تحليلات

مصر وإدارة الأزمات في الإقليم: الدور الوظيفي للدولة القائد بين إدارة التفاعلات وإنتاج الاستقرار.. تعظيم المكاسب وتقليل المخاطر في الاستراتيجية المصرية

طباعة

في أدبيات العلاقات الدولية المعاصرة، لم يعد كافيًا تفسير أدوار الدول عبر مقاييس القوة التقليدية وحدها، بل بات من الضروري النظر إلى”الوظيفة“ التي تؤديها الدولة داخل نظام إقليمي مضطرب. هنا يتبلور مفهوم الدور الوظيفي للدولة القائد بوصفه نمطًا من الأداء يتجاوز ثنائية الهيمنة/التبعية، ويتأسس على فكرة إدارة التفاعلات لا السيطرة عليها. هذا التحول يعكس انتقالًا أعمق في فهم القوة نفسها، من كونها قدرة على الإكراه، إلى كونها قدرة على تنظيم السلوك الجماعي وتقليل كلفة الفوضى.

”الدولة القائد“، وفق هذا المنظور، لا تُعرَّف بما تملكه فقط، بل بما تفعله داخل بيئتها. هي دولة تتحمل عبء ”ضبط التفاعلات الإقليمية“؛ أي إنتاج حد أدنى من الاستقرار، وتأمين قنوات الاتصال، ومنع الانزلاق إلى الفوضى الشاملة. هذه الوظيفة تجعلها أقرب إلى ”منظّم للتفاعلات“منها إلى فاعل يسعى للهيمنة. ومن ثمّ، فإن معيار نجاحها لا يُقاس بمدى إخضاع الآخرين، بل بمدى قدرتها على الحفاظ على قابلية النظام للعمل رغم التناقضات.

1.الأسس النظرية للدور الوظيفي

يمكن قراءة هذا الدور من خلال ثلاثة مداخل نظرية متكاملة:

- المدخل الوظيفي-البنيوي

ينظر إلى النظام الإقليمي باعتباره يحتاج إلى وظائف أساسية: الوساطة، التهدئة، إدارة الأزمات، وتوفير قنوات التنسيق. في الحالات التي تغيب فيها مؤسسات إقليمية فعّالة، تميل دولة بعينها إلى ملء هذا الفراغ. هنا لا يكون الدور اختيارًا كاملًا، بل استجابة لحاجة بنيوية في النظام.

- مدخل الدور

يركز على أن سلوك الدولة يتحدد عبر تصوراتها الذاتية (كيف ترى نفسها) وتوقعات الآخرين (كيف يُراد لها أن تتصرف). الدولة القائد تنجح حين يتقاطع هذان البعدان، وذلك عندما ترى نفسها وسيطًا أو موازنًا، ويقبل الآخرون بهذا الدور. أي خلل في هذا التوافق يُنتج فجوة بين الدور المُعلنوالدور المُعاش.

- مدخل القوة المركبة

يفترض أن القيادة الإقليمية لا تُبنى بالقوة الصلبة وحدها، ولا بالناعمة فقط، بل بمزيج مرن منهما. القدرة على الردع مهمة، لكن الأهم هو القدرة على توظيفها دون استخدامها، عبر خلق بيئة تجعل اللجوء للقوة خيارًا مكلفًا للجميع.

2.عناصر بناء الدور الوظيفي

الدور الوظيفي للدولة القائد يقوم على أربعة أعمدة رئيسية:

- القدرة، تشمل الموارد الاقتصادية، الكفاءة المؤسسية، والقدرات العسكرية. لكنها هنا ليست غاية في ذاتها، بل أداة تمنح الدولة مصداقية في التحرك.

- القبول، وهو العنصر الأكثر حساسية. لا يكفي أن تكون الدولة قادرة بل يجب أن تُقبل كوسيط أو ضامن.

- الاتصال، أي امتلاك شبكة علاقات متشعبة تسمح بالوصول إلى جميع الأطراف، بما في ذلك الخصوم. الدولة التي تفقد قنوات الاتصال تفقد قدرتها على الوساطة.

- المرونة، القدرة على تعديل السلوك وفق تغير السياق،فالجمود هنا يُفقد الدولة دورها سريعًا في بيئة متحركة.

3.أنماط الأداء الوظيفي

الدولة القائد لا تؤدي دورًا واحدًا ثابتًا، بل تتحرك بين عدة أنماط:

- الموازن،الذي يمنع اختلال التوازن لصالح طرف واحد بشكل يهدد الاستقرار.

- الوسيط،الذي يفتح قنوات التفاوض ويقترح حلولًا وسطية.

- الضامن،الذي يوفر مظلة ثقة نسبية لتنفيذ التفاهمات.

- مدير الأزمة،الذي يتدخل لاحتواء التصعيد,

التحول بين هذه الأنماط ليس اختيارًا حرًا بالكامل، بل تحكمه طبيعة الأزمة وتوازنات القوى.

4.حدود الدور ومخاطر الإفراط فيه

رغم جاذبية مفهوم”الدولة القائد“، فإن له حدودًا واضحة:

فخ التمدد الزائد،فعندما تتجاوز الدولة قدرتها، يتحول الدور إلى عبء اقتصادي وأمني.

تآكل القبول،فأي انحياز حاد أو فشل متكرر قد يفقد الدولة صفة الوسيط المقبول.

تضارب الأدوار،فالجمع بين أدوار متناقضة (وسيط/طرف) قد يضعف المصداقية.

القيود الدولية،فتدخل القوى الكبرى قد يفرض سقفًا لحركة الدولة القائد.

5.إدارة التناقضات كجوهر للدور

النقطة الحاسمة في هذا الإطار أن الدولة القائد لا تحل التناقضات بقدر ما تديرها. هي لا تسعى لإزالة الصراع بالكامل، بل لخفض حدته إلى مستوى يمكن التعايش معه. هذا ما يفسر أن نجاحها يُقاس غالبًا بما لم يحدث؛ من حيث حروب تم تجنبها، أو تصعيد تم احتواؤه، أو قنوات لم تُغلق.

في هذا السياق، تصبح النتائج الجزئية هي القاعدة، وليست الاستثناء. فالمفاوضات والتسويات المرحلية، والهدن المؤقتة، كلها أدوات مشروعة ضمن منطق إدارة الأزمات.الدور الوظيفي للدولة القائد أن تكون الأقدر على منع الأسوأ، وخلق حد أدنى من الممكن وسط كل هذه الفوضى وعدم اليقين.

أولًا: الدور المصري من 2011 حتى 2014

لم تكن أحداث 2011 مجرد تغيير سياسي داخلي، بل مثلت صدمة بنيوية أصابت محددات الدور الإقليمي المصري في صميمها. الدولة، التي كانت تاريخيًا قادرة على الجمع بين الحضور السياسي والقدرة على التأثير، وجدت نفسها أمام معادلة معكوسة؛ حيث باتت هناك أولوية للداخل على حساب الخارج، وتراجع القدرة على المبادرة لصالح رد الفعل.

اقتصاديًا، فرضت الضغوط المالية قيودًا إضافية على الحركة. تراجع الموارد وارتفاع الالتزامات حدّا من قدرة الدولة على تمويل أدوار خارجية مكلفة، وهو عنصر حاسم في أي تصور لـ”الدولة القائد“. كانت النتيجة واضحة، وتمثلت في انكماش في المجال الحيوي، وتراجع في القدرة على المبادرة.

خارجيًا، لم يظل الفراغ فراغًا. برزت قوى إقليمية تحركت بسرعة لملء المساحات المتاحة، مستفيدة من غياب الفاعل القوي التقليدي، في تفعيل لأطروحات الدول القزمية. هنا لم يكن التحدي فقط في خسارة النفوذ، بل في إعادة تشكيل قواعد اللعبة الإقليمية دون مشاركة مصرية فعالة. أي أن الأزمة لم تكن في تراجع الدور فحسب، بل في تغير البيئة التي يعمل داخلها هذا الدور.

في هذه المرحلة، ركزت مصر على استعادة الحد الأدنى من القدرة والسيطرة على المجال الداخلي. هذا التحول ضروري لفهم ما تلاه؛ لأن استعادة الدور لا تبدأ من الطموح، بل من إعادة بناء الأساس.

- 2013-2014استعادة الدولة وإعادة تفعيل الدور

ابتداءً من الثورة الشعبية في 30 يونيو 2013، ومع تماسك مؤسسات الدولة تدريجيًا، بدأ التحول من منطق الاحتواء الداخلي إلى استعادة القدرة على الفعل الخارجي. عام 2014 يمثل فعليًا نقطة بدء عملية إعادة تفعيل الدور، لكن بشكل مختلف عن الصيغ التقليدية.

أول ما تغيّر هو هيكل القرار،حيث كان استعادة قدر من المركزية والانضباط المؤسسي قد أعاد للسياسة الخارجية وضوحها النسبي، وقلّصت من التذبذب. هذا لا يعني غياب التحديات، لكنه يعني أن الدولة باتت قادرة على صياغة أولويات مستقرة نسبيًا والتحرك وفقها.

ثانيًا،أعادت مصر بناء شبكة علاقاتها على قاعدة براغماتية واضحة، تتمثل في التوازن لا الاستقطاب. هذه لم تكن مجرد صيغة دبلوماسية، بل خيار استراتيجي فرضته طبيعة البيئة الإقليمية. الانخراط في محور صلب كان سيعني تلقائيًا خسارة قنوات مع أطراف أخرى، وهو ما يتناقض مع وظيفة الدولة القائد التي تقوم أساسًا على الاتصال بالجميع.

هذا التحول نحو سياسة”التوازن متعدد المسارات“ لم يكن ترفًا، بل استجابة لثلاثة اعتبارات رئيسية:

· سيولة الإقليم: بعد 2011، لم يعد هناك محور مستقر يمكن الانضمام إليه بثقة. التحالفات أصبحت متحركة، والاصطفافات قابلة للتبدل. في مثل هذه البيئة، يصبح الانحياز الحاد مخاطرة استراتيجية.

· تداخل الملفات:الأزمات لم تعد منفصلة (فلسطين، ليبيا، سوريا، السودان، شرق المتوسط)، بل متشابكة. أي انحياز في ملف قد ينعكس سلبًا في ملف آخر. الحل كان الحفاظ على مرونة تسمح بالتحرك عبر ملفات متعددة دون قيد تحالفي صارم.

· حدود القدرة:في ظل قيود اقتصادية وضغوط داخلية، لم يكن ممكنًا تحمل كلفة الانخراط العميق في صراعات مفتوحة. التوازن هنا يقلل الكلفة، ويُبقي الباب مفتوحًا للمناورة.

عمليًا، ترجمت القاهرة هذا النهج إلى نمط تحرك يقوم على؛ فتح قنوات متوازية مع أطراف متباينة، بما في ذلك أطراف متنافسة، دون تحويل العلاقة مع أحدها إلى قطيعة مع الآخر.الفصل النسبي بين الملفات، بحيث لا يتم رهن ملف بآخر، وهو ما يمنح مرونة أكبر في التفاوض.التحرك المرحلي بدلًا من الرهانات الكبرى، أي تفضيل التسويات الجزئية على الحلول الشاملة غير الواقعية.

هذا النمط لا يمنح مكاسب سريعة، لكنه يبني رصيدًا تراكميًا من الثقة والقدرة على الوصول، وهو جوهر أي دور وظيفي لاحق.

النقطة الأهم في هذه المرحلة أن مصر لم تنتقل مباشرة إلى ممارسة دور الدولة القائد، بل عملت أولًا على استعادة ما يمكن تسميته ”قابلية أداء الدور“. أي؛ استعادة الحد الأدنى من القدرة المؤسسية، بناء حد مقبول من القبول الإقليمي، إعادة فتح قنوات الاتصال. فبدون هذه العناصر، يصبح الحديث عن القيادة مجرد خطاب. ومع توافرها تدريجيًا، بدأ الدور المصري يتحرك من حالة الانكماش إلى حالة الفعل المحسوب.

رغم هذا التحسن، من الخطأ تصور أن مصر عادت ببساطة إلى نمطها السابق قبل 2011. ما تشكل بعد 2014 هو نسخة أكثر حذرًا وبراغماتية من الدور السابق؛ فهو أقل اندفاعًا نحو المبادرات الكبرى، أكثر تركيزًا على إدارة الأزمات بدلًا من حلّها، أكثر حساسية لتكلفة كل تحرك.

ثانيًا:حدود الدور وحدود القدرة بعد 2014

الحديث عن”الدولة القائد“ يكتسب معناه الحقيقي عند وضعه داخل قيود الواقع. فالدور، مهما بدا متماسكًا على مستوى الأداء، يظل محكومًا بسقف القدرة، وببنية إقليمية ودولية لا تسمح بالحسم السريع أو المنفرد. في الحالة المصرية، لا يتعلق الأمر بوجود قيود فحسب، بل بطبيعة هذه القيود وكيفية إدارتها.

1.سقف حركة القيد الاقتصادي

الاقتصاد هنا ليس مجرد خلفية، بل محدد حاكم للدور. أي انخراط خارجي -سياسيًا أو أمنيًا- له تكلفة مباشرة وغير مباشرة. في بيئة تتسم بارتفاع فاتورة الطاقة، وضغوط تضخمية، واحتياجات تمويلية مستمرة، تصبح كل خطوة خارجية خاضعة لحساب دقيق بين العائد السياسي والكلفة الاقتصادية.

لكن الأهم أن القيد الاقتصادي لا يعمل فقط عبر نقص الموارد، بل عبر تأثيره على زمن القرار. فالدولة التي تتحرك تحت ضغط اقتصادي تميل إلى:

· تفضيل الاستراتيجيات منخفضة الكلفة (وساطة، توازن، ردع محدود)

· تجنب الانخراطات طويلة الأمد التي تستنزف الموارد

· البحث عن عوائد سريعة أو تراكمية بدل رهانات كبرى غير مضمونة

بمعنى أدق، الاقتصاد لا يمنع الدور، لكنه يعيد تشكيله نحو نمط أكثر حذرًا وبراغماتية.

2.تعدد بؤر التوتر

الإقليم لا يفرض أزمة واحدة يمكن تركيز الجهد عليها، بل شبكة أزمات متزامنة تتسم بالسيولة وتعقد شبكة المصالح والأولويات. هذا يخلق ما يمكن تسميته بـتجزئة ”الانتباه الاستراتيجي“:

· كل ملف يتطلب موارد سياسية وأمنية

· الأولويات متحركة وليست ثابتة

· أي تصعيد مفاجئ في ملف قد يسحب مواردًا من ملف آخر

النتيجة أن الدولة تضطر إلى إدارة التوازن بين الأزمات بدل حسم أي منها. هنا يظهر مفهوم أن الحد الأقصى الممكن ليس إنهاء الأزمات، بل منع تدهورها المتزامن.

3.تداخل الفاعلين الدوليين

النظام الإقليمي لم يعد مستقلًا بذاته؛ بل أصبح ساحة لتفاعل قوى دولية كبرى. هذا التداخل يفرض قيودًا مزدوجة:

· قيود مباشرة: وجود قوى تمتلك أدوات ضغط أو تأثير أعلى في بعض الملفات

· قيود غير مباشرة: تشابك المصالح بحيث يصبح أي تحرك إقليمي مرتبطًا بحسابات دولية أوسع

في هذه البيئة، لا يُلغي الدور، لكنه يتحول من فاعل حاسم إلى فاعل يؤثر في الاتجاه، يبطئ أو يسرّع المسار، لكن ليس في قدراتهأن يتحكم في النتيجة النهائية بشكل كامل.

4.معضلة الفجوة بين التصور والقدرة

أحد القيود الأقل وضوحًا هو ارتفاع سقف التوقعات -داخليًا وإقليميًا- مقابل حدود القدرة الفعلية. فحين تُصنَّف دولة ما كـ”قائد إقليمي“، تتزايد التوقعات بدورها في كل أزمة. لكن الواقع يفرض:

· انتقائية في التدخل

· تفاوتًا في مستويات التأثير من ملف لآخر

· نتائج جزئية بدل حلول شاملة

إذا لم تُدار هذه الفجوة، قد تتحول إلى ضغط سياسي ومعنوي يُضعف تقييم الدور، حتى لو كان أداؤه واقعيًا وفعالًا ضمن حدوده.

5.اتساع وقيود الدور

هناك مفارقة بنيوية: اتساع الدور يخلق قيودًا إضافية.فكل انخراط جديد يعني:

· التزامًا سياسيًا يجب الحفاظ عليه

· موارد يجب تخصيصها

· مخاطر محتملة يجب احتواؤها

بالتالي، لا يكون التحدي فقط في توسيع الدور، بل في منع تحوله إلى عبء تراكمي. وهذا يفسر ميل مصر إلى التحرك المرحلي وتجنب القفزات الكبيرة.

في ضوء هذه القيود، يتبلور منطق مختلف للدور؛ فالهدف ليس إنهاء الأزمات، بل إبقاؤها ضمن حدود قابلة للإدارة. كذلك ليس المطلوب السيطرة على النتائج، بل التأثير في مساراتها. ولا يكون السعي إلى تفوق مطلق، بل تحقيق توازن مستدام.هذا المنطق قد يبدو أقل طموحًا، لكنه في الواقع أكثر قابلية للاستمرار في بيئة معقدة.

بمعنى مباشر وحاسم، مصر تملك قدرة التأثير والمشاركة الفاعلة في جهود الوساطة، لا قدرة الحسم المنفرد.وهذا ليس مؤشر ضعف، بل توصيف دقيق لحدود القوة في نظام إقليمي لم يعد يسمح لأي طرف -مهما كان- بالانفراد بصياغة نتائجه.

ثالثًا: الأزمة في الخليج العربي كاختبار مُركّب للدور الوظيفي المصري

إذا انتقلنا إلى الأزمة في الخليج العربي، فنحن أمام ساحة تختلف نوعيًا عن بقية مِلفات الإقليم. هنا لا تتداخل الأزمات فحسب، بل تتراكب دوائر تفاعلات حساسة؛ العدوان الأمريكي-الإسرائيلي على إيران، بنيوية التحالفات العربية، العدوان الإيراني على دول الخليج والأردن والعراق،أمن الطاقة العالمي، أمن الممرات والمضائق، وحضور دولي كثيف لمصالح متضاربة. لذلك، فإن أي قراءة للدور المصري لا يمكن أن تكون لحظية، بل يجب أن تراعي ازدواجية الموقع واشكالياته،فمصر جزء من منظومة عربية ترتبط فيها بعلاقات وثيقة مع دول الخليج، وفي الوقت نفسه لا تملك مصلحة في إقصاء إيران من معادلة التوازن الإقليمي.

1.خصوصية العلاقات المصرية–الخليجية

العلاقة مع دول الخليج ليست علاقة تكتيكية، بل بنية ارتباط متعددة المستويات:

· اقتصاديًا: استثمارات، تحويلات، وتداخل مصالح مباشرة

· سياسيًا: تنسيق في ملفات إقليمية رئيسية، على رأسها القضية الفلسطينية

· أمنيًا: إدراك مشترك لمخاطر عدم الاستقرار

هذه الكثافة تجعل أي تحرك مصري في أزمة الخليج محكومًا باعتبارين متوازيين؛ الحفاظ على الشراكة الاستراتيجية وعدم الإضرار بها، وأيضًا تجنب الانخراط في اصطفاف حاد قد يقيد حرية الحركة لاحقًا.

بمعنى عملي، لا تستطيع مصر تبني مقاربة حياد تقليدي، لأن موقعها داخل المنظومة العربية يفرض عليها انحيازًا وظيفيًا للاستقرار الخليجي، الذي هو مكون رئيسي في الأمن الإقليمي والأمن القومي العربي. لكن في الوقت نفسه، لا ينبغي لهذا الانحياز أن يصل إلى حد الاصطفاف الصِدامي الذي يُغلق قنوات الاتصال مع أطراف أخرى.

2.إيران كمكوّن في معادلة التوازن

في المقابل، لا يمكن قراءة الأمن الإقليمي دون إدراك أن إيران تمثل فاعلًا بنيويًا في هذه المعادلة. إقصاء هذا الفاعل بالكامل ليس خيارًا واقعيًا، لأن ذلك يعني:

·  رفع احتمالات التصعيد الإقليمي مع إسرائيل -عنصر عدم الاستقرار في الإقليم- بدلًا من احتوائه

·  فقدان أحد عناصر التوازن التي تمنع الهيمنة الأحادية

·  تقليص فرص الوساطة أو إدارة التوتر

من هنا، يتشكل أحد أكثر التحديات حساسية في الدور المصري، والذي يتمثل في كيفيةالحفاظ على شراكاتها الخليجية دون التحول إلى طرف في صراع صفري مع إيران.

هذا الأمر تم عبر هندسة سلوك تقوم على:

· الإبقاء على قنوات اتصال غير مصادمة مع طهران

· دعم مسارات خفض التصعيد بدل تغذية الاستقطاب

· تجنب خطاب أو مواقف تُغلق الباب أمام أي دور وساطة محتمل

هذا لا يعني مساواة بين الأطراف، بل يعني إدراك أن استقرار الإقليم يمر عبر إدارة العلاقة مع إيران، لا تجاهلها.

3.معادلة دقيقة بين الانحياز للاستقرار دون الانخراط في الصراع

هنا تتبلور المعادلة المركبة التي حكمت السلوك المصري:

· انحياز استراتيجي لاستقرار الخليج باعتباره جزءًا من الأمن العربي

· رفض الانزلاق إلى صراع مفتوح يرفع كلفة الإقليم ككل

· الحفاظ على موقع يسمح بالوساطة أو التهدئة إذا ما توفرت الظروف

هذه المعادلة تفرض نمطًا من التحرك يمكن وصفه بـالانخراط المحسوب“، وذلك من خلال دعم مواقف تهدئة التصعيد، تجنب خطوات غير قابلة للارتداد، مع العمل على إبقاء مسارات التواصل مفتوحة على جميع المستويات.

4.ارتفاع كلفة الخطأ وسرعة التفاعل المطلوب

الفارق الجوهري في أزمة الخليج هو أن هامش الخطأ ضيق للغاية، فأي تصعيد يؤثر فورًا على أسواق الطاقة، وأي اضطراب ينعكس على التجارة والملاحة، وأي انحياز غير محسوب قد ينعكس على شبكة العلاقات بأكملها.

لذلك، يصبح عنصر الزمن حاسمًا. الدولة القائد هنا لا تملك رفاهية الانتظار، بل تحتاج إلى:

· قراءة مبكرة لاتجاهات التصعيد

· تحرك سريع لاحتواء التدهور

· استخدام أدواتها السياسية قبل أن تتصلب المواقف

5.الرصيد التراكمي منذ 2014 كعامل تمكين

ما يمنح مصر القدرة على التحرك في هذه البيئة المعقدة ليس فقط موقعها، بل تراكم الخبرة خلال العقد الماضي، وذلك من خلال إدارة أزمات متعددة دون الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة، وبناء شبكة علاقات متوازنة مع أطراف متباينة، وترسيخ نمط تحرك قائم على التهدئة والتوازن. هذا الرصيد لا يضمن النجاح، لكنه يوفر أدوات عملية للتعامل مع الأزمة الحالية دون البدء من نقطة الصفر.

6.حدود الحركة بين الذي يمكن والذي لا يمكن

ضمن هذه المعادلة، يمكن تحديد حدود الدور بشكل واقعي. فما يمكن فعله، تمثل في المساهمة في خفض التصعيد، الحفاظ على قنوات الاتصال والقيام بأول اتصال مع الحرس الثوري المسيطر على مجريات الأمور في إيران، دعم ترتيبات تهدئة مرحلية عبر الشراكة مع قوى إقليمية كبرى (باكستان، السعودية، تركيا)، التأثير في إيقاع الأزمة من خلال التواصل المباشر مع القادة في دول الخليج والولايات المتحدة عبر الدبلوماسية الرئاسية.

غير أن المتغيرات التي شهدها الإقليم، والتطورات التي يشهدها النظام الدولي الذي يعاد تشكيله، حدت من قدرة مصر على فرض تسوية نهائية، كذلك تعيق إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية بشكل جذري.

بهذا المعنى، فإن النجاح لا يُقاس بإنهاء الأزمة، بل بقدرة مصر على الحفاظ على شبكة علاقاتها، ومنع الانفلات، والبقاء طرفًا فاعلًا في لحظة إقليمية شديدة السيولة . وفي هذا السياق، لا تتحرك مصر من موقع مراقب، بل من موقع فاعل مرتبط بشبكة مصالح كثيفة مع الخليج، وفي الوقت نفسه واعٍ بأن استقرار الإقليم لا يمكن هندسته عبر إقصاء إيران من معادلته. هذه الثنائية هي التي تعيد تعريف معنى تعظيم المكاسب وتقييد الخسائر، وهو ما تمثل في الدور المصري المتميز ليس عبر الانحياز، بل عبر إدارة التوازن.

7.فرص تعزيزالدور دون فقدان التوازن

أهم ما تملكه مصر في هذه الأزمة ليس فقط قدرتها، بل طبيعة موقعها:

· شراكة استراتيجية مع الخليج تمنحها شرعية التحرك داخل المنظومة العربية

· قنوات اتصال ممتدة تسمح لها بالتحرك خارج منطق الاصطفاف والانحياز

· رصيد تراكمي في إدارة الأزمات يمنحها مصداقية كفاعل تهدئة

هذا يفتح أمامها مساحة للتحرك كـ”وسيط مائل للاستقرار“، فهي ليست وسيطًا محايدًا بالكامل، ولا طرفًا منحازًا، بل فاعلًا يعمل على خفض التصعيد دون كسر التوازنات.العائد هنا ليس فقط سياسيًا (تعزيز الدور)، بل وظيفي، ويتمثل في تثبيت موقع مصر كقناة لا يمكن تجاوزها في أي ترتيبات تهدئة أو إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للإقليم.

اقتصاديًا، تظل نافذة إعادة التموضع قائمة، لكن ضمن شروط، فمصر قد تستفيد من البحث عن بدائل مستقرة في الطاقة والخدمات اللوجستية

لكنها لن تكون بمنأى عن تأثيرات السوق، بل جزءًا منها. بمعنى أدق، فالفرصة ليست في تحقيق مكاسب استثنائية، بل في تعزيز موقع قائم بالفعل.

غير أن القيود هنا أكثر وضوحًا من أي مِلف آخر:

· الطاقة: أي تصعيد سيرفع الكلفة مباشرة، دون قدرة على العزل

· التجارة والملاحة: قناة السويس والبحر الأحمر يظلان عرضة لتأثيرات أي اضطراب

· الاستثمارات والتدفقات: البيئة الإقليمية المضطربة بطبيعتها طاردة للحذر الاستثماري

لكن الخطر الأهم ليس اقتصاديًا فقط، بل استراتيجي، فأي انحياز غير محسوب قد يؤدي إلى تحول الأزمة من فرصة لتعزيز الدور إلى قيد عليه، من حيث:

· تآكل القدرة على الوساطة

· فقدان قنوات الاتصال مع أحد الأطراف

· تقليص هامش الحركة في ملفات أخرى

8.السيناريوهات في ضوء معادلة التوازن

· سيناريو الاحتواء،ولعله هو الأكثر اتساقًا مع المصالح المصرية.حيث يتحقق استقرار نسبي في الخليج مع بقاء قنوات الاتصال مفتوحة، وهو ما يتيح استمرار فرص الدور السياسي والاقتصادي. هنا تتحرك مصر في أفضل بيئة ممكنة، من حيث وجود توازن مستقر نسبيًا يسمح بتعظيم الدور دون كلفة عالية.

· سيناريو التصعيد المحدود،لعله في ظل المعطيات المتاحة معلوماتيًا هو الأكثر واقعية في المدى القريب.لكنه يعني ارتفاع تدريجي في التكاليف، مع الضغط على الطاقة والتجارة، ومن ثم استمرار الحاجة إلى وساطة وتهدئة.

في هذا السيناريو، يتحول الدور المصري إلى إدارة الإيقاع، من خلال منع التصعيد من التحول إلى مواجهة مفتوحة، مع الحفاظ على التوازن بين الشراكة الخليجية وعدم قطع قنوات الاتصال مع إيران.

· سيناريو التصعيد الواسع، لعله السيناريو الأسوأ.حيث سيؤدي إلى اضطراب حاد في الأسواق والملاحة، ما يفرض ضغطًا اقتصاديًا مباشر، كل ذلك في ظل انكماش هامش الحركة السياسية. هنا تتغير الأولويات بالكامل، من تعظيم الدور إلى حماية الداخل ومنع انتقال الصدمة.ويصبح الهدف الواقعي هو تقليل الخسائر، لا تحقيق المكاسب.

في ضوء ما سبق، يمكن توقع قائمة إجراءات، كـمنطق حاكم للسلوك:

· دبلوماسيًا: الحفاظ على موقع”الوسيط المائل للاستقرار“ دون الانخراط في اصطفاف صِدامي

· اقتصاديًا: امتصاص الصدمات لا تفاديها بالكامل، عبر تنويع الأدوات وتقليل الانكشاف

· أمنيًا: تأمين الممرات الحيوية مع تجنب تحويل الدور الأمني إلى عبء استنزافي

الأزمة الخليج لا تختبر فقط قدرة مصر على إدارة أزمة، بل قدرتها على إدارة مفارقة مركبة -كما ذكرنا-، تتمثل في الحفاظ على شراكة عميقة مع الخليج، مع ضرورة إبقاء إيران داخل معادلة التوازن، في ظل بيئة دولية لا تسمح بحسم منفرد.

في هذا الإطار، لا يكون النجاح في تحقيق مكاسب مطلقة، بل في الحفاظ على التوازن دون خسارة أي من أطرافه الأساسية، ومنع الانفلات، والبقاء داخل معادلة التأثير.والدور الوظيفي هنا يصل إلى أقصى درجاته الواقعية، والمتمثل في التأثير دون الهيمنة، والحركة دون الانكشاف، والتوازن دون ادعاء الحسم.

طباعة

    تعريف الكاتب

    أحمد ناجي قمحة

    أحمد ناجي قمحة

    رئيس تحرير مجلتى السياسة الدولية والديمقراطية