فى منتصف الخمسينيات من القرن العشرين، أدرك ديفيد بن جوريون، رئيس الوزراء الإسرائيلى آنذاك، أن حصر الصراع مع الدول العربية فى الجبهة الضيقة من حدودها معها لا يخدم مصالح إسرائيل الأمنية، وأنه لمواجهة المشروع الناصرى الوحدوى يجب على تل أبيب الخروج إلى نطاق جغرافى أوسع خارج المنطقة بتشكيل تجمع غير رسمى يضم دول الحزام المحيطة بالوطن العربى فى إطار ما سمى سياسة شد الأطراف، أو حلف المحيط، وكانت إيران وتركيا هما المستهدفتين من إسرائيل لتشكيل هذا الحلف(1).
من ثم، اتسمت العلاقات الإسرائيلية-الإيرانية فى الفترة من عام 1948 إلى 1979 بالعمق والتميز، وصولا إلى قيام إسرائيل بإنشاء وتدريب وتسليح القوات المسلحة الإيرانية مقابل النفط، وتدريب خبراء إيرانيين فى مجال الزراعة. وقد حدث التحول فى هذه العلاقات مع قيام الثورة الإيرانية عام 1979 التى تبنت عدم الاعتراف بشرعية دولة إسرائيل.
مثل فشل إسرائيل فى معرفة ومواجهة عملية طوفان الأقصى فى 7 أكتوبر 2023 -بحسب التقدير الإسرائيلى- الخطر الوجودى للعقد الاجتماعى الذى قامت عليه دولة إسرائيل، وهو توفير الأمن للمواطنين باعتباره الأساس الذى يستحوذ على العقلية الإسرائيلية، ما نتج عنه أكبر هجرة عكسية منذ نشأة الدولة عام 1948. ولمعالجة هذا التطور ووضعية الدولة فى إقليم يتسم بالعداء الفارسى فى المقدمة، كان توجه ورؤية المستوى السياسى فى إسرائيل تشكيل شرق أوسط جديد قائم على تغيير البيئة الإقليمية يضمن تفوقا استراتيجيا طويل الأمد لإسرائيل، مع إضعاف الدول المركزية فى المنطقة(2)، وكانت إيران فى مقدمة الأهداف الإسرائيلية لإحداث هذا التغيير. ووفق تحليلات إسرائيلية، فإن تقليص موارد الصين من الطاقة سيؤدى إلى ارتفاع تكلفة إنتاجها، وبالتالى فقدان عامل مهم من عوامل قدرتها التنافسية، ويخدم، فى الوقت ذاته، سياسة الإدارة الأمريكية، فضلا عن توافر المعادن النادرة والليثيوم فى إيران الذى شكل نقطة محورية فى الوضع الجيولوجى والاقتصادى لإيران ونفوذها فى المستقبل.
أولا- أهداف الحرب على إيران:
1- تدمير المشروع النووى ووقف تقدمه:
قدم الرئيس دونالد ترامب وأعضاء إدارته آراء متباينة حول أهدافهم وما يريدون تحقيقه من أكبر عملية عسكرية تقوم بها الولايات المتحدة منذ عقدين(3)، فقد صرح الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بعد ساعات من الهجوم على إيران، فى 28 فبراير 2026، بأن هدف العملية هو منع إيران من امتلاك سلاح نووى، ودعا الإيرانيين إلى استغلال الفرصة لتولى زمام الأمور فى بلادهم.
فى مرحلة أخرى، اعتبر ترامب ومعاونوه الهجوم على إيران حربا دفاعية لإزالة المخاطر المحدقة من جانب إيران، رغم أن مسئولى إدارة ترامب ذكروا فى اجتماع خاص بالكونجرس أن المخابرات الأمريكية لم تظهر أن إيران تستعد للهجوم على الولايات المتحدة أو إسرائيل قبل هجومهما عليها، فيما أكد الاجتماع أن الصواريخ الإيرانية ووكلاء إيران يشكلون تهديدا للولايات المتحدة وحلفائها فى المنطقة(4).
تصاعد الهجوم بشكل متسارع وامتد إلى لبنان، وقاعدة بريطانية فى قبرص، ودول أخرى، وشمل البنية الأساسية للصواريخ والمواقع العسكرية والقيادات وكل أنحاء الدولة، وكرر الرئيس ترامب الموجه الداعية نفسها إلى أن طهران تبنى صواريخها الباليستية التى قد تصل إلى الأراضى الأمريكية. واستنادا إلى تقرير لوكالة استخبارات الدفاع الأمريكية عام 2025 فإن إيران قد تطور صاروخا باليستيا عابرا للقارات للاستخدام العسكرى بحلول عام 2035 إذا ما قررت طهران متابعة هذه القدرة، رغم أن هذا الادعاء بحسب مصادر أمريكية غير مدعوم بالمعلومات(5).
- وقد تولى صهر الرئيس ترامب، جاريد كوشنر، المشاورات وحشد شخصيات بارزة من الجالية الإيرانية فى الولايات المتحدة بهدف صياغة رؤية لمرحلة انتقالية محتملة، حال سقوط النظام فى إيران.
- واتسمت الجولات الثلاث التى أجراها الجانبان الأمريكى والإيرانى -فى الآونة الأخيرة- بطابع شكلى من الجانب الأمريكى كسبا للوقت والاستعداد للحرب بحشد الوجود العسكرى فى المنطقة، فالفجوة كانت واسعة والمتطلبات الأمريكية تصل إلى حد الاستسلام الكامل والانصياع الإيرانى لها، والهدف الأمريكى متحرك ويصب فى مفهوم تآكل سيادة الدولة الإيرانية.
يبقى أن أحد أهم أهداف الحرب لا يقتصر على التعامل مع الملفات النووية والصاروخية فحسب، وإنما يمتد ليشمل إعادة تشكيل موازين القوى الدولية على أساس القوة المطلقة وإضعاف دور المرجعيات الأممية (الأمم المتحدة) فى التعامل مع القضايا الدولية المتعلقة بكل من إسرائيل والولايات المتحدة.
2- إسقاط النظام الإيرانى:
تتلخص تصريحات الإدارة الأمريكية فى أن هدف الحرب هو تنازل إيران عن حقها فى تخصيب اليورانيوم بمعنى تفكيك برنامجها النووى والقبول بتسليم نحو 460 كجم من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% لديها إلى الخارج، وتدمير ترسانتها الصاروخية الباليستية ومواقع إنتاجها أو وضع حد لمداها بما لا يتعدى 300 كيلو متر، بمعنى ألا تستطيع الوصول إلى إسرائيل، والتوقف عن دعم وكلائها فى المنطقة (حزب الله، والحوثيين...) والقضاء على قدراتها البحرية، وعرقلة إمكانية تهديد إيران بغلق مضيق هرمز، والعمل على استغلال المظاهرات الداخلية والسخط الشعبى لتغيير النظام من الداخل
بيد أن التنسيق الذى تم بين تل ابيب وواشنطن قد تجاوز مرحلة تصفير القدرات النووية والإمكانيات العسكرية، بل ارتقى إلى إزالة النظام الإيرانى والعمل على إحلال نظام بديل يتفق فى مجمله مع التوجهات الأمريكية-الإسرائيلية، من خلال محاولات التقسيم العرقى لإيران. والخطير فى الأمر أن تجربة التقسيم داخل أى دولة فى المنطقة ستكون المعيار الذى بناء عليه سيتم تنفيذه فى بعض دول المنطقة. وقد سبق لمبعوث ترامب لكل من سوريا ولبنان وسفيره فى تركيا توم باراك أن أكد فى مقابلات له وتحليله للوضع فى المنطقة أن دول المنطقة ليست سوى مجموعة من القبائل والقرى التى قسمتها الدول الأوروبية، مشيرا إلى أنه لا يوجد شرق أوسط، وإنما قرى وقبائل أنشأتها سايكس بيكو، منوها أن هناك 27 دولة تضم 110 مجموعات إثنية، ومن المهم أن تتفق مع أعلى مفهوم سياسى.
يعكس هذا التوجه الرؤية الأمريكية للمنطقة، وهو فى الوقت نفسه يتفق مع الرؤية الإسرائيلية وتوجهها للعمل على تقسيم المنطقة إلى أقليات عرقية وإثنية ومحاولة الظهور بالمدافع عن حقوق ومصالح هذه الأقليات وتعزيز الحوار وبناء جسور السلام بين هذه المجتمعات والدولة العبرية، وآخر هذه الأنشطة الإسرائيلية كان مؤتمر الأقليات الذى عقد فى تل أبيب فى 27 أكتوبر 2025
ثانيا- آليات تنفيذ سلة أهداف الحرب:
لتنفيذ ذلك المخطط، ركز الجانبان، الإسرائيلى والأمريكى، على عدة محاور، هى:
- القيام باغتيال القيادات السياسية والعسكرية وخبراء الطاقة النووية والمتخصصين على جميع المستويات لتفريغ المستوى القيادى والفنى فى الدولة والعمل على إيجاد بدائل.
- تدرك الولايات المتحدة وإسرائيل أن الضربات الجوية لن تؤدى إلى تغيير سياسى مؤثر فى إيران نتيجة عمليات الإحلال المستمرة فى المناصب القيادية، وبالتالى كان على ترامب دعوة الشعب الإيرانى للثورة على النظام وتغيير الحكم، خاصة أن الفرصة مواتية للقيام بذلك فى ضوء الضعف الشديد للنظام الحالى. فحسب تعبير الصحفى ديفيد إجناتيوس فى صحيفة واشنطن بوست، فإن الحروب التى تهدف إلى محو وإزالة نظام حكم لا تسير بحسب التوجه العسكرى، سواء الإسرائيلى أو الأمريكى، فهذا التوجه فى حد ذاته يحقق أهدافا عسكرية محددة ولا يقود إلى تغيير نظام سياسى.
- مع توقف سيناريو دعم وتأييد المظاهرات والانتفاضة ضد النظام الإيرانى -التى جاءت نتيجة انهيار العملة المحلية وارتفاع الأسعار- والتى كان يتم التعويل عليها أن تسهم فى الإطاحة به أو أن تسفر عن فوضى داخلية، تعدل موقف ترامب من إسقاط النظام بأكمله إلى أفضلية صعود شخصية براجماتية من داخل البنية السياسية القائمة حاليا، على أن يختاره هو بنفسه (على غرار سيناريو فنزويلا).
- إعادة المسألة الكردية إلى الواجهة، وإجراء الرئيس ترامب اتصالات مع مسعود برزانى وبافل طالبانى فى كردستان العراق، وكذا إجراء اتصالات غير مباشرة مع أكراد إيران (يبلغ عدد الأكراد فى إيران نحو عشرة ملايين نسمة، ويقيمون فى مناطق حدودية غربية، تتمتع بموارد طبيعية) لحثهم على التعاون مع الجانب الأمريكى للقيام بمهمة خلخلة الداخل الإيرانى، وإنهاك الدولة المركزية، والعمل على تراجع قدرتها على ضبط الأطراف القومية والإثنية داخلها - مع تحفيز الأكراد بما تم فى الماضى من محاولة قيام جمهورية مهاباد عام 1946 شمال غرب إيران، علما بأنه قد سبق لكل من إسرائيل والولايات المتحدة التعاون مع الأكراد بشكل وثيق، حيث تؤيد تل أبيب مطالبهم فى الحصول على دولة كردية، كما تعاون الأكراد مع الولايات المتحدة فى كل من سوريا والعراق للقضاء على تنظيم داعش. وفى الوقت نفسه مراعاة الأثر الناتج عن حساسية التعاون مع الأكراد على كل من تركيا وسوريا والعراق، وذلك بتوجيه رسالة طمأنة لتركيا المعارضة لقيام كيان كردى، فضلا عن سوريا ومدى انعكاس ذلك على الاتفاق الحكومى السورى مع قوات سوريا الديمقراطية، أى الأثر المتسلسل على الدول الثلاث.
- العمل على الاستفادة من-أو توظيف- خطة إيران المتمثلة فى تهديدات خامنئى قبل اغتياله - التى تقوم على نشر الفوضى فى منطقة الخليج حال تعرض إيران للهجوم الأمريكى-الإسرائيلى، وذلك بمحاولة دفع الولايات المتحدة دول الخليج على المشاركة فى الحرب ضد إيران، واتخاذ مواقف تتماهى مع الموقف الأمريكى الإسرائيلى، ما قد يتسبب فى إشعال المنطقة ككل لمصلحة إسرائيل، وهو ما لم يتم حتى الآن.
وقد أوضحت مصادر فى الجيش الإسرائيلى (نقلا عن وكالة أنباء معا الفلسطينية) أن دول المنطقة فى الخليج تمر حاليا بمرحلة انتقالية من صدمة الهجوم إلى حالة تأهب دفاعى وإدراك أنها قد ترغب فى الهجوم. فقد لوحظ تزايد التوجه وصعوبة اعتراض المسيرات من جانبها، غير أن هذه الدول تتحرك بنشاط، وإن كان من غير الممكن تحديد طبيعة تحركاتها، بمعنى الانتقال من مرحلة الصدمة إلى مرحلة الدفاع واتخاذ إجراءات رمزية لتأكيد مشاركتها، وأن هذا التوجه سوف يزداد(6).
- انفتاح إدارة ترامب على دعم الجماعات الإيرانية الأخرى وإمدادهم بالسلاح لإسقاط النظام وتحدثها مع قادة محليين فى هذا الصدد، واعتبار أن الشعب الإيرانى يمكن أن يكون بمنزلة القوة البرية، حيث لا حاجة لقوات برية أمريكية فى هذه الحرب إلا إذا تطلب الأمر ذلك.
لا يقتصر أحد أهم أهداف الحرب على تغيير النظام الحاكم أو التعامل مع الملفات النووية والصاروخية فحسب، وانما يمتد ليشمل إعادة تشكيل موازين القوى الدولية على أساس القوة المطلقة وإضعاف دور المرجعيات الأممية (الأمم المتحدة) فى التعامل مع القضايا الدولية المتعلقة بكل من إسرائيل والولايات المتحدة.
ثالثا- البعد الاقتصادى والجيوسياسى للحرب على إيران:
ليس من المعتقد أن الجانبين الاقتصادى والجيوسياسى بمعزل عما يعتزم الرئيس ترامب اتخاذه من خطوات تجاه إيران فى المستقبل، أى ما بعد انهيار النظام وتعيين بديل موال له، فهناك مجموعة من العناصر المهمة التى قد تكون محل اهتمام الرئيس الأمريكى، خاصة ما يتعلق بثروات إيران من جانب، وتأثير تغيير الأوضاع فى المنطقة على الصين:
1- الصين فى قلب الأحداث:
نجح بنيامين نتنياهو فى تسويق فكرة الشرق الأوسط الجديد، الذى يقوم بالأساس على تغيير الأنظمة وهوية الدول فى المنطقة واستغلال الظروف الدولية المواتية، وبما يتوافق مع الأطماع الأمريكية فى السيطرة على أسواق الطاقة والممرات البحرية والبرية والمعادن النادرة، وأن إيران تمثل حلقة مهمة للاقتصاد الصينى، نظرا لموقعها الجغرافى وإمكانياتها من النفط، الذى تحصل عليه الصين بأسعار تقل عن 30% عن سعر السوق العالمية بسبب العقوبات المفروضة عليها، وأن إسقاط إيران من شأنه إضعاف طرق وممرات التجارة الصينية، خاصة أن بكين هى الوجهة الأولى للصادرات غير النفطية لطهران بقيمة نحو عشرة مليارات دولار أمريكى، كما أن الصين ثانى أكبر مورد لإيران بنحو 13 مليار دولار، وهناك اتفاق تعاون استراتيجى موقع بين البلدين عام 2021 ويمتد إلى 25 عاما.
2- الليثيوم الإيرانى محل اهتمام إسرائيل والنفط والغاز والمعادن محل اهتمام الولايات المتحدة:
صرحت الخبيرة الإسرائيلية فى الجغرافيا السياسية، عنات هوخبرج ماروم، لصحيفة «معاريف» الإسرائيلية، فى 11 يونيو 2023 بأن انكشاف خزان الليثيوم الإيرانى يمكن أن يؤدى إلى تغيير ميزان القوى الإقليمى ومنح طهران وضعا جيوسياسيا واقتصاديا غير مسبوق، مردفة أن إسرائيل تراقب باهتمام كيف ستحاول طهران الاستفادة من هذا الاكتشاف لمصلحتها، مؤكدة أنه من المتوقع أن يتعزز وضع إيران الاقتصادى ونفوذها الجيوسياسى بشكل كبير قريبا، على خلفية الكشف عن حقل ضخم من الليثيوم يحتوى على 8.5 مليون طن فى مقاطعة همدان غرب البلاد، وهو يعد ثانى أكبر حقل فى العالم بعد تشيلى، وأضافت أن هذا لا يقتصر فقط على كونه يحوى 10% من احتياطيات العالم من «الذهب الأبيض»، التى تقدر حاليا بنحو 89 مليون طن، ولكنه الاكتشاف -الذى يمكن أن ينقذ الاقتصاد الإيرانى ويبطل ظاهريا فعالية العقوبات المفروضة عليها(7). ووفق الخبيرة الإسرائيلية، يمكن أن يكون لهذا الاكتشاف تأثير كبير فى أسواق الطاقة والتعدين العالمية، إلى جانب صناعات البطاريات والسيارات الكهربائية العالمية، ومن المتوقع أن يؤدى كل ذلك إلى تغييرات بعيدة المدى فى الاقتصاد والسياسة العالميين، وتحويل مركز الثقل مرة أخرى إلى الشرق الأوسط.
من جانب اخر، تؤكد إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن إيران تعد من بين أكبر الدول فى احتياطيات النفط والغاز الطبيعى عالميا، فهى ثالث أكبر مالك لاحتياطيات النفط فى العالم، وثانى أكبر مالك لاحتياطيات الغاز، وفق تقديرات أكتوبر 2024، كما أن لديها -بحسب هيئة المسح الجيولوجى الأمريكى- احتياطيات من المعادن المثبتة بنحو 37 مليار طن، إضافة إلى احتياطيات محتملة بأكثر من 57 مليار طن، وخام الحديد (3,3 مليار طن) ونحو 60 معدنا منها الألومونيوم والباريت والأسمنت والنحاس والزنك والذهب والرصاص، وغيرها، فهى تمتلك قاعدة معدنية واسعة بحسب تقارير إيرانية ودولية عبر أحزمة جيولوجية مختلفة، كما أن عدد المناجم النشطة فيها بلغ 6025.
3- القضية الفلسطينية:
ستدفع الحروب الإقليمية وسقوط النظام الإيرانى إلى تهميش القضية الفلسطينية على المدى القريب، فإشعال المنطقة بالحروب تمثل سعيا أساسيا لليمين الدينى المتطرف فى إسرائيل الذى يرى فيها تعجيلا لقدوم المسايا (المخلص اليهودى) وإقامة دولة إسرائيل الكبرى وإعادة بناء الهيكل وتحقيق الألفية الذهبية.
تشير بعض وسائل الإعلام إلى أن بعض القادة الإنجيليين فى الجيش الأمريكى يلقنون جنودهم بأن حرب إيران تمهد لظهور المسيح ومعركة هرمجدون (معركة آخر الزمن)، وأن دونالد ترامب مختار من الرب لأداء هذه المهمة. ويحتل هذا الموضوع اهتمام ترامب نفسه الذى أنشأ إدارة فى مكتبة تدعى إدارة الإيمان وتتولى إدارتها القسيسة باولا وايت التى تبارك أعمال ترامب، كما يلتقى رئيس الوزراء الإسرائيلى بها فى زياراته لواشنطن.
رابعا- سيناريوهات ما بعد الحرب:
كانت إسرائيل على مدى سنوات تصف علاقاتها بالولايات المتحدة على أنها قائمة على القيم المشتركة وخدمة المصالح الأمريكية فى المنطقة، والعمل معا على إضعاف دور المنظمات الدولية التى تتخذ دائما مواقف تتعارض مع السياسات والمواقف الإسرائيلية. بيد أن الحرب الجارية مع إيران كانت بمنزلة تحول نوعى غير مسبوق فى طبيعة العلاقات الإسرائيلية-الأمريكية، وفى أنماط وأسس الصراع فى الشرق الأوسط، حيث إنه للمرة الأولى يقود الجانبان حربا مشتركة من حيث التخطيط والتنفيذ، خروجا عن القاعدة العامة المتمثلة فى الدعم السياسى التقليدى الذى تمنحه واشنطن لتل أبيب، والمظلة والمساندة فى المنظمات الدولية، فضلا عن إمدادها بالمساعدات الاقتصادية والعسكرية، ومنحها التفوق النوعى على مجمل الدول العربية فى الحصول على السلاح - بموجب قرار من الكونجرس الأمريكى، إضافة إلى اتفاق البلدين على ضرورة إسقاط النظام الإيرانى، وفرض مفهوم السلام باستخدام القوة(8).
- إن الهجوم الأمريكى-الإسرائيلى على إيران، واغتيال القيادات الإيرانية، وعلى رأسها المرشد الأعلى على خامنئى، وردود الفعل الإيرانية فى دول الخليج، أدخل منطقة الشرق الأوسط فى عصر جديد من العنف ووضع المنطقة بأكملها فى مرحلة من عدم اليقين، وربما يؤدى هذا التطور إلى اتساع نطاق الحرب وتدخلات آسيوية-عربية-أوروبية غير مسبوقة. وأصبح مصير الحكومة الثيوقراطية الإيرانية مرتبطا بما ستسفر عنه هذه الحرب، فضلا عن أن الهجوم أدى أيضا إلى انهيار المباحثات على مستقبل البرنامج النووى الإيرانى، وانعكس الوضع إجمالا على اقتصاد بقية دول العالم، خاصة قطاعات الطاقة والطيران والسياحة وسلاسل الإمداد والنقل(9).
- إن سلوك الإدارة الأمريكية، ممثلة فى الرئيس دونالد ترامب القائمة على اتخاذ خطوات متسرعة باستخدام القوة -وما سبقها من خلافات مع كندا وجرينلاند وفنزويلا وكوبا، والضغوط العسكرية والجمركية، وإزاحة قادة دول بما يتعارض مع القانون الدولى يعكس مؤشرا متناميا إلى حقبة أمريكية جديدة فى التعامل مع النظام الدولى القائم منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية وتحولا ملموسا فى نمط وشكل السياسة الخارجية الأمريكية تحت قيادة ترامب، وتعاون وثيق من جانب قيادات إسرائيل فى تبنى المسار نفسه فيما يتعلق بتعاملاتها مع دول المنطقة.
- إن الحرب ضد إيران، واختطاف الرئيس الفنزويلى والقيود التى فرضها ترامب على دول الاتحاد الأوروبى، أوضحت بما لا يدع مجالا للشك تقلص دور أوروبا فى التعامل مع القضايا الشائكة مع الولايات المتحدة من جانب، ومنطقة الشرق الأوسط من جانب آخر، وقللت من قدرتها على القيام بالدور المنوط بها رغم أن ما يحدث فى الشرق الأوسط ينعكس تماما على الداخل الأوروبى، خاصة فيما يتعلق بنقص الطاقة وارتفاع الأسعار وعدم الاستقرار فى الفناء الخلفى لأوروبا(10).
- إن الأزمة التى تمر بها منطقة الشرق الأوسط، بدءا من أحداث قطاع غزة وحتى الآن، لن تكون مجرد أزمات عابرة وإنما نموذج لما سيكون عليه الوضع فى المنطقة لسنوات مقبلة من استخدام القوة وفرض الحلول التى قد تتعارض مع قواعد القانون الدولى والشرعية.
- إن تجربة الحرب ضد إيران قد تخلق لدى طهران العمل الجاد لتطوير أسلحة نووية فى المستقبل إذا ما خرجت من هذه الحرب سالمة للحفاظ على سيادتها ومقدراتها فى المستقبل.
- إن الهدف الأساسى الذى تسعى إليه كل من إسرائيل والولايات المتحدة إجمالا هو إعادة رسم خريطة تحالفات جديدة فى الشرق الأوسط قائمة على الهيمنة المشتركة بينهما
- إن ممارسة إيران الضغط على الولايات المتحدة عن طريق الهجوم على قواعدها فى الخليج يعنى أن حساباتها غير متوازنة حيث إنها تضع دول الخليج بين خيارين صعبين أحدهما المخاطرة بمزيد من التصعيد ضدها من جانب إيران، أو الدخول مع الولايات المتحدة فى معركتها ضد إيران والسماح باستخدامها لأجوائها فى العمليات الحربية، الأمر الذى يوسع أفق الحرب -وهو ما تريده إسرائيل- ويؤثر بشكل حيوى فى مصالح دول المنطقة.
من المتوقع أن تستمر الهجمات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران لفترة طويلة، والتصعيد متوقع فى ضوء الإصرار الإسرائيلى على إنهاء الدور الإيرانى فى المنطقة، ورغبة اليمين الإسرائيلى المتطرف، وانصياع الإدارة الأمريكية لهذه الرغبة فى إعادة تشكيل المنطقة بما يتناسب مع طموحاتها ومصالحها، وعزم طهران على الصمود أمام هذا التطرف الجامح.
المراجع:
(1) وسام سعادة، القدس العربى، الحرب على إيران (عقيدة المحيط الإسرائيلية وتحولاتها)، 13 مايو 2025.
(2) محمد مشارقة، مركز تقدم السياسات، إعادة تشكيل الخرائط وهواجس التفكك الإقليمى، 3 مارس 2026.
(3) الحرب الإسرائيلية-الأمريكية على إيران، خلفياتها وأهدافها، وحدة الدراسات السياسية، المركز العربى للأبحاث والدراسات، 4 مارس 2026.
(4) يديعوت أحرونوت، مقال عن اتهوخبرج ماروم عن الليثيوم فى إيران، 11 يونيو 2023.
(5) حمزة على، مركز تقدم السياسات، أزمة الشرق الأوسط، هل تمثل الحرب على إيران بداية نظام أمريكى جديد، 5 مارس 2026.
(6) دانيال بوش، بى بى سى، ما هى أهداف ترامب النهائية من الحرب مع إيران، 3 مارس 2026.
(7) وكالة أنباء معا الفلسطينية، الخطة المقبلة، أسبوعان إضافيان من الهجمات وتنسيق أمريكى يجر العرب للحرب، 4 مارس 2026.
(8) Miranda Jeyaretnam & Chad de Gyzman, Trump, sWar with Iran, explained, 5 March, 2026.
(9) Christian Edeards, Karina Tsui,Mitchell Mc Clusky, What we know about why US & Israel attacked Iran and Tehran, sretaliation, 1 March, 2026.
(10) Emily Atkinson & Raffi Berg, Why did US and Israel attack Iran and how long could the war last?
*نشر فى عدد مجلة السياسة الدولية - أبريل 2026/ ملف خاص: الحرب على إيران