تمثل الحالة الإيرانية نموذجًا فريدًا فى علم الاجتماع السياسى، إذ تجمع بين إرث إمبراطورى ضارب فى القدم وبنية ثورية حديثة أعادت صياغة مفهوم الأمة من منظور دينى راديكالى. ومن ثم لا يمكن فهم هذا النظام بالاقتصار على التحليل السياسى المباشر، بل ينبغى الغوص فى التقاطعات المورفولوجية الاجتماعية لدراسة الشكل والبنية الأساسية للمجتمع والدولة بعد الثورة الإسلامية عام 1979، خاصة أن الهوية الإيرانية الإسلامية تأسست على ثنائية القومية الفارسية والمذهب الشيعى، الذى منح الدولة طابعًا تعبويًا وحركيًا.
ومن هذا المنطلق، يفسر عالم الاجتماع السياسى الدكتور سيد على رضاأزغندى الفكر السياسى الإيرانى المعاصر بوصفه نتاج صراع تاريخى بين الأصالة والتغريب، حيث نجح تيار ولاية الفقيه فى تقديم نفسه كدرع لحماية الهوية الوطنية فى مواجهة التدخلات الأجنبية. وقد أسهم هذا الامتزاج فى إنتاج ما يمكن تسميته بالإنسان الثورى، الذى يرى فى استقرار النظام ضرورة عقائدية وقومية فى آنٍ واحد.
ومع ذلك لا يمكن فهم بنية السلطة فى الجمهورية الإسلامية بمعزل عن تاريخ الممالك الإيرانية القديمة والوسيطة، إذ يتقاطع نظام الجمهورية الإسلامية مع الموروث الملكى فى مفهوم السلطة المركزية المطلقة. فالتاريخ الإيرانى يشير إلى أن الملوك استمدوا شرعيتهم من مفهوم الفرّ الإلهى، وهو التأييد الغيبى الذى يجعل الملك ظلًا لله على الأرض.
ورغم أن النظام الجمهورى الحالى يبدو من حيث الظاهر قطيعة مع الملكية، فإنه أعاد إنتاج مفهوم الحاكم المقدس فى صورة الولى الفقيه، مستفيدًا من الذاكرة الجمعية الإيرانية التى تميل إلى نمط القيادة الكاريزمية الموحدة باعتبارها آلية لحماية وحدة البلاد من التفتت. كما لا يمكن فهم استقرار نظام الجمهورية الإسلامية دون النظر إلى البازار (السوق) التقليدى، الذى مثل تاريخيًا الممول الرئيسى للحركات الدينية. بيد أن بعد الثورة الإسلامية، صعدت المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية شبه الحكومية، مثل المؤسسات الخيرية والاقتصادية المرتبطة بالدولة، إلى جانب الحرس الثورى بوصفها فاعلين اقتصاديين ضخام يديرون قطاعات استراتيجية خارج نطاق الرقابة التقليدية لمجلس الشورى الإسلامى(1).
أيضًا شهدت البنية الاجتماعية الإيرانية تحولات عميقة، حيث انتقل الثقل الاجتماعى من فسيفساء القبائل والقوميات إلى الطبقة الوسطى المدنية والمجتمع الأكاديمى، مع بقاء الحوزة العلمية فى قم بوصفها الخزان الاستراتيجى للنخبة الحاكمة. ويرى المؤرخ وعالم الاقتصاد الإيرانى، «محمد على همايون كاتوزيان» أن المجتمع الإيرانى يتسم بظاهرة المجتمع قصير المدى (جامعه كوتاه مدت)، إذ تؤدى التقلبات السياسية العنيفة إلى ضعف تراكم الخبرات الطبقية بشكل مستقر، بما يجعل الدولة الفاعل المهيمن فوق البنى الاجتماعية. ولذلك قامت الجمهورية الإسلامية على مبدأ السيادة المزدوجة، سيادة إلهية يمثلها الولى الفقيه بصلاحيات شبه مطلقة، وسيادة شعبية مقيدة عبر الانتخابات الرئاسية والبرلمانية. وقد أتاح هذا التداخل بين الثورة والدولة للنظام قدرًا من المرونة فى امتصاص الأزمات، حيث غالبًا ما تُحمّل الحكومات المنتخبة مسئولية الإخفاقات التنفيذية، بينما تظل مؤسسة القيادة فى موقع يحول دون النقد المباشر.
أولًا- الفلسفة التأسيسية لنظام ولاية الفقيه:
تستند فلسفة الحكم فى إيران إلى أطروحة الإمام الخمينى التى منحت الفقيه الجامع للشرائط صلاحيات المعصوم فى إدارة شئون العامة. وقد تمثلت عبقرية النظام فى قدرته على تحويل الكاريزما الثورية للفرد إلى مؤسسات دستورية عابرة للأشخاص. فالدستور الإيرانى لم يجعل الفقيه حاكمًا بأمره فحسب، بل جعله الناظم لعمل كافة السلطات، وهذا خلق حالة من الاستقرار الهيكلى حتى فى لحظات غياب الرأس المؤسس عام 1989(2).
خاصة أن الخمينى بعد انتصار الثورة الإسلامية عام 1979 وضع رؤية فقهية وسلطوية تمثلت فى كتابه (الحكومة الإسلامية: ولاية الفقيه)، والتى أعاد صياغتها الزعيم الإيرانى الراحل، على خامنئى، فى خطابه المعروف (تمدن إسلامى نوين، موقع المكتب الرسمى لحفظ ونشر آثار آية الله خامنئى)، وأصبح مادة تُدرس فى الحوزات والجامعات الإيرانية. وتتكون من خمس مراحل، هى:
1- الثورة الإسلامية: إسقاط النظام القديم عام 1979.
2- النظام الإسلامى: صياغة الدستور والمؤسسات.
3- الحكومة الإسلامية: أسلمة الجهاز الإدارى والتنفيذى بالكامل، وهى المرحلة التى يقرّ الخطاب الرسمى بأنها لا تزال قيد المعالجة.
4- المجتمع الإسلامى: تطبيق القيم الإسلامية فى الحياة العامة واليومية.
5- الحضارة الإسلامية العالمية: هى المرحلة النهائية التى تسبق الظهور المهدوى وقيادة الأمة.
قد يبدو أن الخمينى وضع الروح الثورية والأسس الفقهية للنظام، إلا أن الجمهورية الإسلامية انتقلت فى عهد خلفيته إلى مأسسة هذه الرؤية عبر استراتيجية المراحل الخمس، التى هدفت فى نهايتها إلى بناء الحضارة الإسلامية الحديثة. وبهذا المعنى انتقلت إيران فى عهد خامنئى (1989-2026) من روحانية الثورة إلى بيروقراطية الدولة. وعند تحليل بنية الجمهورية الإسلامية، يتضح أنها لا تتحرك فقط من منطلق دينى صرف، إذ يوجد تيار واضح داخل نظام ولاية الفقيه، خاصة فى مؤسسات، مثل الحرس الثورى وبعض الدوائر الفكرية، يرى أن إيران ليست مجرد دولة إسلامية، بل وريثة حضارة فارسية عريقة. ويربط هذا التيار بين زواج الإمام الحسين بن على من ابنة آخر ملوك الساسانيين فى بلاد فارس، يزدجرد الثالث،شهربانو، وفق الرواية الشيعية، وبين امتزاج الإسلام الشيعى بالإرث الفارسى الملكى، بما ينتج ما يُعرف بالتشيع الإمبراطورى، أو النسخة الإيرانية من الإسلام التى تزعم أهليتها لقيادة الأمة. وبناءً على ذلك يطرح النظام الإيرانى نفسه بوصفه مركزًا شرعيًا وتاريخيًا لقيادة العالم الإسلامى، ويوظف التشيع كأداة فكرية وسياسية لحماية هذه القيادة وترسيخها(3).
بالإضافة لذلك اختارت الجمهورية الإسلامية التشيع الاثنى عشرى إطارًا أيديولوجيًا لمشروعها الثورى، ليس فقط لأسباب دينية، بل لأن التشيع نشأ تاريخيًا كحركة سياسية تعارض الخلافة القائمة وتؤمن بأحقية على بن أبى طالب وذريته بالحكم. وقد منحت هذه النشأة السياسية للتشيع قابلية للتمدد فى أوقات الانقسام والتصدع داخل الأمة الإسلامية. كما أن ارتباط الإمام الحسين -وفق الرواية الشيعية- بالدم الساسانى الفارسى شكل نقطة رمزية توظف لإبراز امتزاج الدم العلوى المقدس بالدم الملكى الفارسى، بما يعزز مشروعية القيادة الإيرانية من وجهة نظرها على المستويين الدينى والحضارى. وعليه فإننا أمام نظام يمثل نتاجًا تراكميًا لحضارات إيرانية عريقة (الكيانية، الميدية، الأخمينية، الساسانية)، وهى حضارات جمعت بين الروح الدينية كالزرادشتية والعقلية الإمبراطورية.
وخلال العصور المختلفة، من الطاهريين، إلى البويهيين، والسامانيين، ثم الصفويين، فالبهلويين، ظل لرجال الدين دور متباين تراوح بين التأثير والانسحاب والتحالف المرحلى مع السلطة. غير أن هذا الدور بدأ يتعاظم خلال فترة حكم محمد رضا شاه بهلوى، تزامنًا مع تصاعد المخاوف من التهديدات الغربية ومحاولات تفكيك إيران. ومن هنا برز خطاب جديد لدى الطبقة الدينية مفاده أن إيران لن تنجو إلا بقيادة المذهب الشيعى(4).
ثانيًا- ثنائية الدولة والجمهور:
إن بقاء نظام ولاية الفقيه لنحو خمسة عقود لا يُعزى إلى صدفة تاريخية، بل إلى امتلاكه آليات مرنة لامتصاص الأزمات وتوزيع الأدوار داخل بنية السلطة. وقد تناول المفكرون الإيرانيون هذه الظاهرة من زوايا متعددة، فعلى سبيل المثال يرى فوزى أن النظام صُمم هندسيًا بطريقة تضمن عدم سقوطه بسقوط الأداء التنفيذى، فيما يُعرف بمفهوم السيادة المتداخلة، حيث تتعايش سيادة شعبية ممثلة فى الانتخابات مع سيادة إلهية يمثلها الفقيه. ولذا لا تؤدى الانتخابات فى إيران وظيفة اختيار الرئيس فحسب، بل تعمل أيضًا بوصفها مقياسًا للضغط السوسيولوجى داخل المجتمع، إذ تتيح للشارع التنفيس عن حالة الغضب عبر تداول الوجوه التنفيذية بين التيار الإصلاحى والتيار الأصولى، الأمر الذى يمنح النظام عمرًا إضافيًا تحت شعار التغيير من الداخل.
ومع ذلك لعب رجال الدين والحوزات العلمية دورًا تاريخيًا محوريًا فى استمرار الثورة الإسلامية وتعميق مأسسة القيم الدينية داخل المجتمع الإيرانى. فى هذا السياق يعزو إمام جمعة خوى فى محافظة أذربيجان الغربية، ورئيس الحوزات العلمية فيها، حجة الإسلام شكورى، استمرار الثورة فى مسارها وتحقيق آمال الإمام الراحل روح الله الخمينى إلى عاملين أساسيين:
أولهما، إدارة وقيادة ولاية الفقيه بوصفها نمطًا إداريًا مبتكرًا يختلف عن أنماط الإدارة التقليدية السائدة فى العالم المعاصر، وثانيهما، وحدة وانسجام الشعب الإيرانى الذى تحرك بوعى خلف القيادة فى مختلف الميادين(5). من جهة أخرى، يرى أزغندى أن عبقرية التصميم الهيكلى للجمهورية الإسلامية تكمن فى أن الزعيم الإيرانى يمارس سلطة واسعة دون أن يتحمل المسئولية التنفيذية المباشرة عن الأزمات اليومية. فالإخفاق فى ملفات، مثل التضخم أو البطالة يُلقى غالبًا على عاتق الحكومة والبرلمان، وهو ما يحافظ على الهالة الرمزية المحيطة بموقع القيادة، ويجعله يبدو حكمًا بين السلطات لا طرفًا مباشرًا فى الصراع مع المجتمع حول القضايا المعيشية.
ويضيف أزغندى أن النظام نجح كذلك فى إحداث ما يمكن وصفه بالإبدال الطبقى، فبينما اصطدم مع الطبقة الوسطى المتغربة فى طهران، أسهم فى تكوين طبقة وسطى جديدة متدينة تدين بوجودها الاقتصادى والاجتماعى لبنية ولاية الفقيه، الأمر الذى خلق توازنًا سوسيولوجيًا يحول دون حدوث انقلابات طبقية تهدد استقرار النظام.أما لفهم قدرة النظام على الصمود فى مواجهة العقوبات الدولية، فيشير همايون كاتوزيان إلى ما يسميه بالاقتصاد الموازى. فالنظام لم يكتفِ بالاعتماد على المؤسسة العسكرية، بل أنشأ شبكات اقتصادية واسعة تمثلت فى مؤسسات مالية كبرى، مثل مؤسسة المستضعفين، ومؤسسة الشهيد، ومؤسسة أستان قدس رضوى. وتمثل هذه المؤسسات الذراع الاجتماعية والاقتصادية لولاية الفقيه، إذ توفر القروض السكنية، والرواتب التقاعدية، والخدمات الصحية لملايين الإيرانيين، خاصة فى الأرياف والضواحى الفقيرة. وقد أدى هذا الارتباط العضوى بين هذه المؤسسات والطبقات الفقيرة إلى تحويل ما يُعرف بالمستضعفين إلى قاعدة اجتماعية صلبة تدافع عن النظام، ليس بدافع أيديولوجى فحسب، بل أيضًا لأن انهيار النظام قد يعنى بالنسبة لهم فقدان مصادر الدعم المادى والاجتماعى(6).
ويضاف إلى ذلك دور الحرس الثورى، الذى لم يعد مجرد قوة عسكرية تقليدية، بل تحول إلى ما يشبه الكارتل السياسى الاقتصادى والأمنى. والذى اندمجت مصلحة الفرد داخل هذه المؤسسة اندماجًا كاملًا مع مصلحة بقاء النظام، إذ إن حماية النظام تعنى فى الوقت نفسه حماية الإمبراطورية الاقتصادية والسياسية التى تشكلت حوله. ولهذا السبب يبدو احتمال حدوث انشقاق عسكرى واسع داخل إيران ضعيفًا نسبيًا. ومع ذلك لا يمكن إغفال فتوى الإمام الخمينى التى نصت على أن حفظ النظام من أوجب الواجبات، وهى الفتوى التى تحولت إلى عقيدة سياسية وأمنية مركزية داخل الجمهورية الإسلامية. فقد وفرت هذه القاعدة الفقهية مبررًا لتجاوز القيود الفقهية أو القانونية عندما يواجه النظام تهديدًا وجوديًا.ولعل ذلك يوضح لماذا يبرر النظام بعضًا من قراراته المتناقضة ظاهريًا، مثل قبول وقف إطلاق النار مع العراق عام 1988 -الذى وصفه الخمينى بتجرع السم- أو القبول بالاتفاق النووى عام 2015 الذى قدمه الخطاب الرسمى باعتباره نموذجًا للبطولة المرنة (نرمش قهرمانانه)(7).
ثالثًا- التنموية السياسية والاقتصادية فى إيران:
كانت إيران تاريخيًا مجتمعًا قصير المدى، على خلاف الأرستقراطية التقليدية فى أوروبا أو حتى طبقة التجار فى تلك المجتمعات. فقد كانت الملكية والمكانة الاجتماعية فى إيران قصيرة العمر نسبيًا، وذلك لأن هذه الامتيازات كانت تُعد أمرًا شخصيًا، وليست جزءًا من حقوق اجتماعية موروثة وغير قابلة للانتهاك. كما أن مكانة أصحاب المناصب والثروة لم تكن ــ إلا فى حالات نادرةــ نتاج توارث طويل الأمد يمتد لأجيال متعددة، بل غالبًا ما كانت لا تتجاوز جيلين سابقين مثلًا. لذلك لم يكن هؤلاء يتوقعون بالضرورة أن يحتفظ ورثتهم بالمكانة ذاتها بوصفها حقًا بديهيًا.
وبهذا المعنى اتسم المجتمع الإيرانى بدرجة عالية من الحراك الاجتماعى، ولم تكن مكانة الشاه نفسه استثناءً من هذه القاعدة، إذ كانت مسألة المشروعية وحق الخلافة عرضة للتحديات الجدية، بل وللثورات، بصورة تكاد تكون دائمة. ولعل أبلغ وصف لطبيعة المجتمع الإيرانى قصير المدى يتجلى فى مصطلح البيت الكلنكى (المخصص للهدم). فمعظم هذه البيوت هى مبانٍ لا يتجاوز عمرها ثلاثين عامًا، وربما عشرين عامًا فى بعض الحالات، رغم أنها غالبًا ما تمتلك أساسًا وهيكلًا إنشائيًا مناسبين. وفى حالات قليلة قد تكون هذه البيوت متداعية وتحتاج إلى ترميم، غير أن ما يدفع عادةً إلى الحكم عليها بالهدم وجعل المبنى عديم القيمة هو الاعتقاد بأن الطراز المعمارى أو التصميم الداخلى قد أصبح قديمًا وفقًا لذوق العصر أو لمتطلبات الموضة السائدة. وإذا طُبق هذا المثال على المجتمع الإيرانى، أمكن القول إننا أمام مجتمع تتعرض فيه مجالات عديدة -سياسية، واجتماعية، وتعليمية، وأدبية- بصورة مستمرة لخطر الهدم بمعول الكلنك، نتيجة الأهواء والرغبات المجتمعية قصيرة المدى. أما مؤشراته فهى على النحو الآتى:
أ- مشكلة المشروعية والخلافة، ولا سيما استحالة اختبار معايير المشروعية أو التنبؤ بآليات انتقال السلطة، فضلًا عن الضحايا الذين كانت هذه الإشكالية تحصدهم فى سياق الصراع على الحكم, خاصة وأن إيران لم يوجد بها قانون أو تقليد راسخ يمكن أن يجعل مسألة الخلافة أو المشروعية قابلة للتنبؤ قبل وقوعها.كما لم يكن المبدأ الحاكم فى تحديد الوراثة السياسية هو مبدأ البكورة، وإن كان ابن الحاكم أو أحد أقاربه يحظى غالبًا بفرصة أكبر فى الوصول إلى السلطة. بل ارتبطت المشروعية أساسًا بفكرة الفرّةالإيزيدية (الفرّ الإلهى أو الفيض الإلهى)، وهى الفكرة التى تطورت لاحقًا فى الفكر الشيعى السياسى لتتخذ شكل الولاية أو التأييد الإلهى للحاكم. وتكتسب هذه الفكرة أهميتها من كونها لا تبقى مجرد مفهوم رمزى، بل تظهر أحيانًا فى صورة تجسد مادى فى الرواية التاريخية، كما يتضح فى قصة أردشير بن بابك، مؤسس الدولة الساسانية، حيث يُقدم بوصفه حاملًا لهذه الفرّة الإلهية.
ب- انعدام اعتبار «أمن» المال والنفس، وهذه السمة فى المجتمع الإيرانى قصير المدى تنبع مباشرة من السمة الأولى. فبما أن ملوك إيران كان يُنظر إليهم بوصفهم نواب الله على الأرض، ولم يكونوا ملزمين بالاستجابة للأفراد أو الطبقات مهما بلغت مكانتهم أو ثروتهم، فقد كانت أيديهم مبسوطة على أرواح الرعية وأموالهم. ولأن الحكم لم يكن قائمًا على القانون، كان من الممكن سلب السلطة والملكية، بل وحتى الحياة، من دون أى إجراءات رسمية. وكان هذا الانعدام للأمن يمتد ليشمل الجميع: من مختار القرية والتاجر، وصولًا إلى الوزير، بل وحتى الشاه نفسه. وهناك أمثلة عديدة من القرن التاسع عشر، فعندما توفى آصف الدولة، حاكم خراسان، أمر الصدر الأعظم بختم خزانته الشخصية، حتى إن الكفن الذى كان قد أعده لنفسه بقى محبوسًا فى تلك الخزانة. وحين توفى مصطفى خان، حاكم أردبيل، حزن الشاه عليه كثيرًا، لكنه أرسل فورًا من يختم منزله بعدما قيل إن لديه أموالًا طائلة. كما قام كامران ميرزا -ابن الشاه القاجارى ووزير الحرب- بسجن أرملة قائد المدفعية بعد وفاته ليستولى على ثروتها، ولم يطلق سراحها إلا بعد أن دفعت ثلاثين ألف تومان. وهذه مجرد أمثلة على نهب الأموال من ضحايا لم يسقطوا من عين الشاه ولم يكونوا هدفًا لغضبه، بل كان الحاكم يريد منهم المال فحسب. ولم يكن هذا الأسلوب من ابتكارات القاجاريين، بل كان جزءًا من البنية الاجتماعية لبلاد فارس، ومن ثم فمن الخطأ نسبته إلى الانحطاط الأخلاقى لفرد بعينه، إذ إنه نمطٌ نظاميّ متجذر فى بنية الحكم والمجتمع. (8).
بناءً على ما سبق يتضح أن المشكلة التاريخية فى إيران تكمن فى المشروعية التى تستند إلى القوة أو الكاريزما، لا إلى القانون.غير أن نظام الجمهورية الإسلامية فى إيران حاول معالجة هذه المعضلة عبر ما يُعرف بالديمقراطية الدينية. ويتمثل أول أركانها فى المشروعية الإلهية التى يمثلها الولى الفقيه، بوصفها امتدادًا لفكرة الفرّة الإيزيدية أو النيابة الإلهية. ويتمثل الركن الثانى فى المشروعية الشعبية التى تجسدها الانتخابات والمؤسسات المنتخبة، مثل مجلس الشورى الإسلامى ومؤسسة الرئاسة. أما الركن الثالث فيتعلق بالتطبيق العملى، إذ يعود النظام، عند الأزمات، إلى ديالكتيك قديم تُرجَّح فيه كفة التعيين الإلهى أى الاستبداد بالمعنى السوسيولوجى على القيد القانونى الشعبى، عندما يحدث تعارض بين الإرادتين. كما لم يكتفِ النظام بذلك، بل وضع آلية دستورية تتمثل فى مجلس خبراء القيادة لتجنب الصراعات الدموية التى كانت تحدث فى العهود القاجارية والصفوية.
أما فيما يتعلق بمشكلة انعدام أمان الملكية بوصفها عائقًا للتنمية، فقد عمل النظام الحالى على تحويل شكل المِلكية عبر مأسسة المصادرة، إذ جرى، بعد الثورة الإسلامية الإيرانية 1979، تأميم ثروات ضخمة ووضعها تحت إدارة مؤسسات سيادية، مما أدى إلى خلق نوع من التراكم الاقتصادى. غير أن هذا التراكم لم يكن تراكمًا برجوازيًا مستقلًا، بل تراكمًا مرتبطًا بالدولة. وبرغم ذلك لا يزال القطاع الخاص يعانى من قِصر المدى، إذ يفضل التاجر فى البازار الإيرانى الأصول السائلة -مثل الذهب والعملات والتجارة السريعة- على الاستثمار الصناعى طويل الأمد، خوفًا من التغيرات المفاجئة فى القوانين أو العقوبات أو المصادرات. وبذلك لم يعد البازار مجرد سوق مادية، بل أصبح عقلية اقتصادية تميل إلى الهروب من الإنتاج نحو المضاربة، وهو ما يعزز طرح محمد على همایون كاتوزيان حول غياب التراكم الصناعى طويل الأمد فى إيران. ورغم هذه المحاولات، لا يزال القلق من المستقبل يحكم السلوك السياسى للنظام، فحالة الغموض المحيطة بالمرحلة الانتقالية المقبلة تدفع التيارات السياسية إلى العمل بمنطق قصير المدى، أى تصفية الخصوم فى الحاضر وجمع أكبر قدر ممكن من النفوذ سريعًا، بدلًا من بناء استقرار مؤسسى عابر للأشخاص.
خلاصة القول، يمثل نظام الجمهورية الإسلامية محاولة حداثية لكسر حلقة المجتمع قصير المدى عبر الدستور والمؤسسات، لكنه لا يزال يصارع الرواسب الهيكلية للاستبداد التاريخى. والاقتصاد الإيرانى اليوم -بما يشهده من تفاعلات وصراعات بين البازار والمؤسسات السيادية- يمثل المختبر الحقيقى لمعرفة ما إذا كانت إيران قد انتقلت بالفعل إلى مجتمع طويل المدى، أم إنها لا تزال تدور داخل دورة جديدة من الدورات التاريخية التى وصفها كاتوزيان.
رابعًا- العمق الاستراتيجى وجدلية البقاء والسقوط:
تُعد عقيدة العمق الاستراتيجى أو الدفاع المحيطى (دفاع پيرامونى) الركيزة الأساسية للسياسة الخارجية الإيرانية، لكنها اليوم تخضع لمراجعات سوسيولوجية حادة داخل إيران. إذ تعتمد استراتيجية الأحزمة والأطراف، أو الدفاع المحيطى، على فكرة وجود نطاق خارجى يحمى المركز، فبدلًا من مواجهة الخصم على الحدود المباشرة، يجرى بناء تحالفات أو توفير حضور فى الدول المجاورة أو القريبة نسبيًا لتطويق الخصم أو كسر طوقه. على سبيل المثال، اعتمدت استراتيجية دافيد بن جوريون على بناء علاقات مع دول المحيط غير العربى (إيران، وتركيا، وإثيوبيا) لمحاصرة الدول العربية المحيطة بإسرائيل. إلا أن إيران استخدمت هذا المنطق الاستراتيجى لخلق حزام أمنى بشرى وعسكرى يتمثل فيما يُعرف بمحور المقاومة، ليحيط بإسرائيل وبالقواعد الأمريكية فى المنطقة، بما يضمن أن يظل أى تهديد محتمل خارج الحدود المباشرة وفى الأطراف.
وتعتبر هذه الشبكات من القوى إحدى الآليات التى تحاول كسر حالة قِصر المدى، إذ تعمل على بناء هياكل عسكرية واجتماعية -مثل المدارس، والمستشفيات، والتنظيمات السياسية- فى دول أخرى، بما يجعل النفوذ الإيرانى نفوذًا مؤسسيًا لا مجرد تحالف عابر مع حاكم قد يسقط فى أى لحظة(9). وإذا طُبِّقت المقاربة السوسيولوجية لدى محمد على همایون كاتوزيان، فإن الدفاع المتقدم يمكن فهمه بوصفه محاولة من النظام لخلق درع استقرارية خارجية تحمى البناء الداخلى من الانهيار المفاجئ. وبذلك يدرك النظام أن أى اضطراب حدودى قد يقود إلى هزّات سياسية واجتماعية فى الداخل، ومن ثم يُستخدم الدفاع المتقدم بوصفه أساسًا بنيويًا بعيد المدى يحمى الهيكل المركزى للدولة. من هذه الزاوية، يرى منظرو التيار السيادى فى إيران -أى التيار الأصولى- أن الانخراط الإقليمى كان ضرورة وجودية لمنع انتقال الحرب إلى الداخل الإيرانى. ويشير على رضا أزغندى فى تحليلاته الأخيرة إلى أن إيران، من منظور سياسى، تعتبر حدودها الأمنية ممتدة من باب المندب إلى البحر المتوسط. ومع ذلك تبرز قراءة نقدية يمثلها تيار الواقعية السياسية داخل التيار الإصلاحى، إذ يرى أن النجاح العسكرى الإقليمى قد ترافق مع إخفاق سوسيولوجى داخلى، فالتورط فى صراعات ممتدة أدى إلى:
أ- استنزاف الموارد -عجز الميزانية-: تشير تقارير اقتصادية إيرانية، مثل تقارير مركز أبحاث البرلمان الإيرانى، إلى أن الإنفاق العسكرى العابر للحدود خلق فجوة كبيرة فى التنمية المحلية، الأمر الذى حوّل العمق الاستراتيجى إلى عبء مالى يسهم فى تغذية التضخم.
ب- صراع القيم بين الدولة والشباب: تُعد الفجوة بين جيل الثورة والجيل التقنى من أكبر التحديات السوسيولوجية التى تواجه نظام ولاية الفقيه. فجيل الثورة تشكّل وعيه على فكرة التكليف الشرعى والثورى تجاه الدولة، والدين، والمقاومة، فى حين ينطلق الجيل الرقمى من فكرة الحق الشخصى، مثل الحق فى الحياة الكريمة، والحق فى الترفيه، والحق فى التعبير. وهذا التحول يهدد شرعية ولاية الفقيه فى جوهرها الاجتماعى، إذ تقوم الولاية على مبدأ الاتّباع (مقلِّدون)، بينما يميل الجيل الجديد إلى منطق التعاقد (مواطنون).
بناء علىالمعطيات السابقة، تقف إيران أمام مفترق طرق تاريخى، إذ تتأرجح التوقعات بين مسار قد يفضى إلى انهيار وشيك أو تحول بنيوى يحافظ على جوهر الجمهورية الإسلامية التى تستمد فرادتها المورفولوجية الاجتماعية من كونها نظامًا نجح فى مأسسة الثورة وتحويلها إلى دولة ذات أذرع إقليمية صلبة. غير أن هذا البناء المؤسسى يواجه اليوم صراعًا محتدمًا بين محركات التآكل الداخلية وكوابح الانهيارات الهيكلية.وفى ضوء نظرية المجتمع قصير المدى لكاتوزيان (10)، يمكن تحليل هذه الديناميكيات على النحو الآتى.
خامسًا- تصدعات البناء الداخلى بين البقاء والانهيار:
يمثل الاقتصاد التحدى الأعمق الذى يواجه مشروعية الجمهورية الإسلامية فى إيران، فبينما يتبنى همایون كاتوزيان أن غياب أمان الملكية تاريخيًا حال دون تحقق التراكم المادى والرأسمالى، فإن التضخم المزمن والسياسات النقدية القلقة فى المرحلة الراهنة قد أدت إلى تآكل الطبقة الوسطى، التى تُعد صمام أمان الاستقرار المجتمعى. إذ ولد انزلاق هذه الطبقة نحو تخوم الفقر نوعًا من الغضب الطبقى الصامت، وهو غضب تتجاوز مفاعيله قدرة الاحتواء الكامنة فى الخطاب الدينى التقليدى. بعدما بات المواطن الذى يراقب انهيار قيمة عملته ينظر إلى الأساسات الخرسانية لعقيدة الدفاع المحيطى، لا بوصفها درعًا أمنيًا، بل عبئًا ماليًا يستنزف موارد الدولة على حساب متطلبات الخبز والرفاه الاجتماعى. لذا تُقرأ تصريحات وزير الخارجية الإيرانى الأسبق محمد جواد ظريف، حين أشار فى لقاء عقد فى طهران بعنوان «القضية الفلسطينية من وجهة نظر الحقوق الدولية» بتاريخ 7 نوفمبر 2023 إلى أنه ليس مقدرًا لإيران أن تقاتل باستمرار باسم المظلومين فى ظل إرهاق الشارع من التكاليف الاقتصادية للصراعات الإقليمية، بأن الحنق النخبوى تجاوز الرفض الشعبى.
من زاوية أخرى، لطالما شكلت شخصية الزعيم الإيرانى مركز التوازن بين الأجنحة السياسية المتنافسة، ومن ثم فإن غياب هذه الشخصية الكاريزمية الموحدة قد يفتح الباب أمام سيناريوهات الانسداد السياسى، خاصة مع تصاعد التنافس داخل بيت القيادة وبين أقطاب الحرس الثورى الإيرانى حول هوية الخليفة المحتمل، وهو ما قد يفضى إلى شلل نسبى فى عملية اتخاذ القرار الاستراتيجى. ومع هذا تشير التقديرات الإيرانية، إلى أن اغتيال الزعيم الإيرانى على خامنئى، مثّل انفراجة أمنية من منظور براجماتى، ويرجع ذلك إلى تمسكه قبل وفاته بموقف عقائدى متشدد رافض للنصائح الأمنية التى دعت إلى الانتقال إلى الأنفاق المحصنة أو الملاجئ المضادة للصواريخ، انطلاقًا من رؤية ترى أن الاختباء لا يليق بمقام الولى الفقيه أو بحراس الثورة، وأن مواجهة القدر طلبًا للشهادة يمثل خيارًا رمزيًا أعلى، وهو ما جعل استهدافه داخل منزله يبدو أكثر سهولة بالنسبة إلى الموساد الإسرائيلى.
فى المقابل يبدو أن النخبة الثورية فى الصف القيادى الأول، وعلى رأسهم بعض قادة الحرس الثورى الإيرانى وقوات التعبئة البسيج، قد فضّلوا ترك الزعيم الإيرانى لمصيره الذى اختاره دون ممارسة ضغوط أمنية مباشرة عليه، معتبرين تلك اللحظة فرصة لإعادة تموضع السلطة بهدف تأمين ميراث الثورة من النزعات البراجماتية التى يُعتقد أنها أحدثت تشققات داخلية بين القيادة وبعض فقهاء مجلس خبراء القيادة، بل وكانت العامل الرئيسى للحرب. فى السياق عينه،يشير استهداف إسرائيل اجتماع المجلس خبراء القيادة فى تل أبيب ظهر الاثنين 3 مارس 2026، وادعاء إعلامه أنهم اغتيلوا جميعًا، لتنفى إيران تلك الادعاءات موضحة أن فقهاء المجلس كانوا يديرون الجلسة من مواقع سرية ومؤمنة تقنيًا أثناء مناقشات اختيار القيادة الجديدة. وينطبق النهج ذاته على عضو مجلس القيادة المؤقت، على رضا أعرافى، الذى ظهر لاحقًا فى لقاء رسمى مع رئيس الجمهورية ورئيس السلطة القضائية بعد انتشار شائعات اغتياله. كذلك إشارة نجل الرئيس الإيرانى يوسف بزشكيان عبر منصة تليجرام إلى أن والده يدير شئون الدولة من مكان آمن رغم انقطاع التواصل المباشر عنه لأيام، جميعها إشارات واضحة على انتقال إيران من مرحلة إيران المكشوفة -التى كانت محكومة بهوية دينية عقائدية جعلتها عرضة للاستهداف الأمنى- إلى مرحلة إيران الأمنية المعزولة، وهو ما يفسر خلو الأهداف التى قُصفت فى الهجمات الإسرائيلية خلال اليومين التاليين لاغتيال خامنئى 28 فبراير 2026.
ويطرح هذا التحول سؤالًا مركزيًا حول آليات بقاء النظام الإيرانى فى مواجهة التآكل السوسيولوجى والضغط الجيوسياسى.
تكمن الإجابة فى طبيعة البنية المؤسسية للنظام، فخلافًا للأنظمة السلطوية التقليدية مثل نظام الشاه السابق، يمتلك الحرس الثورى الإيرانى وقوات البسيج عقيدة بقاء متجذرة مرتبطة بمصالح اقتصادية وجيوسياسية ضخمة. فهذه المؤسسات العسكرية لم تعد مجرد أدوات قمع تقليدية، بل تحولت إلى شركاء أصليين فى بنية الدولة عبر امتلاك شبكات اقتصادية واسعة، الأمر الذى يجعل انهيار النظام بالنسبة للنخب المرتبطة بها مرادفًا لفقدان الوجود الاقتصادى والسياسى واحتمالات المصادرة أو الملاحقة. ويقود هذا الترابط الوجودى إلى نزعة نحو التصعيد العسكرى دفاعًا عن مصالح البقاء المادى والسياسى، وهى الحالة التى توصف بعقيدة التماسك الصلب.
ويضاف إلى ذلك عامل غياب البديل السياسى، إذ إن تفتت المعارضة داخليًا وخارجيًا وفشلها فى تقديم مشروع سياسى متماسك يجعل مسار التغيير محصورًا غالبًا فى إطار الإصلاحات الداخلية أو الانفجارات الاجتماعية غير المنظمة. فالمجتمع الإيرانى يعيش حالة من التردد الثورى خشية أن يؤدى سقوط النظام إلى تفكك الدولة أو تكرار نماذج الانهيار التى شهدتها دول أخرى فى المنطقة. ويتجسد هذا الترابط الشعبى فى لحظات الأزمات الأمنية الكبرى، بما يشبه ما حدث خلال حرب الاثنى عشر يوما، والحرب الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية فبراير/ مارس 2026 وهو تلاحم غالبًا ما تخطئ بعض التحليلات الغربية فى تقدير قوته.
وعليه يصبح الخوف من الفوضى عاملًا داعمًا لاستمرار الجمهورية الإسلامية فى إيران، إذ تفضّل قطاعات اجتماعية واسعة الاستقرار تحت الضغط على الدخول فى حالة انتقال غير منظم قد يفضى إلى فراغ سياسى. كما أن المعارضة الخارجية تفتقر إلى جذور مؤسسية داخل البازار أو الحوزة الدينية أو المؤسسة العسكرية، مما يجعل أى تحول مستقبلى أقرب إلى الإصلاح التدريجى من الداخل أو إلى انفجارات اجتماعية تفتقر إلى القيادة التنظيمية الموحدة.
ختامًا:
نستطيع القول إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تمثل حالة فريدة من المأسسة الثورية التى استطاعت استبطان الموروث السلطوى التاريخى وإعادة إنتاجه فى إطار دستورى وأمنى صلب. ويؤكد التحول الذى رُصد فى عام 2025/2026 من مرحلة الهوية العقائدية المكشوفة إلى مرحلة الدولة الأمنية المعزولة، أن النظام قد غلّب غريزة البقاء المؤسسى على الكاريزما الفردية، حيث تحول بيت القيادة، إلى جانب الحرس الثورى الإيرانى إلى بنية أمنية عقائدية تدير الدولة عبر هياكل مؤسسية مصممة لامتصاص الصدمات العنيفة. ومع ذلك تظل المعضلة السوسيولوجية الكبرى التى تواجه إيران هى الاغتراب الاجتماعى، فبينما نجح النظام فى تثبيت الأساسات الخرسانية لعقيدة الدفاع المحيطى، فإنه يواجه فى المقابل تصدعًا فى قاعدته الاجتماعية المحلية نتيجة الفجوة القيمية المتزايدة مع الجيل الرقمى إضافة إلى الأزمات المعيشية المتلاحقة.
لكن، ومع تصاعد وتيرة المواجهة العسكرية المباشرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، جاء إعلان مجلس خبراء القيادة بتعيين آية الله السيد مجتبى خامنئى قائدًا ثالثًا للنظام -استنادا للمادة 108 من الدستور- ليعلن رسميًا دخول إيران عصر القيادة الميدانية المباشرة. هذا الاختيار، الذى جاء نكايةً فى الرهانات الإسرائيلية والأمريكية وتجاوزًا لكافة التهديدات الأمريكية برفض مجتبى زعيمًا جديدًا، لا يكتفى بتحويل منصب الزعامة إلى رمزية جامعة، بل ينقل مقاليد الإدارة الفعلية وقرارات الحرب والسلم إلى قبضة الحرس الثورى بشكل كامل، واضعًاالجمهورية الإسلامية برمتها فى مرحلةالاختبار الأقصى. ولأن مجتبى كان رجل ظل قريبًا من الأجهزة الأمنية وبعيدًا عن الحياة السياسية، فاختياره يمنح الحرس فرصة ذهبية لهندسة صورته وتوجيه قراراته بما يتفق مع عقيدتهم المتشددة، محولًا بذلك دفة الصراع من مناورات السياسة إلى لغة الميدان والصدام المفتوح.
المراجع:
على رضا أزغندى، جامعه شناسی سیاسی إیران (علم الاجتماع السياسى لإيران)، طهران،نشر قومس، 1385ه.ش/ 2006م.
يحيى فوزى، دين ودولت در إيران معاصر (الدين والدولة فى إيران المعاصرة). قم. نشر معهد الثقافة والفكر الإسلامى، 1386هـ، ش/ 2007م.
شيماء المرسى، إيران بين العجز الاقتصادى وحدود الضغط الأمريكى: قراءة فى معادلة الصمود والتفاوض، موقع مجلة السياسة الدولية، مصر، 2026، الرابط: https://surl.lt/bcvges
أحمد كسروى، التشيع والشيعة، تحقيق: ناصر القفارى وسلمان العودة، الطبعة الأولى، 19881.
خبركذاری دانشجو، ولایت فقیه عامل أصلی تداوم انقلاب در مسیرتعیین شده است، إیران، 1389هـ، ش/ 2011م. الرابط:
https://surl.li/zqyphq
همايون كاتوزيان، إيران: جامعه مدت كوتاه، (إيران: مجتمع قصير المدى)، ترجمة: ی،النسخة 16، طهران، نشر نى. 1400هـ، ش/ 2021م.
أمانت عباس، إيران تاريخ حديث، ترجمة: معين الإمام، مركز طروس للنشر والتوزيع، 2024.
همايون كاتوزيان، جامعة (مجتمع قصير المدى)، ی، شناسنامة مجلة فرهنكیو هنری بخارا. طهران، 1390هـ، ش/ 2011م، الرابط:
https://shorturl.at/URpip
سيد، فاضلى وآخرون، تجزیه و تحلیل مقابلهای راهبرد دفاع پیرامونی در ج.ا إیران ورزیم صهیونیستی (تحليل مقارن لاستراتيجية الدفاع المحيطى فى ج.ا. إيران والكيان الصهيونى. موقع الدراسات الاستراتيجية للبسيج. 1402هـ، ش/ 2023م. الرابط:
https://shorturl.at/5csdm
همايون كاتوزيان، جامعة (مجتمع قصير المدى)، ی، شناسنامة مجله فرهنكیو هنری بخارا، طهران، 1390هـ، ش/ 2011م. الرابط:
https://shorturl.at/URpip
*نشر فى عدد مجلة الديمقراطية - أبريل 2026