الفلسطينيين إلى العمل داخل إسرائيل، وهو ما يفاقم الأزمة الاقتصادية ويزيد من معدلات البطالة.
· فرض عقوبات على مسئولين فلسطينيين، بهدف تقويض مكانة السلطة لدى السكان وإضعاف قدرتها على الحكم.
لكن دراسة معهدINSS تحذر من أن هذه السياسة قد تكون "انتحارا استراتيجيا" لإسرائيل، فالسلطة الفلسطينية تظل الجهة الوحيدة القادرة على الحفاظ على النظام العام، وتوفير احتياجات السكان، ومنع تمدد حماس في الضفة الغربية.
عنف المستوطنين.. الأداة المكملة للسياسة الرسمية:
لا يمكن فهم السياسة الإسرائيلية الجديدة في الضفة الغربية دون النظر إلى تصاعد عنف المستعمرين الإسرائيليين الذي لم يعد مجرد ظاهرة هامشية، بل تحول إلى نمط سلوكي ممنهج، وفقا لدراسة معهدINSS فالأرقام الموثقة من مصادر متعددة ترسم صورة قاتمة عن حجم هذا العنف في عام 2025:
· مكتب تنسيق الشئون الإنسانية(OCHA) وثق 1,732 حادثة عنف من قبل المستعمرين أسفرت عن إصابات أو أضرار مادية، وهو أعلى معدل يومي منذ بدء التوثيق عام 2006.
· منظمة "Peace Now" سجلت 1,828 حادثة، قُتل فيها 9 فلسطينيين وأصيب 838 آخرون، كما أدت هذه الهجمات إلى تهجير 22 تجمعا فلسطينيا بشكل كامل أو جزئي.
· تقرير فلسطيني رسمي أشار إلى 4,723 هجوما من قبل المستوطنين خلال العام نفسه، إضافة إلى 14 شهيدا و971 جريحا.
ولأول مرة منذ عام 1967، تضرر فلسطينيون من "الإرهاب اليهودي" أكثر من الإسرائيليين المتضررين من "الإرهاب الفلسطيني" وفقا لتعبيرهم، وهو تحول نوعي خطير.
وتكشف المصادر أن هذا العنف يشارك فيه مستوطنون مسلحون وجنود احتياط من ميليشيات "هَجمار" (وحدات الدفاع الإقليمي) التابعة رسميا للجيش الإسرائيلي، مما يعني أن الحدود بين المدني المسلح والعسكري تختفي تماما.والأخطر من ذلك، أن غياب الردع القانوني والملاحقة الفعالة يحول هذا العنف إلى أداة سياسية بحد ذاتها، حيث باتت إسرائيل تستخدم الصهاينة كقوة شبه نظامية لتهجير الفلسطينيين من أراضيهم وتوسيع رقعة السيطرة الاستعمارية.
الفصل العنصري.. تحذيرات من داخل إسرائيل نفسها:
لا تتردد دراسة معهدINSS في الإشارة إلى أن السياسات الإسرائيلية الحالية في الضفة الغربية تدفع نحو واقع "الدولة الواحدة" الذي يهدد الطابع اليهودي والديمقراطي لإسرائيل.فمع استمرار توسيع المستعمرات وتآكل السلطة الفلسطينية وإغلاق أي أفق سياسي، لم يعد الحديث عن حل الدولتين سوى "خيال دبلوماسي" كما يصفه محللون في مركز القدس للدراسات.ويشير معهدINSS إلى أن الانجراف نحو واقع الدولة الواحدة سيقوض بشكل خطير رؤية إسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية وآمنة ومزدهرة. وفي السياق نفسه، يحذر مراقبون دوليون من أن هذا الواقع يعني وجود سلطة سيادية واحدة تسيطر على كامل المنطقة بين النهر والبحر، يعيش تحت سيطرتها ملايين الفلسطينيين دون حقوق سياسية متساوية.
ولا نغفل ما نشرته صحيفة "زمان إسرائيل" العبرية في أبريل 2026، عن خبير سياسي يحذر من أنه "إذا استمرت هذه الحكومة في سياساتها، فحتى أنصار إسرائيل التقليديين سيبدأون بالحديث عن الفصل العنصري كوصف قانوني واقعي وليس كاتهام دعائي".
وليس هذا التحذير بمعزل عن الواقع، فمنظمة هيومن رايتس ووتش كانت قد أصدرت تقريرا في وقت سابق اتهمت فيه إسرائيل بارتكاب "جرائم فصل عنصري".
ختاما،إن ما تشهده الضفة الغربية المحتلة اليوم ليس مجرد تشدد في إجراءات الاحتلال التقليدية، بل تحول جذري ومنهجي في المفهوم والسياسة، له تبعات استراتيجية كبيرة على إسرائيل نفسها. فتحت غطاء الطرح الأمني وشعار "الأمن المطلق"، تعمل الحكومة الإسرائيلية الحالية على تغيير بنية وطبيعة السيطرة في المنطقة نحو هدف واضح: فرض السيادة، وإغلاق الطريق أمام أي تسوية سياسية مستقبلية، مع تفكيك السلطة الفلسطينية ودفع الفلسطينيين تدريجيا خارج أراضيهم.
وتكشف المصادر الإسرائيلية، والأوروبية، والأمريكية التي استند إليها هذا التحليل، وعلى رأسها دراسة معهد INSS، أن هذه السياسات تحمل في طياتها مخاطر جسيمة على إسرائيل: اندلاع مقاومة وإرهاب واسع النطاق، وتآكل أخلاقي داخلي، وتصنيف إسرائيل كدولة فصل عنصري، وتعميق العزلة الدولية، وتجميد علاقات السلام القائمة واتفاقيات إبراهيم.
وبالنسبة للفلسطينيين والعرب، فإن هذه التحذيرات والاعترافات الصادرة من داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تمثل سلاحا سياسيا وقانونيا مهما، يكشف حقيقة المشروع الاستعماري الاستيطاني الذي يواجهونه. والمطلوب اليوم هو توثيق هذه الاعترافات واستثمارها في المحافل الدولية، قبل أن يصبح تغيير الحقائق على الأرض أمرا لا رجعة فيه، وتُدفن نهائيا أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية مستقلة.
المصادر:
· https://www.inss.org.il/he/publication/west-bank-policy/
· https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/annexation-design-how-israels-new-west-bank-policies-are-reshaping-conflict-and
· https://jfjfp.com/how-israels-silent-majority-is-letting-west-bank-palestinians-be-driven-out/
· https://www.worldbank.org/en/country/westbankandgaza/research
· https://israelpolicyforum.org/2025/07/24/the-west-bank-the-forgotten-fourth-front/
· https://www.timesofisrael.com/reservist-soldier-fatally-shoots-palestinian-amid-alleged-rock-throwing-near-ramallah/
· https://www.timesofisrael.com/zamir-said-to-warn-cabinet-that-idf-will-collapse-in-on-itself-amid-manpower-shortage/
· https://www.theguardian.com/world/2026/jan/30/settler-only-idf-units-functioning-as-vigilante-militias-in-west-bank
· https://www.usnews.com/news/world/articles/2026-02-08/israels-security-cabinet-approves-measures-to-strengthen-control-over-the-west-bank