استقبلت الكثير من الأسر المصرية بترحيب وارتياح خبر توجيه الرئيس عبدالفتاح السيسي الحكومة فى 13 أبريل الجارى بسرعة تقديم مشروعات القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية (الأسرة المسلمة / الأسرة المسيحية / صندوق دعم الأسرة) إلى مجلس النواب. خاصة وأنها نوقشت لفترات وتعالج العديد من المشكلات الناجمة عن القوانين السارية بحلول جذرية وتم استطلاع رأي العلماء والمتخصصين فيها. ومن المتفق عليه أن قوانين الأسرة تمس الحياة الاجتماعية لكل شخص وتؤثر على شعوره بالاستقرار والأمان الاجتماعى ومدى قدرته على الانخراط فى المجتمع، والعمل، والإنتاج، كما تؤثر على النشء والشباب وتصوراتهم وآرائهم نحو تكوين الأسرة وشعورهم بالمسئولية، مما ينعكس على التماسك الاجتماعى بشكل عام ومدى قوة الروابط الاجتماعية والرأسمال الاجتماعى للمصريين.
أولا- جهود إصدار قوانين الأسرة:
تعد قوانين الأسرة من القضايا الشائكة الحساسة فى المجتمع فآثارها تطول الملايين وتحتاج للتوافق حولها والدقة الشديدة والتوازن المنضبط فى الصياغة لحماية حقوق مختلف الأطراف وتحقيق العدالة. وقد مرت مراحل كثيرة بهدف إعداد مشروع قانون يتناول الأحوال الشخصية للأسرة، فقد وجه الرئيس عبدالفتاح السيسي فى 4 يونيو 2022 بتشكيل لجنة من الخبرات في قضايا الأسرة لإعداد مشروع قانون الأحوال الشخصية يضمن حقوق جميع الأطراف المعنية بعد المشكلات المتراكمة بسبب القوانين القديمة.وبناء على ذلك أمر المستشار عمر مروان وزير العدل السابق فى 5 يونيو 2022 بتشكيل لجنة لإعداد مشروع القانون مكونة من عشرة قضاة فى مجال الأسرة بينهما قاضيتان.وتم منح اللجنة مهلة أربعة شهور للانتهاء من مسودة المشروع فى 5 أكتوبر 2022، لكن تم مد الفترة حتى تنتهى من عملها.
وتجدر الإشارة إلى تلقى اللجنة 4733 اقتراحا، منها 2595 مقترحا من الرجال، و2128 مقترحا من السيدات، و10 من هيئات ومؤسسات، ومقترح من أحد الأحزاب السياسية.وفى 24 ديسمبر 2022 اجتمع الرئيس السيسى مع وزير العدل الذى أطلعه على عمل لجنة إعداد مشروع القانون الجديد للأحوال الشخصية، ووجه سيادة الرئيس بإنشاء صندوق لرعاية الأسرة لمواجهة النفقات والتحديات ذات الصلة بمسائل الأحوال الشخصية.وقد أعلن وزير العدل خلال احتفالية المرأة المصريةفى 20 مارس 2023 الانتهاء من جميع أحكام قانون الأحوال الشخصية، وأنه جارٍ إعادة ضبط صياغته القانونية والانتهاء من إعداد مشروع مستقل لصندوق رعاية الأسرة المصرية الذى يتكون من 13 مادة(.([1]
وفى السياق ذاته يمكن فهم استغراق إصدار قوانين الأسرة لوقت ليس بقصير فى ضوء ما كشف عنه الحوار المجتمعي الذي جرى عام 2022، والذي مثل محطة مركزية في كشف تعقيدات ذلك الملف، مما تطلب حذر المشرع في صياغة قانون شامل للأسرة بسبب حساسية العلاقة بين النصوص القانونية والأحكام والجوانب الدينية، وهو ما جعل أي تعديل عرضة للتدقيق والفحص والنقاش الواسع بين المؤسسات الدينية، والبرلمان، والمجتمع المدني. وقدتعزز ذلك الحذر بفعل تراكم تعديلات جزئية منذ حقبة التسعينيات أدت إلى نصوص متفرقة وغير متجانسة، مما جعل الحاجة إلى قانون موحد أكثر إلحاحا، لكنه في الوقت نفسه أكثر صعوبة من حيث التوافق.
وقد كشف الحوار المجتمعي لعام 2022 بوضوح عن التباينات حول قضايا، مثل الحضانة، والنفقة، والطلاق، وزواج الرجل بأكثر من زوجة. فقد عبرت السيدات عن رغبة قوية في قوانين أكثر حماية لحقوقهن ولحقوق الأطفال، بينما رأى كثير من الرجال أن تلك المطالب تمثل عبئا غير عادل أو تهديدا لحقوقهم. فقد كانالحوار المجتمعي مرآة تعكس التعقيدات الدينية، والاجتماعية، والسياسية التي تجعل صدور قوانين الأسرة عملية بطيئة ومعقدة. فهو أبرز أن القانون ليس مجرد نص تشريعي بل يحمل تداعيات مختلفة، وأن صياغته تتطلب توافقا واسعا يتجاوز البعد القانوني ليشمل إعادة بناء الثقة بين مختلف الأطراف.
وتضمنت "الخطة التنفيذية لتوصيات الحوار الوطني"، التي عملت عليها الحكومة، رصدا للأهداف الرئيسية مصنفة لمحاور، وجاءت تلك الأهداف للمحور الاجتماعي فيما يخص قوانين الأسرة لتؤكد على أهمية تحسين الأنظمة والقوانين الحاكمة لقضية الوصاية على المال لحل مشكلات آلاف الأسر وتوفير المناخ الملائم للأم المصرية للاهتمام بتربية أبنائها بعد وفاة الأب([2]). تضمنت أهم الإجراءات المقترحة وفقا لمخرجات الحوار الوطني، دراسة تعديل المادة رقم (1) من القانون 119 لعام 1952 الخاص بأحكام الولاية على المال لتصبح الأم في المرتبة التالية مباشرة للأب في مسألة الوصاية على أموال القصر، وكذلك تعديل جميع القيم المالية الواردة في قانون الوصاية على المال لتتناسب مع الوضع الاقتصادي الحالي، ووضع تنظيم قانوني خاص للإنفاق في الحالات الحرجة والعاجلة، ورقمنة النيابة العامة المختصة وتيسير التعامل إلكترونيا مع إنشاء تطبيق إلكتروني لاستقبال الطلبات والشكاوى من الوصي لتسهيل الإجراءات، وإنشاء صندوق استثماري للمحافظة على أموال القُصر، وكذلك إنشاء هيئة مستقلة للولاية على أموال القصر([3]).
ولعل أبرز التعديلات المرتقبة تركيز مشروع القانون على وضع إطار قانوني متكامل ينظم مسائل الزواج، والطلاق، والنفقة، والحضانة، مع السعي إلى تقليل النزاعات وتسريع إجراءات التقاضي عبر ضوابط أكثر وضوحًا وفعالية. ويعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا لأهمية التوازن بين الحقوق والواجبات داخل الأسرة بما يحقق الاستقرار الاجتماعي ويحد من الآثار السلبية للتفكك الأسري. وفيما يتعلق بالحضانة يتجه المشروع إلى إعادة ترتيب أولوياتها بما يحقق مصلحة الطفل الفضلى حيث تبقى الأم في المرتبة الأولى، مع انتقال الحضانة إلى الأب في حال سقوط حقها، وهو ما يعكس محاولة لتحقيق توازن بين الدورين الأبويين. كما يتضمن مقترحات تتعلق بتعديل سن الحضانة وإقرار حق الاستضافة للطرف غير الحاضن بما يعزز الروابط الأسرية ويخفف من حدة النزاعات حول الرؤية([4]).
من جانب آخر يسعى مشروع القانون إلى إعادة تنظيم مسألة النفقة بما يضمن حدًا أدنى عادلًا للإنفاق على الأسرة، مع طرح تصورات تتعلق بتقديرها وربطها بالقدرة المالية للزوج، وهو ما يهدف إلى تحقيق حماية أكبر للمرأة والأطفال في حالات الانفصال، إذ تتضمن الرؤية العامة للقانون تعزيز آليات تنفيذ الأحكام القضائية وضمان فعاليتها، بما يحد من إشكاليات عدم التنفيذ التي كانت تمثل أحد أبرز أوجه القصور في التشريعات السابقة([5]).
ثانيا- الارتدادات المحتملة لقوانين الأسرة على التماسك الاجتماعى:
يُعد مفهوم التماسك الاجتماعي من المفاهيم السوسيولوجية المركبة متعددة الدلالات، إذ لا يحظى بتعريف واحد متفق عليه، بل يتداخل مع مفاهيم أخرى، مثل الثقة، والتضامن الاجتماعي، والاندماج، والرأسمال الاجتماعي. ويُستخدم أحيانًا للدلالة على قوة الروابط بين أفراد المجتمع وجاذبيته لهم، أو كهدف تسعى المجتمعات لتحقيقه لضمان الاستقرار. كما يرتبط التماسك الاجتماعي بتحقيق المساواة، والعدالة، والشعور بالانتماء، إضافة إلى وجود منظومة قيم مشتركة تدعم العلاقات الاجتماعية وتحد من التفكك.
ومن الناحية التطبيقية، يتحدد التماسك الاجتماعي عبر مجموعة من المؤشرات، مثل الثقة المتبادلة، والمشاركة الاجتماعية، وتقليل الاستبعاد، وتكافؤ الفرص. وقد ارتبط المفهوم تاريخيًا بتحولات اقتصادية واجتماعية كبرى، حيث أظهرت التجارب أن النمو الاقتصادي وحده لا يضمن الاستقرار ما لم يصاحبه تعزيز الروابط الاجتماعية. كما يبرز دور السياسات العامة في دعم التماسك من خلال تقوية شبكات العلاقات وتحقيق الاندماج وبالتالي يمكن النظر إلى التماسك الاجتماعي باعتباره حالة كلية تعكس توازن المجتمع واستقراره، ناتجة عن تفاعل معقد بين العوامل الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية([6]).
وبإمعان النظر فى التوجه نحو سرعة إصدار قانون الأسرة وارتداداته الاجتماعية المرتقبة، يتبين أن التوجيه بسرعة تقديم مشروعات القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية (الأسرة المسلمة / الأسرة المسيحية / صندوق دعم الأسرة) إلى مجلس النواب، يمثل إدراكًا سياسيًا واستجابة فورية لأهمية البنية التشريعية في تنظيم العلاقات الأسرية باعتبارها النواة الأساسية للمجتمع وتماسكه. ويعكس توجهًا نحو تحقيق العدالة بما يعزز الشعور بالمساواة والانتماء لدى مختلف الفئات، علاوة على أن تسريع إصدار هذه القوانين يسهم في تقليل التضارب القانوني، وهو ما يحد من النزاعات الأسرية ويعزز الاستقرار الاجتماعي.
من زاوية أخرى يرتبط طرح قانون الأسرة الجديد ارتباطًا وثيقًا بالتحولات الاجتماعية التي انعكست في الارتفاع الملحوظ لمعدلات الطلاق خلال السنوات الأخيرة، حيث تشير البيانات الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن عدد حــــالات الطلاقبلغ 273892 حالة عام 2024، مقابل 265606 حالة عام 2023 بنسبة زيادة قدرها 3.1٪. ويرتفع الطلاق فى الحضر (بلغ عدد إشهادات الطلاق فى الحضر 144615 إشهادا عام 2024 تمثل 55.7٪ من جملة الإشهادات مقابل 115082 إشهادا فى الريف عام 2024 تمثل 44.3٪).
وبالنسبة للمطلقين سجلت أعلى نسبة طلاق فى الفئة العمرية (35-40 سنة) حيث بلغ عـــــدد الإشهادات بها 47367 إشهادا بنسبة 18.2٪، بينما سجلت أقل نسبة طلاق في الفئة العمرية (18-20 سنة) حيث بلغ عدد الإشهادات بها 356 إشهادا بنسبة 0,1٪. أما فيما يخص المطلقات سجلت أعلى نسبة طلاق فى الفئة العمرية (25-30 سنة) حيث بلغ عـــدد الإشهادات بها 45635 إشهادا بنسبة 17.6٪، بينما سجلت أقل نسبة طلاق فى الفئة العمرية (75 سنة فأكثر) حيث بلغ عدد الإشهادات بها 168 إشهادا بنسبة 0,1٪([7]).
إن مشكلات ما بعد الطلاق لا تُفسر فقط بعوامل ثقافية أو اقتصادية، بل أيضًا، نجاح الآليات القانونية لتنظيم الطلاق وضمان الحقوق، والحد من الممارسات التعسفية، مثل الطلاق غير الموثق أو النزاعات حول الحضانة.وتبرز أهمية القانون المرتقب كأداة إصلاح هيكلي تهدف إلى إعادة ضبط التوازن داخل الأسرة من خلال إجراءات توثيق الطلاق، وضمان حقوق الزوجة (مثل النفقة)، وتنظيم قضايا الحضانة بشكل عادل. ويسعى إلى إعادة التوازن في استخدام الحقوق القانونية بما يقلل من سهولة الانفصال ويعزز استقرار الأسرة.
ومن المنظور السوسيولوجي، يسهم هذا التوجه في تعزيز التماسك الاجتماعي من خلال تدعيم آليات الحماية الاجتماعية وتقليل التفاوتات داخل المجتمع، خاصة عبر صندوق دعم الأسرة الذي يمثل أداة لدعم الفئات الأكثر هشاشة والمتضررة من الطلاق. فكلما زادت قدرة الدولة على إدارة قضايا الأسرة بعدالة وكفاءة، زادت مستويات الثقة في المؤسسات وهو ما يعد أحد المرتكزات الأساسية للتماسك الاجتماعي. كما أن وجود إطار قانوني واضح ينظم الحقوق والواجبات داخل الأسرة يقلل من احتمالات التفكك والصراع ويعزز الروابط الاجتماعية، الأمر الذي ينعكس إيجابًا على استقرار المجتمع ككل ويحد من التصدعات التي قد تهدد تماسكه.
ختاما، تعد سرعة تقديم مشروعات القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية بارقة أمل للكثيرين في ضوء التحديات المتزايدة التي تواجه الأسرة المصرية. وتمثل مشروعات القوانين المرتقبة خطوة إصلاحية جوهرية تعكس توجهًا نحو إعادة بناء التوازن داخل الأسرة وتعزيز استقرارها. فهذه التشريعات لا تقتصر على تنظيم العلاقات القانونية بين أفراد الأسرة، بل تمتد لتأسيس إطار شامل للحماية الاجتماعية يضمن العدالة في توزيع الحقوق والواجبات لكل الأطراف، وحماية مستقبل الأبناء، ويحد من النزاعات التي تهدد تماسك المجتمع. كما أن دعم الفئات المتضررة من الطلاق وتحسين نوعية الحياة وإعادة إدماج الأفراد في النسيج الاجتماعي تعد من الركائز الأساسية لتعزيز التماسك.
المصادر
[1]-ملامح قانون الأحوال الشخصية الجديد.. معاقبة الزوج جنائيا لعدم توثيق الطلاق الشفهى خلال 15 يوما، اليوم السابع، أول يناير 2025. https://2u.pw/qXIaz6
[2]- الحوار الوطنى نسرين البغدادى: اتفاق على ضرورة الحفاظ على كيان الأسرة، مبتدأ، 5 يوليو 2023. https://2u.pw/QQNRrM
[3]- ملامح المحور الاجتماعي بالخطة التنفيذية لتوصيات المرحلة الأولى من الحوار الوطني، الأهرام، 19 يناير 2024. https://2u.pw/rLz5mH
[4]- مقترح تعديلات على قانون الأحوال الشخصية بشأن المرأة المطلقة، روسيا اليوم، 13 أبريل 2026. https://2u.pw/RWwFtP
[5]- ننشر ملامح مشروع قانون الأحوال الشخصية المقدم بمجلس النواب، البوابة، 12 أبريل 2026. https://2u.pw/xXu61T
[6]-هدى مجاهد، التماسك الاجتماعي مفهوم مثير للجدل، المجلة الاجتماعية القومية، المجلد الرابع والخمسون، العدد الأول، يناير 2017، ص ص42- 44.
[7]-النشرة السنوية لإحصاءات الزواج والطلاق لعام 2024، الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، 30 نوفمبر 2025. https://2u.pw/F3BORD