تحليلات

جدلية التعقيدات الداخلية والتفاعلات الخارجية فى السياسة الإسرائيلية

طباعة

إن قراءة التفاعلات السياسية داخل إسرائيل تتم عبر النظر إلى العلاقة بين الداخل والخارج، بحسبانها علاقة تبادلية تقوم على إنتاج التناقضات وإعادة توظيفها، فالتصعيد الإسرائيلى فى الملفات الخارجية لا يأتى فى إطار الاستجابة لاعتبارات أمنية بحتة فقط، بل يستخدمه رئيس الوزراء الإسرائيلى كجزء من عملية أوسع لإعادة ترتيب المجال السياسى الداخلى، فى ظل انقسامات بنيوية مترسخة فى المجتمع الإسرائيلى، بما يجعل تحركات السياسة الخارجية وصياغة معادلات الاصطفاف الإقليمية والتحالفات الأمنية الجديدة فضلا عن توسع العمليات العسكرية الإسرائيلية كما وكيفا، أبرز أدوات إعادة إنتاج الشرعية السياسية وتخفيف حدة التوترات الحزبية وإعادة هندستها فى الداخل.
وفق هذا المنظور لا تتحرك الحكومة الإسرائيلية فى المجال الدولى بمعزل عن حسابات الداخل، بل ضمن دينامية جدلية مفرغة يصبح فيها الخطر الخارجى أطروحة تنتج نقيضها فى صورة استقطاب داخلى، ليعاد لاحقا تركيب المشهد عبر خطاب أمنى حاشد أو تحرك عسكرى كبير من أجل إعادة هندسة التحالفات قبيل الاستحقاقات الانتخابية على وجه الخصوص، بما يقدم السياسة الخارجية كساحة لإدارة التناقضات الداخلية وإعادة توزيع النفوذ بين التيارات السياسية وليست مجرد انعكاس لها.
تقاطع السردية الأمنية والعقائدية التوراتية ومعضلة سياسات اليمين الإسرائيلى:
تتقاطع السردية الأمنية والعقائدية فى حكومة نتنياهو، حيث يتبنى رئيس الوزراء الإسرائيلى العقيدة اليمينية التى ترى أن حل الصراع مع الفلسطينيين لن يتأتى إلا بتغيير قواعد اللعبة الإقليمية لصالح إسرائيل، منطلقا من أن مستقبل المنطقة قائم على الهيمنة وضمان التفوق النوعى وبالتالى السيطرة على أجندتها وتوجيهها، بما يفسر منهجه وتحركاته على الجبهات المتعددة والتى تثير موجات عدم الاستقرار المتتالية، وتزيد معدلات التصعيد العسكرى، وتحول دون نشأة توازن إقليمى متماسك عن طريق تكثيف الضربات الاستباقية لمواجهة ما يسميه «أخطار وجودية» تحشد الرأى العام فى الداخل بما يتجاوز أزماته السياسية والاجتماعية، وبما يصيغ إعادة هندسة الإقليم من خلال تموضع إسرائيل الإقليمى والدولى فى ظل المتغيرات الجيوسياسية الحادة التى تشهدها المنطقة منذ 7 أكتوبر، من أجل تحويل التوسعات العسكرية الإسرائيلية إلى سياسات دائمة(1).
إن الغطاء الذى يتحرك فى إطاره نتنياهو هو امتداد واضح للعقل الاستراتيجى المبكر الذى تجسد فى «مبدأ الأطراف» ضمن أفكار بن جوريون التأسيسية للدولة اليهودية، وإن تغيرت أدواته، ومضمونه، وأهدافه على مر السنوات، والذى يدفع دائما إلى نقل المعركة إلى أرض الخصم وتبنى الضربات الاستباقية والعمل على توسيع دوائر الشركاء من أجل كسر العزلة، لتقليل الاعتماد على الداخل المتقلب وتقويض أى احتمالات بظهور تكتل إقليمى معادٍ فى أطر تستدعى التاريخ المقدس وتربطه بالواقع السياسى، بما ينقل الصراعات من خانة الرد الأمنى إلى معركة هوية وتاريخ تعمق الاستقطاب الإقليمى وتحملها مخاطر مضاعفة على المدى الطويل(2).
ثم تأتى السردية العقائدية اليمينية المتطرفة التى تتبنى سياسة الترانسفير بكل وضوح من أجل تحقيق أهدافها فى الداخل، ويعبر عنها سياسيا ودينيا التيار الاستيطانى المتطرف والعقائدى شريك رئيس الوزراء نتنياهو فى التحالف الحزبى الحاكم، حزب عوتسما يهوديت بزعامة بن غفير وحزب تكوما بزعامة سموتريتش، والذى تنطلق سرديته من مباديء الصهيونية الدينية كما يعتمد التوراة كمصدر وحيد للتشريع، وينظر إلى أرض إسرائيل وجميع مناطقها المحددة فى التوراة، هى ملك لشعب إسرائيل لجميع أجيالها، وعليه لا يحق لأى زعيم أو جيل التنازل عن الوطن، ويميل إلى استخدام العنف لفرض السيادة الفعلية من خلال الدعوة إلى إعدام المقاومين الفلسطينيين، ويرفض إطلاق سراح أسرى حتى ضمن صفقات تبادل وتفكيك السلطة الفلسطينية، والتوسع الاستيطانى، ومساعدة الفلسطينيين على الهجرة(3).
ولعل تقاطع السردية الأمنية التى يتبناها نتنياهو مع السردية العقائدية اليمينية المتطرفة التى يتبناها اليمين المتشدد داخل التحالف الحزبى الحاكم، هو ما يفسر إطلاق يد نتنياهو لليمين المتطرف فى الداخل فى سبيل تحقيق رؤيته الأوسع فى المنطقة والتى تخدم بقاءه فى السلطة ومجده الشخصى.

الداخل الإسرائيلى:
يظل المسعى الأوضح لرئيس الوزراء الإسرائيلى هو البقاء فى السلطة وحرصه على ترك إرث تاريخى يبرر له البقاء فى السلطة رغم ما يواجهه من اتهامات فى الداخل بشأن قضايا الفساد التى تلاحقه قضائيا والاتهامات الدولية الجنائية على إثر حرب غزة.
ففى الوقت الذى تستعد فيه الأحزاب لانتخابات الكنيست 2026، فى ظل وضع حزبى يتسم بالتشرذم، مابين عجز أحزاب المعارضة عن تشكيل جبهة انتخابية تنافس اليمين، وما بين التحالف اليمينى القائم بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والأحزاب اليمينية المتشددة، والذى يشهد عدة أزمات أظهرت خلافات ضاغطة بين أطراف الائتلاف لم ينقذه منها إلا الخروج إلى التحشيد لمواجهة خطر خارجى وجودى، تأتى انتخابات 2026، كانتخابات محورية تضع إرث نتنياهو على مدار عقود تحت اختبار وجودى.

انتخابات 2026:
من المقرر إجراء انتخابات الكنيست فى أكتوبر 2026، ما لم يتم الدعوة لانتخابات مبكرة إذا انهار الائتلاف الحاكم، وعادة ما يحمل عام انتخابات الكنيست الإسرائيلى موجة من إعادة رسم الخريطة السياسية لإسرائيل، خاصة فى ظل النظام السياسى الذى يحتم صياغة ائتلافات حزبية يزداد تعقيدها فى ظل نظام انتخابى لا يتمتع فيه حزب بأغلبية كاملة (61 مقعدا فى الكنيست) تسمح له بتشكيل الحكومة دون تقديم تنازلات وإبرام صفقات انتخابية خاصة فى الظروف الاستثنائية التى يمر بها الإقليم أمنيا، والتى تتصدر فيها إسرائيل المشهد العسكرى بما يحمله ذلك من تكاليف اقتصادية، وأمنية، واجتماعية على الداخل.
ولعل الائتلاف القائم بين حزب الليكود الذى تظهر استطلاعات الرأى تمتعه بشعبية كبيرة فى الشارع الإسرائيلى وبين الأحزاب الأرثوذكسية المتشددة واليمينية المتطرفة، يواجه انتخابات تهدد تماسكه على المدى الطويل ما لم يذهب حزب الليكود لتبنى أجندة شديدة اليمينية على مستوى السياسة الخارجية تمنحه يدا عليا أمام شركائه، وتجعل نتنياهو فى مواجهة مباشرة مع منتقديه من الأحزاب الأخرى أو الطامحين فى أماكن فى الائتلاف المقبل بما يجعل الباب مفتوحا أمام مناورات سياسية حزبية تشتد حدتها كلما اقترب موعد الانتخابات.
فمما لاشك فيه أن البناء الاجتماعى الإسرائيلى لم يعد متماسكا بما يكفى لتحمل صراع طويل المدى، بما يدفع النخبة لتقديم تنازلات وصياغة توافقات داخلية تعالج الانقسامات العميقة بدلا من الهروب للأمام عبر الخطاب الأمنى المتشدد ذى الصبغة الدينية خاصة بعد القضاء على حروب الأخطار الوجودية كما تبناها نتنياهو(4).
خريطة التيارات السياسية وأوزانها:
حتى الآن خسر التيار الليبرالى الوسط الذى يعبر عنه حزب أزرق أبيض بزعامة بينى جانتس أرضيته السياسية منذ خروجه فى يونيو 2024 من حكومة الحرب التى شكلها نتنياهو، حيث تظهر الاستطلاعات أن شعبية هذا الحزب تراجعت إلى نسب لا تقترب حتى من النسبة المطلوبة لضمان مقعد فى الكنيست.
بينما حزب البيت اليهودى أحد أحزاب اليمين المتطرف بزعامة رئيس الوزراء نفتالى بينيت (يونيو 2021 - يوليو 2022) لا يزال يناور ليطرح نفسه كبديل لحزب الليكود مع وجود فرص له وسط ناخبى اليمين، ويتهم حكومة نتنياهو بأنها حكومة فاشلة والذى يعد المنافس الأبرز لرئيس الوزراء نتنياهو فى أى انتخابات مقبلة، ولكن هذا التنافس الشديد هو ما تغذيه الأحزاب اليمينية القومية الدينية بقيادة وزير المالية سموتريتش وكذلك المعارضة بقيادة لبيد، لأن بنية النظام الانتخابى والسياسى قد تدفع كلا من نتنياهو وبينيت إلى التحالف فى حكومة مقبلة على حساب هذه الأحزاب، وهو أمر ربما ينفيه الطرفان ولكن لا يمكن استبعاده بالكلية خاصة فى ظل غياب مؤشرات جدية على توحد المعارضة المنقسمة على ذاتها(5).
على الناحية الأخرى، كما تظهر استطلاعات الرأى قبيل الحرب على إيران فإن كتلة المعارضة لا يمكنها الفوز فى الانتخابات القادمة دون الدخول فى ائتلافات وصفقات انتخابية، حيث تتمسك كتلة حزب يش عتيد (التى تتكون من حزب يشار بزعامة جادى آيزنكورت، وحزب يسرائيل بيتنا بزعامة ليبرمان، وحزب أزرق أبيض، وحزب يش عتيد بزعامة يائير لبيد، وحزب الديموقراطيون بزعامة يائير جولان) بعدم تشكيل حكومة مع الحريديم فى ظل الضغوط المستمرة لإلغاء التجنيد الإجبارى لهم أو تشكيل حكومة مع نتنياهو(6).
تكمن المعضلة أمام الأحزاب الآن فى أن كتلة اليمين التى يتزعمها رئيس الوزراء نتنياهو وكتلة المعارضة لا يمكنها الفوز بعدد كافٍ من المقاعد دون دعم من الأحزاب العربية (الجبهة العربية للتغيير والقائمة الموحدة) وهو ما يرفضه المعسكران بشكل واضح خاصة فى ظل الانتقادات التى وجهت لحكومة لبيد/بينيت فى 2022 لتعاونها مع الحزب الإسلامى بزعامة منصور عباس آنذاك، ذلك فى الوقت الذى أظهرت فيه الاستطلاعات أن فى حال خاضت الأحزاب العربية الانتخابات سواء بقائمة مشتركة أو منفردة ستحصل على ما بين 10-14 مقعدا(7).

جدلية الداخل والخارج فى سياسات نتنياهو:
منذ 7 أكتوبر وفتحت إسرائيل جبهات للصراعات متمددة ومتقلبة أرست نمطا من عدم الاستقرار فى المنطقة يتم إدارته لصالح سياسات نتنياهو وبقائه فى السلطة على رأس ائتلافه اليمينى القومى الدينى، حيث تمهد الحكومة من خلال التحرك على هذه الجبهات إلى تحرك يمينى تاريخى فيما يخص القضية الفلسطينية على المدى المنظور.
ولعل استدعاء خطاب «الخطر الوجودي» أمام ضغوطات اليمين القومى لتنفيذ شروطه التى انضم بها للائتلاف والتى تلقى معارضة من أغلب الأطياف السياسية الأخرى المعارضة لنتنياهو والتى تمس جوهر التعايش الاجتماعى القائم عليه الحكم فى دولة إسرائيل، وكذلك طبيعة وبنية المجتمع الإسرائيلى والصراع الهوياتى للدولة اليهودية ما بين الدينية القومية والعلمانية.
- إيران من حرب الإثنى عشر يوما إلى الحرب الإقليمية الشاملة:
يرى رئيس الوزراء الإسرائيلى أن النظام الإيرانى هو تهديد وجودى لإسرائيل فى معادلة صفرية لا تقبل سوى إزالته، إذ لم تكن حرب الـ12 يوما فى 2025 سوى البداية لتحقيق هذا الهدف الذى يستكمل القضاء على محرك محور المقاومة بعد القضاء على أطرافه المتمثلة فى النظام السورى للأسد، وتحييد الشمال السورى باتفاق أمريكى، والقضاء على البنية التحتية والدفاعية لحزب الله فى لبنان، والحرب على حماس فى غزة، واستهداف الحوثيين فى اليمن، إلا أن هذه الحرب لم تكن كافية لتحقيق هذا الهدف بعد أن أثبت النظام الإيرانى صلابة فى مواجهة الضربات الكثيفة على منشآته النووية واغتيال عدد من القادة والعلماء، بل إن الداخل الإسرائيلى اعتبر أن إيران إن لم تخرج منتصرة فهى لم تخرج مهزومة بالكامل، هذا الأمر الذى لا يقبله المزاج اليمينى الإسرائيلى فى النخبة أو فى الشارع، ويضعف موقف رئيس الوزراء الإسرائيلى داخل ائتلافه القائم مما وضعه تحت ضغوط المطالبات اليمينية المتشددة، مما دفع به فى نهاية فبراير  2026، إلى خوض الحرب الإقليمية الشاملة ضد إيران وقد أظهرت استطلاعات الرأى قبيل الحرب على إيران 2026 أن الشارع الإسرائيلى يمينى الميل نحو ضرورة شن هجوم أمريكى ضد إيران حماية لأمن ومصالح إسرائيل وذلك بنسبة 59% ممن شملهم الاستطلاع.
ويأتى هذا التحرك فى إطار تدعيم موقع نتنياهو السياسى فى الداخل من خلال ترسيخ عدم خسارة الحليف الأكبر باعتباره أحد ركائز خطاب رئيس الوزراء بما يعكسه ذلك من ضمان تفوق عسكرى وتكنولوجى فى المنطقة، إذ تحقق هذه الحرب هدف الرئيس الأمريكى ترامب الأوسع وهو الانسحاب من الانخراط المباشر فى صراعات المنطقة وتركها رهينة التوازنات الإقليمية الخادمة لمصالحها بشكل أساسى(8)، وعليه حسمت إسرائيل والولايات المتحدة أهداف الحرب على إيران التى شنتها من أجل القضاء على البرامج النووية والصاروخية الإيرانية، وتدمير البحرية الإيرانية، وتغيير القيادة فى إيران، مما يرسخ عناصر موقف نتنياهو المتطابق مع الموقف الأمريكى فيما يخص إيران حتى وإن كان يتعارض مع أولويات الأجندة اليمنية المتشددة أو مع جوهر أجندة المعارضة، على عكس ما قد يبدو من تباين فى موضوعات أخرى مثل غزة.
- القضية الفلسطينية ومستقبل غزة.. الخط الأحمر اليمينى:
فى وقت تختلط فيه أوراق الحرب والسلام ضمن محاولات رسم ملامح النظام الإقليمى الناشئ فى المنطقة، يصر رئيس الوزراء الإسرائيلى على استمرار نهج إدارة الصراع وليس حله، هذا النهج الذى يضمن لإسرائيل يدا عليا فى ملفات الضفة وغزة على أرض الواقع، بحيث يضعها اليمين الإسرائيلى على رأس أولوياته والتى يبرر بها نتنياهو تحركاته الخارجية العدوانية فى المنطقة، كتمهيد لفرض السيطرة الكاملة الإسرائيلية والقضاء على حل الدولتين، كما تبناه المجتمع الدولى على مدار عقود بما يغير قواعد اللعبة من جذورها فيما يخص تسوية القضية الفلسطينية والرجوع بها مرة أخرى إلى مكانة متأخرة على أجندة الأولويات الدولية، بالتوازى مع نسف أسس التسوية السلمية التى كانت قائمة والعودة لما قبلها على أرض الواقع وإقرار واقع جديد.
حيث يرى اليمين الإسرائيلى الاستيطانى أنه أمام لحظة تاريخية يطلق عليها التيار اليمينى «لحظة المعجزة الإلهية»، التى ستحسم إنهاء فرص قيام الدولة الفلسطينية، وهو الأمر الذى يلقى توافقا مع تيارات المعارضة كذلك فى ظل الظروف القائمة، ويضغط اليمين المتطرف بكل قوته على رئيس الوزراء فى هذا الاتجاه استغلالا لفرصة ربما لن تتكرر تسمح له بحسم ملف الضفة الغربية، وعليه مضى رئيس الوزراء الإسرائيلى فى هذا الطريق وفقا للرؤية اليمينية المتشددة التى يعبر عنها بوضوح أقطابه وزير المالية سموتريتش، وبن غفير، ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، فى وقت لا يزال نتنياهو يضع على رأس أولوياته توسيع حروبه الخارجية لإعادة إنتاج فكرة الخطر الوجودى كأحد أوراق الضغط على اليمين المتشدد فى الداخل، مقابل أولوية التعامل مع الملف الداخلى وعلى رأسها الاستيطان لدى اليمين المتشدد.
فى هذا الإطار أطلق نتنياهو يد التيار المتطرف فى حكومته على الساحة الداخلية وذلك على مسارين يحققان فكرة الضم الكامل للضفة(9)، ويتمثلان فيما يلى، المسار القانونى من خلال إقرار قانون الأراضى الذى يضمن ضما تدريجيا وكاملا لأراضى الضفة الغربية عن طريق قرارات المجلس الوزارى الإسرائيلى المصغر للشئون السياسية والأمنية، برفع السرية عن سجلات الأراضى بهدف تسهيل عمليات بيع الأراضى للمستوطنين اليهود، وإلغاء قوانين تعود للعهد الأردنى كانت تمنع بيع الأراضى لليهود، ونقل صلاحيات ترخيص البناء فى تجمعات يهودية، مثل الخليل والمواقع الدينية من البلديات الفلسطينية إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية، كما تشمل القرارات تسريع وتوسيع الاستيطان، وتسهيل تملك الأراضى من قبل الإسرائيليين، وتعزيز الوجود الإدارى لهم، والمسار الثانى على أرض الواقع الفعلى حيث توسيع مدى وسقف سياسات القمع ضد الفلسطينيين تخطت حواجز كثيرة، وهنا يأتى قانون الإعدام للأسرى كواحد من تجليات هذه السياسات القمعية فى مرحلة ما بعد 7 أكتوبر.
وبجانب محورية قضية التوسع الاستيطانى فى الضفة الغربية فى الخطاب اليمينى الداخلى، فإن ضمان أمن المستوطنات الإسرائيلية كذلك يشغل حيزا فى الخطاب اليمينى الداخلى، خاصة ضمان أمن المستوطنات الحدودية الشمالية من خطر ضربات حزب الله فى لبنان، بحيث تقاطعت ورقة التقدم والاستيلاء على مناطق إضافية خاضعة لسيطرة الاحتلال فى لبنان والمضى قدما فى إتمام نزع سلاح حزب الله وتفكيك قواعده الدفاعية، وهو الخط الثابت فى خطاب نتنياهو منذ سنوات مع خطاب اليمين الاستيطانى المتطرف وحشد قاعدته الشعبية.
من ناحية أخرى، فى ظل غياب سردية نتنياهو حول تحقيق «نصر كامل» فى غزة، فإن موقف اليمين المتشدد واضح وحاسم فيما يخص قضية نزع سلاح حماس فى غزة والقضاء على وجودها، وهو موقف غير قابل للتفاوض داخليا فى مرحلة ما بعد 7 أكتوبر، وفى الوقت الذى يشارك فيه الإسرائيليون -رغم معارضة تيارات اليمين واليمين المتشدد فى الحكومة والمعارضة كذلك(10)- فى فعاليات مجلس السلام الذى دعا إليه الرئيس الأمريكى ترامب وعقد أول اجتماع له فى واشنطن والتماهى الشكلى مع أطروحات مشروعات إعادة الإعمار، تخاطب الحكومة اليمينية الداخل من خلال إصرارها على استمرار الانتهاكات الإسرائيلية فى غزة بعد اتفاق وقف إطلاق النار، والتعنت فى استكمال تنفيذ بنود المرحلة الأولى، وإدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع، بما يجعل المضى فى مشروعات إعادة الإعمار أمرا مأزوما ويجعل الداخل اليمينى فى حالة تأهب أمنى دائم يخدم موقع رئيس الوزراء فى الائتلاف اليمينى ويحفظ له أوراقا تفاوضية انتخابية خلال الشهور السابقة لانتخابات 2026.
-التحالف السداسى ما بين ترتيبات الأمن الإقليمى الأوسع وكسر العزلة:
من خلال هذا الطرح يسعى رئيس الوزراء الإسرائيلى إلى استغلال حالة السيولة الشديدة التى يمر بها الإقليم من أجل ضمان خطاب يروج لهيمنة إسرائيلية واضحة لها طابع مؤسسى فى المنطقة خاصة بعد ضمان شلل قدرات محور المقاومة التقليدى بأذرعه المختلفة، وبالرغم من عدم وضوح مدى جدية وعملية المقترح الإسرائيلى، إلا أن ما وراء هذا الطرح نفسه هو ما يعكس مساحات الهيمنة الإسرائيلية العدوانية فى المنطقة، حيث تتجاوز هذه الأطروحات التنسيق الأمنى الإقليمى إلى إقرار تغيير جيوسياسى على الأرض يضمن إطارا متعدد الأطراف داعما للأجندة الأمنية والاقتصادية الإسرائيلية بشكل أكثر تجذرا، يبنى شبكة تنسيق أمنى-عسكرى واستخباراتى، تتكامل فيها منظومات الدفاع الجوى، وتتشابك فيها المصالح الاقتصادية والممرات اللوجيستية(11).
كما أن هذا الطرح وتوقيته المتزامن مع أكبر موجة عدم استقرار تشهدها المنطقة تحت نيران الحرب الشاملة بين طهران، وتل أبيب، وواشنطن فى جانب منه محاولة لإظهار صورة معاكسة لحالة العزلة الدولية التى أصابت إسرائيل جراء حرب الإبادة فى غزة، وتقديم رئيس الوزراء نفسه كشخصية لا تزال لها القدرة على إدارة التحالفات الإقليمية والدولية القائمة، وتوسيعها لتشمل شراكات جديدة فى مقابل نظرة اليسار الإسرائيلى فى الداخل الذى يحمل فى خطابه الداخلى رئيس الوزراء نتنياهو مسئولية خسارة سمعتها الدبلوماسية على المستوى الدولى.
وبنظرة على أطراف هذا التحالف الذى جاء الحديث عنه فى الزيارة التاريخية لرئيس الوزراء اليمينى الهندى إلى تل أبيب فى أواخر شهر فبراير 2026، نجد أنه يضم بجانب الهند وإسرائيل، اليونان وقبرص ودولا أخرى من الإقليم وإفريقيا وآسيا فى مقابل ما كان قائما من المحاور الشيعية التى تلقت ضربات أفقدتها قدراتها الدفاعية والهجومية، ومحاور سنية راديكالية يرى أنها تتشكل فى المنطقة ويعتبرهما تهديدا وجوديا مباشرا لأمن إسرائيل. وبالتالى يفتح هذا الطرح نافذة حشد شعبى داخلى جديدة لمواجهة خطر مستقبلى محتمل فى مرحلة ما بعد حرب إيران 2026، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يغذى أجندته الاقتصادية والأمنية داخليا بمعطيات جديدة دافعة فى اتجاه الترويج لهذه الفكرة التى تقدم إسرائيل كمركز قوة إقليمى فى ملفات، مثل الطاقة، والملاحة، والأمن من خلال تأمين والتحكم فى خطوط الملاحة فى منطقة حيوية تمتد من جنوب آسيا إلى مداخل البحر الأحمر وشرق المتوسط(12).
فى ضوء ما سبق تبدو الجبهات المتعددة التى تحركت عليها إسرائيل -سواء فى مواجهة إيران وحزب الله، أو فى استمرار إدارة الصراع فى غزة، أو فى السعى إلى بناء أطر أمنية إقليمية جديدة مثل التحالف السداسى- جزءا من نمط سياسى أوسع تتداخل فيه اعتبارات الداخل والخارج بصورة يصعب الفصل بينها. فإعادة إنتاج خطاب «الخطر الوجودي» حول إيران، والحفاظ على حالة الصراع المفتوح فى غزة دون حسم نهائى، إلى جانب الترويج لتحالفات أمنية إقليمية واسعة، لا يعكس فقط قراءة أمنية لبيئة إقليمية مضطربة، بل يندرج أيضا ضمن عملية أوسع لإعادة توجيه المجال السياسى الداخلى نحو قضايا الأمن والبقاء. وبهذا المعنى تقدم الحالة الإسرائيلية مثالا دالا على تداخل ديناميات Securitization Theory، التى تعيد صياغة التهديدات عبر الخطاب السياسى، مع منطق Diversionary War Theory، الذى يوظف التصعيد الخارجى لإدارة الضغوط الداخلية، فى إطار أنظمة انتخابية منقسمة يمكن أن تصبح فيها الأزمات الخارجية موردا سياسيا يعاد توظيفه فى إعادة ترتيب التوازنات الحزبية قبيل الاستحقاقات الانتخابية. ومن ثم لا تبدو السياسة الخارجية هنا مجرد امتداد لمعادلات الداخل، بقدر ما تتحول إلى أداة لإعادة تشكيلها وإعادة إنتاج قدر من التماسك السياسى المؤقت داخل مجتمع يعانى انقسامات بنيوية متزايدة.

ختامًا:
برهنت الحالة الإسرائيلية على عجزها عن الخروج من الدائرة المفرغة التى أدخلها فيها رئيس الوزراء الإسرائيلى ، بحيث لم تعد السياسة الخارجية أداة تعبير عن الداخل ودرعا لحماية الاستقرار، بل صارت آلية لإعادة تشكيله، من خلال الإصرار على توظيف خطاب «الخطر الوجودى» وتحويله لأداة هندسة سياسية داخلية، فبالرغم من الحفاظ على التفوق النوعى العسكرى والتكنولوجى لإسرائيل فى محيطها الإقليمى فلا يزال رئيس الوزراء يعتمد على التصعيد لضبط الداخل وهو ما يرسخ الهشاشة الداخلية على المدى المنظور.
فقد باتت الشرعية السياسية الممنوحة لرئيس الوزراء من خلال الانتخابات بمثابة استفتاء على إدارة الأزمات الخارجية مما يثير تساؤلات حول الحفاظ على البقاء السياسى للنخبة فى حالة انتهاء الصراعات والحروب، أو بمعنى آخر فى حالة وجود محاولات جدية لإقرار السلام العادل فى المنطقة، ومن هنا فإن معضلة توظيف السياسة الخارجية فى إعادة تثبيت نتنياهو وإعادة رسم الخريطة السياسية ستكون على المحك أمام انتخابات الكنيست 2026، كلحظة كاشفة لأزمات المجتمع والدولة البنيوية فى إسرائيل. وعليه ننتهى إلى تساؤل أكبر وهو هل تعكس سياسات نتنياهو إعادة هندسة للإقليم بالفعل، أم إنها محاولة متقدمة لإدارة مؤقتة لأزمة داخلية بنيوية لم تعد قابلة للاحتواء؟

المراجع:

1-دينس روس، إرث نتنياهو لن يصنع على ساحة المعركة وحدها، The Washington Institute for Near East Policy، 9 يوليو 2025.
2-أحمد البهنسى، الدلالات الرمزية فى خطاب نتنياهو بإعلان الحرب على إيران، الانتماء المصرى، 1 مارس 2026.
  3-وليد حباس، سموتريتش وبن غفير..وزيران فى حكومة يمينية متطرفة، المركز الفلسطينى للدراسات الإسرائيلية (مدار)، 6 نوفمبر 2022، متاح على الرابط: 4-مدار - سموتريتش وبن غفير.. وزيران فى حكومة يمينية متطرفة.. قراءة فى البروفايل الشخصى والحزبى.
5-رنا أبوعمرة، إشكاليات المجتمع الإسرائيلى وتأثيرها على حرب غزة، مجلة الديمقراطية، عدد يوليو 2025.
6-Lorenzo Tondo, Israel far-right ministers reject US-backed postwar Gaza panel, The Guardian, 18/1/2026, available at: Israel far-right ministers reject US-backed postwar Gaza panel | Israel | The Guardian
Ibid.7-
8-Linda Dayan, Explained: What Part Israel’s Arab Parties Can Play in Toppling Netanyahu in the 2026 Vote, HAARETZ, 1/2/2026, available at: Explained: What Part Israel’s Arab Parties Can Play in Toppling Netanyahu in the 2026 Vote - Israel News
9-طارق راشد، تغيير النظام الإيرانى هدف مشترك لترامب ونتنياهو،  مجلة «المجلة»، 1 مارس 2026.
10-على المخلافى، قرارات حكومة نتنياهو ضد الضفة ضم مقنع أم حسابات انتخابية، DW، 8 فبراير 2026.
11-محمود يزبك، لماذا تعارض إسرائيل مجلس السلام فى غزة، TRT بالعربى، 22 يناير 2026.
12-أحمد عبدالحكيم، محور نتنياهو السداسى خطاب دعائى أم محاولة لهندسة الإقليم، إندبندنت عربية، 27 فبراير 2026.
 المرجع السابق.

*نشر فى عدد مجلة الديمقراطية - أبريل 2026

طباعة

    تعريف الكاتب

    د. رنا أبو عمرة

    د. رنا أبو عمرة

    دكتوراه فى العلوم السياسية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة