تحليلات

صراع الإرادات الإقليمي.. لماذا تتعثر التسوية بين واشنطن وطهران؟

طباعة

مع إعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، دخول المواجهة العسكرية مرحلة هدنة أمدها أسبوعان، ترقبا لما ستسفر عنه المساعي الدبلوماسية التي اصطدمت جولة إسلام أباد بصلابة الموقف الإيراني، بدت القراءة الأولية للمشهد تشير إلى وصول الولايات المتحدة، بعد أربعين يومًا من الصراع، إلى قناعة باستحالة فرض إرادتها عبر القوة العسكرية وحدها. بيد أن الوقائع الجيوسياسية كشف عن عوائق بنيوية جعلت من فرص إخفاق التفاوض ترجح على احتمالات نجاحه.

ويأتي في طليعة هذه العوائق سيطرة عقيدة الانتصار على تقييمات كلا الطرفين، إذ يرى كل منهما أنه في وضع ميداني لا يستدعي تقديم تنازلات جوهرية. فإيران ترى أنها لم تكتفِ بالصمود الاستراتيجي لأربعين يومًا أمام حملة جوية واسعة شنتها القوة العظمى وحليفها الإقليمي الأبرز، بل نجحت في الحفاظ على أدوات ردعها المتمثلة في الترسانة الصاروخية والمسيرات والقدرات النووية، معززة ذلك بصلابة محور المقاومة وامتياز إضافي يتمثل في فرض واقع جديد بمضيق هرمز.

في حين يرفض الرئيس ترامب التسليم بالجمود الميداني، مراهنًا على أن عملية الغضب الملحمي حققت اختراقات عملياتية ملموسة عبر استهداف نقاط حيوية في الداخل الإيراني. وبناءً عليه لا يزال يراهن على فاعلية أوراق ضغط بديلة لإرغام طهران على التراجع، تبدأ من التلويح باحتلال الجزر الإيرانية أو تنفيذ عمليات نوعية ضد منشآت اليورانيوم، وصولًا إلى فرض حصار بحري شامل، وهذا يجعل المسافة بين طاولة المفاوضات والواقع العسكري لا تزال شاسعة.

صراع الإرادات بين طهران وواشنطن:

على هامش جولة مفاوضات إسلام آباد، يبرز معطى جوهري يتجاوز الأطر التقليدية للدبلوماسية، إذ تبدو إيران اليوم في وضعية مُملي الشروط لا المفاوض التقليدي. هذا الثبات ليس مجرد مناورة سياسية عابرة، بل هو نتاج تحول بنيوي في هوية وعقيدة الفريق الإيراني، فبينما كانت التيارات السياسية -بأطيافها الأصولية والإصلاحية- هي من تدير دفة الخارجية سابقًا، بات المشهد اليوم تحت قبضة جناح الصقور بقيادة محمد باقر قاليباف وعباس عراقجي. ويمثل هذا الثنائي انصهارًا كاملًا بين الميدان والدبلوماسية، ولعل هذا يفسر غياب لغة التنازلات لدى إيران واستبدال سعي محموم بها لانتزاع الحقوق الاستراتيجية بوصفها الرافعة الأساسية لترسيخ شرعية الجمهورية الثانية للنظام.

وكما أشرتُ سابقًا منذ لحظة غياب الزعيم علي خامنئي وتصدر الحرس الثوري للمشهد السيادي، فإن هذا التحول يمهد لانتقال نظام الجمهورية الإسلامية من الدولة الدينية التقليدية إلى نموذج الدولة الأمنية الثيوقراطية الأكثر تشددًا. نحن إذا بصدد ولادة جمهورية إيرانية ثانية تعتمد انتزاع الاعتراف بالقوة فرضًا، عوضًا عن وعود الانفتاح والإصلاح التي ميزت حقبتي خاتمي وروحاني.

إلا أن المفارقة تكمن في أن إدارة ترامب بفريقها البراجماتي (فانس وكوشنر) تميل هي الأخرى إلى منطق القوة، حيث تجد واشنطن نفسها أمام خصم لا يتحدث لغة الأيديولوجيا فحسب، بل لغة المصالح والتهديدات الجيوسياسية المباشرة، لاسيما في مضيق هرمز وباب المندب، مع توقعات بلومبرج بتداول سعر برميل النفط تتجاوز 140 دولارًا هذا الأسبوع. إن هذا الاصطدام بين مدرستين تؤمنان بالقوة الخشنة يضع المنطقة أمام خيارين، إما صفقة كبرى اضطرارية أو انفجار شامل. ولعل ترجيح كفة أي منهما يبقى مرهونًا بقدرة ترامب على كبح جماح نتنياهو وردعه، وهو ما سيمهد، في حال حدوثه، لانقسام رسمي في المصالح وتنازع حاد بين اللوبيات في واشنطن وتل أبيب في المستقبل القريب.

إخلال إسرائيل بمسار المفاوضات:

يبرز الدور الإسرائيلي كعامل إخلال جوهري في المسار التفاوضي، فبرغم انحصار طاولة الحوار بين الجانبين الإيراني والأمريكي، إلا أن الملفات المطروحة تمس الأمن الإسرائيلي في جوهره. وتتجلى المعضلة في إصرار إيران على شمولية أي اتفاق دائم لوقف إطلاق النار ليشمل لبنان، والعراق، واليمن، تكريسًا لمبدأ وحدة الساحات، بينما تسعى إسرائيل جاهدة لفك هذا الارتباط وتفتيت الملفات لضمان حرية التحرك المنفرد ضد حزب الله. وهي معادلة تبدو فيها الإدارة الأمريكية عاجزة عن ثني تل أبيب عن توجهها، أو إجبار طهران على التنازل عن ثوابتها الإقليمية.

وفي محاولة لخلط الأوراق، خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن مسار الهدنة التي شملت لبنان -وفقًا للروايتين الإيرانية والباكستانية- سعيًا لفرض تفوق ميداني يمنحه اليد العليا، رغم تمسك إيران بشرطيها المسبقين، الوقف الشامل لإطلاق النار في لبنان، وتحرير أصولها المالية المجمدة. ومن أجل بلوغ هذه الغايات، فعلت طهران أربع أوراق ضغط استراتيجية قلبت الطاولة، بدأت بالتلويح بإغلاق مضيق هرمز واستغلال الثقل الدولي لمنصة إسلام آباد، وصولًا إلى تفعيل أدوار الدول الثالثة -التي ليست طرفًا في النزاع- لكسر الجمود المالي، والتحضير لعمليات عسكرية نوعية تتضمن محاصرة موانئ إقليمية ردًا على تهديدات ترامب بفرض حصار بحري.

في المقابل شنت إسرائيل هجومًا سياسيًا مضادًا عبر محاولة فتح قناة تفاوض مباشرة مع الحكومة اللبنانية، في خطوة تهدف استراتيجيًا إلى عزل التأثير الإيراني عن الملف اللبناني، والتنصل من طرح قضية لبنان في إسلام آباد عبر حصرها في إطار ثنائي بين بيروت وتل أبيب، فضلًا عن محاولة تعويم الحكومة اللبنانية الحالية التي تواجه سخطًا شعبيًا واسعًا نتيجة سلبيتها في التعاطي مع الضربات الإسرائيلية.

ونتيجة لهذه الضغوط المتقاطعة، دخلت المفاوضات حالة من التجميد المؤقت، ترافق مع تذبذب في حدة الغارات على بيروت وضاحيتها الجنوبية وسط تسريبات عن قرب إعلان وقف إطلاق النار، رغم اشتداد المواجهات ميدانيًا في الجنوب واستمرار رشقات حزب الله الصاروخية نحو الجبهة الشمالية. وبالتوازي مع هذا التصعيد، تستمر المشاورات المكثفة بين إيران، وقطر، وكوريا الجنوبية لضبط اللمسات الأخيرة على آلية تحرير ستة مليارات دولار من الأصول المجمدة، ليبقى المشهد معلقًا على صراع النفس الطويل ومدى قدرة الأطراف على تحويل مكتسبات الميدان إلى تنازلات سياسية على طاولة المفاوضات المتعثرة.

السيناريوهات المستقبلية لدائرة الصراع:

من المرجح أن تشهد المرحلة المقبلة محاولة إيرانية جادة لكسر حلقة التفاوض تحت وطأة الضغط التي يتبناها ثنائي ترامب-نتنياهو، إذ ستتولى التحركات العسكرية على الأرض مهمة رفع كلفة المواجهة لتتجاوز العوائد السياسية والعسكرية التي حققتها عملية الغضب الملحمي. وفي هذا السياق، قد لا تكتفي التحركات العسكرية بالأنماط التقليدية للرد، بل قد ننتقل إلى مرحلة فرض واقع جيوسياسي جديد في مضيق هرمز وباب المندب، يتجاوز التهديدات اللفظية وصولا إلى تعطيل منهجي للملاحة أو فرض سيادة رسوم عبور قسرية. وهذه المناورة ستضع إدارة ترامب أمام اختبار حقيقي لمصداقيتها الاقتصادية أمام الأسواق العالمية والداخل الأمريكي، التي يخشى ترامب اضطرابه أكثر قبل انتخابات التجديد النصفي نوفمبر 2026.

أما على الصعيد التفاوضي فمن المستبعد العودة سريعًا إلى طاولة المفاوضات المباشرة بسقف مطالبها الفلكيالسابق، بل سيتحول المسار نحو المقايضات الصغرى عبر القنوات الخلفية (الدوحة، وأنقرة، والقاهرة). كما ستسعى واشنطن لتقديم جزرة مالية تتمثل في تحرير ستة مليارات دولار بالكامل مقابل تنازلات إيرانية فنية في الملف النووي، أو تهدئة وتيرة العمليات في الممرات المائية، وذلك بهدف تسويق ترامب في مظهر صانع السلام دون تقديم تنازلات استراتيجية جوهرية، سعيا لإنقاذ صورته الجماهيرية داخليًا. في المقابل ستظل طهران متمسكة بقاعدة المكاسب الملموسة مقابل الأفعال، رافضةً أي خفض للتصعيد دون الحصول على عوائد نقدية وجيوسياسية يقينية.

وفيما يخص الملف اللبناني يرجح أن يستمر نتنياهو في محاولة فك الارتباط بين جبهة الشمال والمفاوضات الكبرى، بهدف انتزاع تهدئة هشة مع الحكومة اللبنانية، حتى يعزل حزب الله عن معادلة الضغط الإيرانية. إلا أن نجاح هذا المسار يظل رهنًا بمدى قدرة المقاومة على الحفاظ على تلاحم الميدان ومنع الاستفراد بالجبهات، لتبقى الأيام المقبلة رهينة صراع النفس الطويل والقدرة على تحويل أوراق الضغط إلى مكاسب دائمة.

الخاتمة:

في المحصلة يبدو أن السيناريو المقبل للمسارين الدبلوماسي والعسكري هو صراع النفس الطويل بامتياز، حيث يراهن كل طرف على استنزاف قدرة الآخر أولًا. فبينما تعول واشنطن على فاعلية الحصار الاقتصادي والضربات الجراحية لإحداث شرخ في الجبهة الداخلية الإيرانية، تراهن طهران على الطبيعة البراجماتية لترامب بوصفه رجل صفقات يدرك تمامًا أن تكلفة الحرب الشاملة ستعصف بطموحاته الاقتصادية والسياسية، وستقوض استقرار أسواق النفط العالمية. وبناءً عليه يصبح المسار الأرجح هو الدخول في سلسلة من التفاهمات المحدودة، التي تهدف إلى إدارة الصراع واحتوائه دون إنهائه كليًا، بانتظار لحظة نضج سياسي دولي وإقليمي قد تطول كثيرًا.

 

طباعة

    تعريف الكاتب

    د. شيماء المرسي

    د. شيماء المرسي

    الخبيرة فى الدراسات البينية الإيرانية