تحليلات

تحليل العمليات العسكرية فى الحرب على إيران وسيناريوهـات المستقبـل

طباعة

بعد أسابيع من التحليلات والتقديرات المتصاعدة بشأن احتمال توجيه ضربة جوية منفردة من واشنطن أو مشتركة بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران من جهة أخرى، تحولت التهديدات إلى واقع ميدانى مع بدء الهجمات الأمريكية-الإسرائيلية المنسقة ضد إيران، بالتزامن مع مسار تفاوضى كان -ولا يزال- قائما بين الطرفين. سبق العمليات العسكرية بأسابيع أن مارست الولايات المتحدة تضليلًا سياسيًا وإعلاميًا كبيرًا، مُظهِرة أنها ملتزمة بحل سياسى لمطالب كان قبولها إيرانيا شبه مستحيل. هذا التضليل كان فى الحقيقة يعكس قبولًا كبيرًا للسردية الإسرائيلية بضرورة تحرك عسكرى ضد طهران. بيد أن شواهد الضربة الجوية كانت واضحة، وأن المفاوضات الجارية للتوصل إلى اتفاق ما هى إلا محاولة أمريكية لكسب الوقت، حتى يتم الحشد العسكرى للعملية، الذى تزامن مع المفاوضات بشكل أثار ريبة المحللين، وهو أمر أيضًا لم تفاجأ به إيران. وكانت من أبرز تلك الشواهد:

 1- الشروط التى وضعتها الولايات المتحدة للتفاوض مع طهران وُضِعت لكى ترفض وليس للتفاوض، وهى:

 أ- تخلى إيران عن برنامجها النووى نهائيًا.

 ب- التخلى عن برنامج الصواريخ الباليستية أوتقليل المدى إلى 300 كم فقط.

ج- إنهاء العلاقة بين طهران وأذرعها فى المنطقة.

2- حجم التجميع القتالى الذى قامت واشنطن بإعادة تمركزه فى المنطقة، شمل:

أ- مجموعتى حاملة طائرات (أبراهام لينكولن فى بحر العرب، وجيرالد فورد فى البحر المتوسط، وبدأت تتحرك إلى بحر العرب فى اليوم السابع من العمليات).

ب- إعادة تمركز (12) طائرة «إف-22» رابتور متعددة المهام فى قاعدة عوفدا جنوب إسرائيل، وطائرات القذف الاستراتيجى طراز ب1، وب2 فى قاعدة دييجو جارسيا والقاعدة الأمريكية فى المملكة المتحدة.

ج- إعادة تمركز (6) طائرات تزود بالوقود فى القواعد الجوية فى أوروبا.

د- قيام طائرات النقل الأمريكية العملاقة جلاكسى 5 بنقل كميات كبيرة من الذخائر والمعدات إلى المنطقة.

إجـــراءات إيـــران:

اتخذت القيادة الإيرانية عددا من الإجراءات السياسية والعملياتية لضمان العمل بشكل غير مركزى بين المؤسسات الأمنية والعسكرية والسياسية، إدراكا منها لاحتمال استهداف رأس الهرم القيادى، ومحاولة بناء «شبكة قيادة لا مركزية» تمنع شلل الدولة، حال توجيه ضربات نوعية.

جاء ذلك كأحد الدروس المستفادة من حرب يونيو2025 وهى تفعيل القيادة اللامركزية لضمان استمرار النظام. فبعد حرب يونيو مباشرة، قام خامنئى بتوزيع صلاحياته بين المجلس الأعلى للأمن القومى ومجلس الدفاع الذى تم تأسيسه فى ذلك الوقت بقيادة على لاريجانى، الذى تولى العديد من الملفات السياسية والأمنية منذ يناير 2026، وأيضا وزع سلطة اتخاذ القرارات فى أوقات الحرب أو وقت اغتيال المرشد بين عدد من المؤسسات السياسية والأمنية لضمان عمل كل مؤسسة بشكل كامل حال استهداف الأخرى أو اغتيال المرشد والقيادات السياسية.

إن مجلس القيادة الحالى اتخذ فى اليوم الثالث للحرب قرارا بتوسيع العمل باللامركزية فى جميع وزارات الحكومة ومؤسسات الطوارئ لضمان استمرار العمل فى أصعب الظروف، كما وُضعت خطط أمنية مشددة لاحتواء أى احتجاجات داخلية محتملة.

سيـــر العمليـــات:

فى الثامنة و17 دقيقة صباح السبت 28 فبراير2025، شنت إسرائيل بالتنسيق مع الولايات المتحدة الهجوم الاستباقى على إيران. وبعد مرور نحو 15 ساعة، أعلن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب أن المرشد الإيرانى الأعلى على خامنئى قُتل فى الغارات. وكان الهدف من العملية تحقيق شروط التفاوض التى فرضتها والولايات المتحدة على إيران والخاصة بالبرنامجين النووى والصاروخى الإيرانيين، وفك ارتباط إيران بأذرعها فى المنطقة، بالإضافة إلى تغيير النظام فى طهران.

 بعد مرور ثمانية أيام من الضربات الجوية، وقعت كثير من التطورات السياسية والعسكرية غير المسبوقة فى إيران وإسرائيل ومنطقة الخليج، نجملها فيما يلى:

الجبهـــة الإيرانيـــة:

أعلن الجيش الإسرائيلى قيام سلاح الجو الإسرائيلى بأكثر من 2000 غارة على أنظمة الدفاع الصاروخى والجوى الإيرانية وعناصر البرنامج النووى، ومنصات إطلاق صواريخ، ومقر يضم عددا من القادة الإيرانيين. وأكد الناطق باسم الجيش الإسرائيلى اغتيال عدد (40) من القادة الإيرانيين فى الهجوم الأمريكى-الإسرائيلى على إيران يوم السبت 28 فبراير، من بينهم قائد الحرس الثورى الإيرانى اللواء محمد باكبور، ووزير الدفاع عزيز نصير زاده، وعلى شمخانى مستشار شئون الأمن لدى المرشد الأعلى الإيرانى على خامنئى.

استهدفت الضربات الجوية المشتركة الأولى مواقع ذات أهمية استراتيجية وقومية وقيادات عسكرية وسياسية بارزة، من بينها استهداف المرشد الأعلى الإيرانى على خامنئى، فى تطور اعتُبر الأخطر منذ سنوات فى مسار الصراع المفتوح بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.

تكشف قائمة الأهداف وطبيعة المواقع التى أصابتها الضربات الجوية الحرص على إحداث ارتباك فى مستوى القيادة السياسية والعسكرية، فبعض المواقع يقع ضمن مؤسسات القيادة السياسية، مثل المجمع الرئاسى، ومجمع السلطة القضائية، فى حين يرتبط بعضها الآخر بالبنية الأمنية للدولة، مثل وزارة الاستخبارات والمحكمة الثورية.

كما شملت الأهداف مراكز القيادة ومواقع ذات طابع عسكرى مباشر، مثل مقر الحرس الثورى وجامعة الدفاع الوطنى التى تُعد إحدى المؤسسات المرتبطة بإعداد القيادات العسكرية والدراسات الاستراتيجية، بالإضافة إلى بنك الأهداف الذى شمل مواقع تصنيع وتخزين الصواريخ الباليستية، ومراكز الأبحاث النووية، ومعامل تخصيب اليورانيوم.

يشير هذا التنوع فى الأهداف إلى أن الضربات لم تقتصر على منشآت عسكرية تقليدية فقط، بل أصابت أيضا مواقع مرتبطة ببنية القرار السياسى والأمني.

كما أعلن قائد القيادة المركزية أن الجيش الأمريكى قصف أهداف فى إيران تضمنت مواقع التحكم والسيطرة للحرس الثورى والدفاعات الجوية الإيرانية، وأضافت القيادة المركزية أن القوات الأمريكية استخدمت فى عملياتها فى إيران ذخائر دقيقة أطلقت من الأرض والبحر والجو، كما شملت الهجمات تدمير وحدات السلاح البحرى الإيرانى.

مضيـــق هرمـــز:

 أعلن الحرس الثورى الإيرانى أنه من غير المسموح لأى سفن بعبور مضيق هرمز الذى يربط بين مياه الخليج وبحر عمان، وذلك بعد ساعات من بدء الهجوم الأمريكي-الإسرائيلى المشترك على الأراضى الإيرانية، فى إشارة إلى غلق المضيق أمام الملاحة العالمية، ما أحدث أزمة غير مسبوقة فى سوق الطاقة. غير أن الملاحظ فى هذا الإغلاق أنه استثنى السفن الصينية من هذا الحظر نتيجة علاقات التعاون الاستراتيجى بين إيران والصين.

الجبهــة الإسرائيليــة:

 حتى اليوم الثامن من العمليات، كان الحرس الثورى قد نفذ 24 رشقة صاروخية تجاه إسرائيل، وقال المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء، التابع للحرس الثورى الإيرانى إن القوات الإيرانية استهدفت مراكز حيوية وأمنية وعسكرية مهمة داخل إسرائيل بالصواريخ والطائرات المسيرة، كان أبرزها قاعدة رامات ديفيد، وقاعدة نفاطيم الجوية، ووزارة الدفاع الإسرائيلية فى منطقة هاكريا، فضلا عن مجمعَى بيت شمس وأشدود للصناعات العسكرية الإسرائيلية، كما قصفت قاعدة حيفا البحرية وحوض بناء السفن الحربية فى مدينة حيفا، كما شملت قصف منطقة بئر سبع ومحيط مفاعل ديمونا.

ووثّقت وسائل إعلام إسرائيلية حتى اليوم الثامن دمارًا واسعًا فى عدد من المدن الإسرائيلية، من جراء الهجمات الصاروخية الإيرانية، وأظهرت مقاطع فيديو وصور تضرر عشرات المنازل والمبانى من جراء انفجار صاروخ إيرانى فى مدينة بات يام.

كما هدد مسئول عسكرى إيرانى بأن لجوء الولايات المتحدة وإسرائيل إلى محاولة قلب النظام عبر الفوضى المسلحة سيقابل برد مباشر يشمل ضرب مفاعل ديمونا النووى.

المصالــح الأمريكيــة:

شن الحرس الثورى الإيرانى سلسلة هجمات استهدفت 14 قاعدة عسكرية أمريكية رئيسية، وسفارتَى الولايات المتحدة فى بغداد والرياض، ويتعلق الأمر بمصالح أمريكية عسكرية فى كل من السعودية وقطر والإمارات والبحرين والكويت والعراق، ما أثار موجة غضب كبيرة من الدول العربية بحسبان أن هذه الهجمات تمس سيادة تلك الدول.

دول الخليــج:

 أعلنت إيران على لسان وزير خارجيتها أنها ستستهدف جميع القواعد الأمريكية فى الدول المجاورة بحسبانها شاركت فى الضربة الجوية ضد إيران، بيد أن دول الخليج شهدت سلسلة كبيرة من الهجمات بصواريخ باليستية ومسيَّرات أطلقتها طهران، استهدفت القواعد الأمريكية، إلى جانب مواقع ومنشآت مدنية فى الإمارات والسعودية والكويت والبحرين وقطر وعمان، وهو ما عكس اعتزام إيران فى توسيع رقعة الحرب، ومحاولة لجر دول الخليج لهذه الحرب.

الجبهــة اللبنانيــة:

 بداية من اليوم الثالث، شن حزب الله هجومًا صاروخيًا وبالطائرات المسيرة، اتسم بأنه منخفض الحدة، لكنه حمل رمزية سياسية بالغة، مستهدفا شمال إسرائيل، وهو ما استدعى ردًا إسرائيليا عنيفا أسفر عن مقتل خمسة وثلاثين لبنانيا على الأقل، وأجبر عشرات الآلاف على النزوح من نحو خمس وخمسين قرية جنوبية. وفى تصعيد لافت وغير مسبوق، نفذت إيران و»حزب الله» اللبنانى أول هجوم متزامن وواسع النطاق على إسرائيل، تكرّر ثلاث مرات خلال اليوم الخامس من العمليات. كما أطلقت طهران عشرات الصواريخ الباليستية باتجاه تل أبيب ومنطقة القدس، بالتزامن مع رشقات صاروخية كثيفة من جنوب لبنان نفّذها «حزب الله» مستهدفة تل أبيب ومدينة حيفا وشمال إسرائيل، وهى المرة الأولى التى تتزامن فيها الضربات بين إيران وحزب الله فى توقيت واحد، وربما يشكّل مقدمة لتأسيس غرفة عمليات مشتركة حقيقية، وهو ما أربك منظومات الدفاع الجوى الإسرائيلية وشَغلها على أكثر من جبهة فى آن واحد، وخفف الضغط على الجبهة الإيرانية، حيث قلت الهجمات الجوية الإسرائيلية، إذ إن المجهود الجوى الإسرائيلى أصبح مقسمًا على جبهتين.

أبرز ملامح العمليات العسكرية حتى الآن:

التحالف الأمريكى-الإسرائيلى:

 1- الاستخدام المكثف للعمليات السيبرانية والتشويش الإلكترونى لإعاقة رادارات الدفاع الجوى وتأكيد المعلومات عن بنك الأهداف المراد تدميرها.

2- انتقال التحالف فى حرب إيران بين واشنطن وتل أبيب من مرحلة «التنسيق الاستراتيجي» إلى «القتال المشترك»، فى سابقة هى الأولى من نوعها فى تاريخ العلاقات العسكرية بين الطرفين.

3- التنسيق المشترك بين القوات الجوية الأمريكية والإسرائيلية وتوزيع بنك الأهداف الإيرانية بينهما، بحيث تولت القوات الأمريكية الأهداف فى جنوب إيران وإسرائيل الأهداف فى شمال إيران، مع وضع أهداف للضرب بالتنسيق المشترك خاصة أهداف السيطرة ومخازن الصواريخ الباليستية الموجودة فى طهران وحولها.

4- قسمت الضربات الجوية على مرحلتين حتى الآن، فالمرحلة الأولى استغرقت ستة أيام، وشملت الأهداف العسكرية وأهداف السيطرة القومية وأهداف البرنامجين النووى والصاروخى الإيرانيين. أما المرحلة الثانية التى بدأت من اليوم السادس للعملية، فهى المرحلة التى يتوقع أن تأخذ ملامح أكثر عنفا وقوة، مع تغيير فى استراتيجيات وأولويات الطرفين، إذ تسعى تل أبيب وواشنطن إلى تعميق ضرباتهما لما فى باطن الأرض، حيث تخزن إيران أعدادا كبيرة من الصواريخ والمسيرات فى كهوف فى باطن الجبال.

إيـران وأذرعهـا فى المنطقـة:

1- جاءت استراتيجية إيران متمثلة فى استخدام الصواريخ القصيرة المدى والطائرات المسيرة فى ضرب الأهداف القريبة المتمثلة فى القواعد الأمريكية فى دول الخليج، مع استخدام الصواريخ القديمة لديها ذات المدى البعيد فى قصف إسرائيل بكثافة فى بداية العمليات لتنفيذ عملية إغراق صاروخى واستنزاف منظومات الدفاع الصاروخى الإسرائيلى (القبة الحديدية، وثاد، ومقلاع داود). وفى مرحلة ثانية، استخدام الصواريخ الحديثة من طراز (خيبر شيكن «2000 كم» وخورمشهر «2000كم») ما أحدث خسائر فادحة فى المدن الرئيسية بتل أبيب.

2- استخدام الضربات الصاروخية المشتركة بين إيران وحزب الله على إسرائيل بكثافة شتَّت جهود منظومة الدفاع ضد الصواريخ الإسرائيلية المدعومة بمنظومات «ثاد» الأمريكية.

3- استخدام إيران لأذرعها فى المنطقة، خاصة الحشد الشعبى فى العراق، وحزب الله فى لبنان، فى ضرب المصالح الأمريكية والإسرائيلية بالمنطقة، ما وسع من رقعة الحرب وتشتيت جهود القوات الأمريكية والإسرائيلية وعكس اتباع طهران استراتيجية تهدف إلى الضغط على الإقليم دون استنزاف قدراتها الصاروخية بالكامل، والحفاظ على مخزون الصواريخ المتقدم، مع الاستمرار فى الضغط على إسرائيل والخليج فى الوقت نفسه، بما يحافظ على مرونة الرد العسكرى ويستهدف المصالح الاستراتيجية لكل منطقة.

السيناريوهات المحتملة خلال المرحلة القادمة:

 من الصعوبة التقدير بسيناريوهات واضحة خلال المرحلة القادمه لوجود عوامل كثيرة تتحكم فى صعود الموقف وهبوطه، ولكن لا يمكن تجاهل تلك العوامل:

1- موقف مخزونات الذخائر لدى الولايات المتحدة وإسرائيل أمر حاسم فى استمرار أعمال القصف للأهداف الإيرانية، وبدأت مؤشراته بإعلان الرئيس ترامب موافقة رؤساء شركات الدفاع الأمريكية، بما فيها «بوينج» (التى استحوذت على ماكدونالدز دوجلاس)، على مضاعفة إنتاج أسلحة الفئة المتقدمة أربع مرات لتعزيز المخزون، ما عكس الحرص على تلبية احتياجات البنتاجون لتعويض المخزونات التى استُنزفت فى العمليات العسكرية.

2- تباين موقف الدول الأوروبية على الرغم من ارتباطها بعلاقات استراتيجية مع حليفتها الولايات المتحدة، سواء كانت عبر شراكات سياسية وأمنية أو كانت من خلال حلف شمال الأطلسى (الناتو). ومن ثم، فإن الموقف الأوروبى إزاء أى مواجهة مع طهران يخضع لحسابات دقيقة تجمع بين الرغبة فى الحفاظ على التحالفات القديمة وتجنُّب التصعيد. واقتصر الأمر على قيام كلٍ من فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة بإصدار بيان مشترك تُحذر فيه إيران من استعدادها لاتخاذ «إجراءات دفاعية» لتدمير قدرتها على إطلاق الصواريخ والطائرات المُسيّرة ما لم تُوقف طهران «هجماتها العشوائية». بيد أن بعض المحللين يرون أن قدرة أوروبا على التأثير الفعلى فى مسار الأزمة قد تكون محدودة، حتى وإن شهدت المواجهة العسكرية تصعيًدا مباشرًا بين أطراف إقليمية أو دولية.

3- بعيدا عن الحسابات السياسية والعسكرية، يطرح التصعيد مع إيران أيضا أسئلة قانونية تتعلق بشرعية استخدام القوة فى العلاقات الدولية وإسقاط الأنظمة، إذ يحظر ميثاق الأمم المتحدة اللجوء إلى القوة أو التهديد بها باستثناء حالتين رئيسيتين: الدفاع عن النفس، حال التعرض لهجوم مسلح، أو صدور تفويض من مجلس الأمن الدولى باستخدام القوة. كما أنه ليس من حق أى دولة فى العالم أن تغير نظام دولة أخرى، طبقًا للفقرة الرابعة من المادة الثانية بالميثاق التى تمنع الدول الأعضاء من التدخل فى الشئون الداخلية أو زعزعة الاستقرار أو التهديد باستعمال القوة. ومن منظور قانونى بحت، لا يكون استعمال القوة إلا بتفويض مجلس الأمن وتفعيل الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، المادة (41)، وهى الوحيدة التى تخوّل للمجلس استعمال القوة، عندما تصبح دولة ما تشكل تهديدا للأمن والسلم الدوليين. وفى السياق السابق نفسه، نجد أن إيران خرقت مبادئ القانون الدولى وميثاق الأمم المتحدة باعتدائها على دول الخليج، الأمر الذى مثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولى.

4- غلق مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية للطاقة والتجارة فى العالم، الذى يفصل بين إيران وشبه الجزيرة العربية، وتتمتع طهران بسيطرة على معظمه، وهو شريان الحياة للتجارة والطاقة العالمية، إذ يمر عبره يوميا ما يقرب من 20 إلى 25% من صادرات النفط العالمية، أى نحو 20 مليون برميل، و35% من صادرات الغاز الطبيعى المُسال، ولا توجد بدائل سريعة أو مكافِئة بحريًا يمكنها تعويض تدفق هذا الحجم الكبير من النفط والتجارة معا. لذا، يُتوقَّع حدوث قفزة فى أسعار النفط والسلع، إذ إنّ أى غلق أو انقطاع مؤقت فى عمل مضيق هرمز سيُزعزع أسواق الطاقة العالمية ويرفع أسعار السلع والتأمين كثيرا، وهذه هى ورقة الضغط الأقوى التى تمتلكها إيران، ومن شأنها دفع دول العالم للضغط فى اتجاه إنهاء هذه الحرب.

السيناريو الأول:

استمرار الهجوم الأمريكي-الإسرائيلى على إيران، ورفض أى تفاوض أو بحث عن مخارج، إلى أن تحقق الولايات المتحدة وإسرائيل أهدافهما من هذه الحرب، وهو ما يعنى استمرار الضربات النيرانية ضد أهداف البرنامجين النووى والصاروخى، والاستمرار فى سياسة الاغتيالات ضد القيادات الإيرانية، وهو سيناريو تكلفته عالية ويصعب التقدير بفترة زمنية لحدوثه، خاصة مع الصمود والعناد اللذين يتسم بهما النظام الإيرانى.

فى المقابل سيشهد هذا السيناريو «صمود النظام لإيرانى»، وأن تلجأ القيادة الحالية إلى التحصن، مع إطلاق صواريخ وطائرات مُسيرة كلما سنحت الفرصة، واستخدام أذرعها فى المنطقة لتكثيف هجماتها لإحداث توتر دائم فى المنطقة، خاصة فى ظل انتخاب مجتبى خامنئى مرشدا أعلى للجمهورية الإسلامية، وهو المقرب من الحرس الثورى.

السيناريو الثانى:

وهو سيناريو نشر الفوضى، ويعتمد على حدوث انهيار تدريجى لمؤسسات الدولة نتيجة الضربات الأمريكية والإسرائيلية المتواصلة، ما يؤدى إلى حدوث فوضى وخروج احتجاجات شعبية واسعة إلى الشوارع. وفى حال تفاقم الفوضى، قد تنشط الحركات الانفصالية التى تمثل الأقليات العرقية، مستفيدة من تراجع السيطرة المركزية وتدفق محتمل للسلاح عبر الحدود وهو ما ستعمد الولايات المتحدة إلى دعمه بدفع الأقليات فى إيران إلى إعلان التمرد المسلح فى أطراف الجمهورية الإسلامية، وخلق حالة من الفوضى تؤدى إلى انهيار النظام وانقسام الدولة. فإيران عبارة عن كتلة فارسية فى الوسط، وفى الأطراف هناك الكثير من القوميات (الأذريين، والأكراد، والعرب، والبلوش)، وتقوم المخابرات الإسرائيلية والأمريكية بالعمل على موضوع الأقليات الإيرانية. فإذا ما انتشرت الفوضى فى إيران، فستمتد إلى بقية المنطقة، فمثلا الأكراد سوف تستغل الموقف للامتداد تجاه العراق-سوريا، ومن ثم تهديد تركيا، وهذا السيناريو احتمالات تحقيقه ضعيفة نظرًا لاستمرار سيطرة الحرس الثورى الإيرانى والباسيج على الموقف فى إيران.

ختـامـــًا:

مع استمرار التصعيد، يبقى السؤال المركزى: ما الذى تريده طهران فعليا من هذه المواجهة؟ إذ أجمعت المصادر الإيرانية على أن الانتصار الميدانى ليس الهدف، وأن القيادة لا تتوقع حسما عسكريا لمصلحتها فى مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، بل هى «معركة صمود وتماسك سياسى وإدارة ناجحة للتصعيد»، وبقاء النظام الحالى هو النصر الذى تتطلع إليه القيادة الإيرانية، بالإضافة إلى تغيير الحسابات الاستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية لمنع أى محاولة قادمة لمهاجمة إيران. لذا، فإن استراتيجية إيران فى هذه الحرب واضحة: تحقيق الاستقرار الداخلى، والتصعيد الانتقائى، ورفع التكلفة الاقتصادية والجيوسياسية لاستمرار المواجهة لتغيير حسابات واشنطن والجهات الفاعلة الإقليمية.

المراجع:

(1) المقال يعتمد على متابعة سير العمليات العسكرية وتصريحات القادة العسكريين والسياسيين.

(2) محمد بوعبدالله، تقرير، قناة الميادين، استراتيجية «صمود البقاء»، استنزاف عسكرى وكلفة اقتصادية متصاعدة.

(3) حفصة علمى، أوروبا والحرب على إيران.. احتمالات التدخل ومخاوفه، مركز الجزيرة للدراسات، مارس 2026.

(4) ليلى لعلالى، كيف ستحوّل أمريكا وإسرائيل الحرب على إيران لفوضى تعمّ المنطقة؟ على الرابط:

      https://2u.pw/Mt6VCg

(5) وحدة الدراسات السياسية، المركز العربى للأبحاث ودراسة السياسات، الحرب الإسرائيلية-الأمريكية على إيران: خلفياتها وأهدافها على الرابط:

      https://2u.pw/OFvqoP

“ (6)US and Israel Launch ‘Pre-emptive’ Attack against Iran,” Reuters, 28 فبراير 2026, accessed on 4 مارس 2026, at: https://2u.pw/ICXjNJ

(7) Nicholas McEntyre, “Trump Directs Tehran to ‘Lay Down Your Arms’ or Face ‘Certain Death’ after US, Israel Strikes as he Appeals to Protesters,” New York Post, 28 فبراير 2026, accessed on 4 مارس 2026, at: https://2u.pw/c3qqXu

 

*نشر فى عدد مجلة السياسة الدولية - أبريل 2026/ ملف خاص: الحرب على إيران

طباعة

    تعريف الكاتب

    اللواء د. وائــل ربيــع

    اللواء د. وائــل ربيــع

    مستشار مركز الدراسات الاستراتيجية الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية