تحليلات

صـراع السرديـات وأزمـة المشـروع العـربى فى ضـوء التحـولات الإقليميـة والدوليـة

طباعة

لم يعد الحديث عن النظام الدولى بالمعنى الذى استقر بعد عام 1991 صالحًا بالدلالة التحليلية ذاتها. فالعالم الذًى تشكّل عقب تفكك الاتحاد السوفيتى قام على وضوح مركز الثقل، وعلى قدرة الولايات المتحدة على إدارة المجال الدولى عبر مزيج من القوة الصلبة والمؤسسات المتعددة الأطراف. بالفعل، كانت هناك حروب، وكانت هناك ازدواجية معايير، لكن الإطار العام ظل قائمًا من حيث وجود  مجلس أمن فاعل نسبيًا، وتحالفات مستقرة، ومفهوم للعولمة يُسوَّق بوصفه قدرًا تاريخيًا.

غير أن هذا البناء بدأ يتآكل تدريجيًا مع صعود الصين، وعودة روسيا إلى المسرح الدولى، وتصاعد النزعات القومية فى الغرب ذاته، والأزمات المالية المتلاحقة التى تعصف بالاقتصاد الدولى، وتراجع الثقة الشعبية وثقة الدولة الوطنية بجدوى العولمة، كلها عوامل دفعت النظام إلى حالة إنهاك ممتد. لم يعد ممكنًا فى وقتنا الحالى الحديث عن أحادية قطبية مستقرة، وفى الوقت ذاته لم يتبلور بعد نظام بديل واضح المعالم. نحن أمام مرحلة انتقالية مفتوحة، عنوانها الأبرز: غياب اليقين.

أولا- الوعى بالفوضى الدولية وتآكل فكرة النظام المتعدد الأطراف:

فى هذه المرحلة الانتقالية، تغيّر منطق إدارة الأزمات. لم تعد القوى الكبرى تسعى دائمًا إلى احتواء النزاعات أو تجميدها ضمن أطر تفاوضية طويلة النفس، بل باتت تميل إلى توظيفها كأدوات لإعادة توزيع النفوذ. الأزمة لم تعد خللًا يجب إصلاحه، بل فرصة لإعادة التموضع. الفوضى لم تعد عارضًا طارئًا على النظام، بل باتت جزءًا من ديناميكية التفاعلات الجديدة.

وحين تتراجع مرجعية القانون الدولى على النحو الذى نعيشه فى السنوات الأخيرة، تتقدم مرجعية فرض الأمر الواقع لمن يملك القدرة والقوة، حيث تُفرض وقائع ميدانية، ثم يُطلب من العالم التكيف معها، حيث تُعاد صياغة الحدود السياسية أو موازين القوى على الأرض، ثم تُطرح صيغ قانونية لتقنين ما تحقق بالقوة. وهنا، يتحول مفهوم الشرعية من قاعدة سابقة على الفعل إلى نتيجة لاحقة له.

يمثل الشرق الأوسط والوطن العربى -فى القلب منه- المسرح الأكثر وضوحًا لهذه التحولات الحادة فى تفاعلات النظام الدولي. فالإقليم، بحكم موقعه الجيوسياسى وموارده الحيوية وتشابكاته التاريخية، تحول إلى ساحة اختبار لقواعد الاشتباك الجديدة. فى هذا السياق، لا تُدار الصراعات بهدف تسويتها جذريًا، بل لضبط إيقاعها بما يخدم توازنات أوسع، وتصبح الحروب المحدودة، والعقوبات الاقتصادية، أدوات فى معادلة إعادة التشكيل.

 لا يعنى ما سبق أن النظام الدولى انهار بالكامل، لكنه فقد اتساقه الداخلى. لم يعد ثمة مركز، مفترض أن له ثقلا مثل مجلس الأمن بالأمم المتحدة، ولا حتى أى من القوى الكبرى، ولا القوة العظمى قادرة على فرض قواعد عامة مقبولة من الجميع، ولم تتشكل بعد صيغة تعددية مستقرة تحل محل قواعد عمل النظام الدولى المتعارف عليها منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. نحن أمام حالة سيولة استراتيجية، تسمح بقدر واسع من المغامرة المحسوبة، وتغرى بعض الفاعلين الإقليميين بتوسيع هوامش حركتهم.

فى مثل هذه البيئة، تختلط الشعارات بالمصالح، تُرفع لافتات حقوق الإنسان حين تخدم التوازنات، ويُغضّ الطرف عنها حين تعرقلها. يُستدعى خطاب القانون الدولىفى سياق، ويُهمَّش فى سياق آخر. هذه الانتقائية والازدواجية لا تضعف فقط مصداقية القوى الكبرى، بل تضعف أيضًا ثقة الشعوب فى فكرة النظام ذاته.

هنا، الخطر الأكبر الذى لا يكمن فى الصراع بحد ذاته، بل فى تغليفه بلغة أخلاقية مجردة تُخفى جوهره الحقيقي. حين يُقدَّم الصراع باعتباره دفاعًا مطلقًا عن القيم، يحجِب عن الرأى العام طابعه الفعلى كصراع إرادات ومصالح ونفوذ. الوعى والفهم الصحيح لما يحدث، فى هذا السياق، يعنيان إعادة الصراع إلى طبيعته الواقعية، وفصل الخطاب عن الوقائع. إن الاعتراف بأننا نعيش مرحلة فرض واقع، لا مرحلة إدارة توازن مستقر، هو الخطوة الأولى لفهم ما يجرى فى الإقليم. فالدول، التى لا تدرك طبيعة اللحظة، تتعامل معها بأدوات قديمة لا تصلح لزمن جديد. أما الدول التىتعى أن الفوضى أصبحت أداة فى يد الفاعلين الكبار، فهى الأقدر على تحصين نفسها، أو على الأقل تقليل تكلفة الارتدادات.

من هنا، يصبح السؤال المركزى: كيف يمكن لدول الإقليم، وفى مقدمتها الدول العربية، أن تتعامل مع نظام دولى يتغير، وقواعد لم تستقر، ومشروعات إقليمية تتغذى على هذه السيولة؟ الإجابة تبدأ بإدراك أن الاستقرار لن يأتى من الخارج، وأن الاعتماد المفرط على مظلات دولية، لم تعد صلبة كما كانت، قد يفضى إلى مفاجآت غير محسوبة.

فى زمن كهذا، لا يكون فهم الحقائق وبناء السرديات الوطنية ترفًا فكريًا، بل ضرورة استراتيجية، لأنه يحرر التحليل من أوهام الخطاب، ويدفع إلى قراءة الوقائع كما هى، لا كما يود الآخر أن تكون. والفارق بين مَن يقرأ اللحظة بصدق، ومن يكتفى بترديد شعاراتها، هو الفارق بين مَن يستعد للتحول، ومن يفاجَأ به.

ثانيا- الجغرافيا كامتداد للعقيدة وإعادة تشكيل الشرق الأوسط:

إذا كان القرن العشرون قد شهد إعادة رسم خرائط المنطقة وفق توازنات استعمارية صريحة –من اتفاقيات اقتسام النفوذ، إلى صيغ الانتداب، ثم أشكال الدول الوطنية الحديثة بعد إنهاء الانتداب والاستعمار– فإن القرن الحادى والعشرين يشهد محاولة أكثر تعقيدًا لإعادة تعريف الإقليم، ليس فقط من حيث حدوده السياسية، وإنما من حيث هويته ووظيفته ودوره فى النظام الدولي. الفارق الجوهرى أن الفاعلين هذه المرة ليسوا قوى استعمارية تقليدية وحدها، بل مشروعات إقليمية تتستر خلف أفكار دينية عقائدية، ومحاولات لتزييف التاريخ والذاكرة الجمعية للشعوب عبر وسائل الإعلام الحديثة، لتبرير طموحاتها الجيوسياسية.

لقد تأسست خرائط ما بعد الحرب العالمية الأولى على معادلات قوة واضحة، حتى وإن كانت ظالمة. أما اليوم، فالمعادلة أكثر التباسًا، من حيث وجود حدود قائمة تثير العديد من الالتباسات، لكنها تتعرض لضغوط التفكيك؛ دول ذات سيادة رسميًا، لكن تتنازعها ولاءات عابرة للحدود، ومجتمعات وقوى إقليمية تتجاذبها سرديات متنافسة حول معنى الهوية والشرعية والحق التاريخي.

لم تعد فكرة «الشرق الأوسط الجديد» فى نسختها الراهنة تعنى فقط إعادة ترتيب الحدود السياسية أو إسقاط أنظمة حكم، بل إعادة توزيع الأدوار والوظائف داخل الإقليم. من يملك تعريف مفهوم الأمن الإقليمى؟ وما مصادر تهديده؟ ومن يحدد أولويات وأدوات المواجهة؟ ومن يمتلك حق توصيف الآخر كتهديد وجودى أو كشريك محتمل؟ هذه الأسئلة لم تعد نظرية، بل تُحسم يوميًا عبر الوقائع الميدانية.

اليوم، نجد أن إعادة التشكيل الجارية تتخذ ثلاثة مسارات متداخلة:

أولًا، مسار جغرافى-أمنى،يتمثل فىالسعى إلى إنشاء مناطق نفوذ ممتدة، أو أحزمة عازلة، أو مجالات حيوية مشتعلة تحيط بالدولة المركزية وتهددها استراتيجيًا.

ثانيًا، مسار ديمغرافى-سياسى،يتجلى فى محاولات إعادة هندسة بعض البيئات السكانية، بما يضمن ولاءات أكثر استقرارًا للمشروع المهيمن.

ثالثًا، مسار رمزى-أيديولوجى،يقوم على إعادة تعريف الوعىالجمعى، بحيث تصبح الجغرافيا امتدادًا مباشرًا للعقيدة.

هنا تحديدًا، تبرز خطورة توظيف الأسطورة. فحين تتحول النصوص الدينية إلى مرجعيات مباشرة للقرار السياسى، يصبح التفاوض أقرب إلى مساومة على المقدس. فى الصراعات التقليدية، يمكن تبادل التنازلات، لأن موضوع النزاع قابل للتقسيم أو للتقاسم. أما حين يُقدَّم النزاع بوصفه تحقيقًا لوعد إلهى أو امتدادًا لمهمة تاريخية مقدسة، فإن أى تراجع يُفسَّر كخيانة للرسالة ذاتها.

لا تُقرأ الجغرافيا فى هذه الحالة بوصفها مجالًا سياديًا قابلًا للإدارة، بل بوصفها تجسيدًا للهوية. الأرض هنا ليست مساحة، بل معنى وجودى. والحدود ليست خطوطًا قانونية، بل رموز لتمام السردية. ومن ثم، يصبح الصراع أقرب إلى معركة وجودية، لا مجرد نزاع على موارد أو مصالح.

اللافت للانتباه أن هذا النمط من إعادة التشكيل لا يلغى أدوات القوة التقليدية، بل يضيف إليها بعدًا تعبويًا شديد الفاعلية. فالقوة العسكرية تفرض الوقائع والواقع، لكن السردية الدينية تمنحها الشرعية فى وعى المتلقى. وحين تلتقى القوة الصلبة بالقوة الرمزية، تتعقد فرص التسوية، لأن التراجع لا يعنى خسارة موقع فحسب، وإنما خسارة معنى العقيدة الدينية.

كما أن توظيف العقيدة فى إعادة رسم الجغرافيا يعمّق الاستقطاب داخل المجتمعات نفسها؛ إذ تنقسم النخب والرأى العام بين مؤيدين يرون فى المشروع خلاصًا تاريخيًا، ومعارضين يخشون تكلفته الاستراتيجية. وهكذا، لا ينحصر أثر إعادة التشكيل فى العلاقات بين الدول، بل يمتد إلى البنية الداخلية لكل دولة.

من زاوية أوسع، يمكن القول إن الإقليم يعيش لحظة انتقال من صراع على النفوذ إلى صراع على تعريف الإقليم ذاته، هل هو فضاء تعددى يتم تجاوز الهويات فيه ضمن إطار دولة وطنية، أم هو مجال تاريخى يجب أن يخضع لرؤية أيديولوجية مركزية؟ هذا السؤال هو جوهر المعركة الدائرة.

هنا تكمن المفارقة، فكل مشروع يرى نفسه حاملًا للحقيقة، ويرى فرض رؤيته بكل الطرق واجبًا تاريخيًا، لكنه فى الوقت ذاته يسهم -من حيث يدرى أو لا يدري- فى تكريس حالة الفوضى التى تتيح للمشروعات الأخرى التمدد. فالسيولة الاستراتيجية التى تسمح بإعادة رسم الجغرافيا باسم العقيدة، تفتح الباب أيضًا لمشروعات مماثلة مضادة تستخدم المنطق ذاته.

لذا، فإن إعادة تشكيل الشرق الأوسط اليوم لا تجرى فقط على الخرائط العسكرية، بل تجرى فى العقول والوجدان، وهى ليست معركة على تعريف الماضى فقط بقدر ما هى معركة على رسم المستقبل. وإذا كان القرن العشرون قد أنتج خرائط قامت على ميزان القوة، فإن القرن الحادى والعشرين يهدد بإنتاج خرائط تقوم على ميزان السرديات العقائدية. والتحدى الأكبر أمام دول المنطقة، خصوصًا العربية، هو كيف تحمى جغرافيتها من أن تتحول إلى ساحة صراع بين عقائد مسيّسة دون أن تقع فى فخ نفى الدين من المجال العام أو إنكار أثره العميق فىالوعى الجمعي. المطلوب ليس إقصاء العقيدة، بل منع تحويلها إلى أداة لإلغاء الآخر أو إعادة هندسة الإقليم وفق تصور أحادى.

فى نهاية المطاف، الجغرافيا التى تُرسم بالعقيدة وحدها تظل عرضة لإعادة الرسم بعقيدة مضادة. أما الجغرافيا التى تقوم على توازنات واقعية ومصالح متبادلة، فهى الأقدر على الصمود. وهنا، يتضح أن معركة الشرق الأوسط ليست فقط على الأرض، بل على تعريف معنى الأرض نفسها.

ثالثا- المشروع الإسرائيلى من أمن الحدود إلى أمن الرواية:

لفهم التحول الجارىفى المقاربة الإسرائيلية، لا يكفى الاكتفاء بتحليل السلوك العسكرى أو الحسابات التكتيكية، بل يجب التوقف عند التحول الأعمق فى تعريف الأمن ذاته. فوفقًا لرواية الكيان المحتل الذى تأسس عام 1948 فى سياق صراع قومىتقليدى، وانتزع اعترافه عبر حروب متعاقبة، فإنه كان يركز فى مراحله الأولى على مفهوم واضح ومباشر، ألا وهو أمن الحدود، أى ضمان بقاء الكيان داخل خطوط قابلة للدفاع، وردع التهديدات العسكرية المحيطة بها، والسعى إلى شرعية دولية تدريجية.

غير أن الكيان اليوم لم يعد يكتفى بهذا التعريف، فثمة انتقال متدرج من أمن الحدود إلى ما يمكن تسميته أمن السردية العقائدية. لم يعد السؤال المركزى كيف يحمى نفسه؟ بل كيف يُحصِّن السردية المؤسسة للكيان؟ وكيف يمنع أى مسار سياسى أو قانونى أو ديمجرافى قد يقوّض السردية التى قام عليها؟

1-  الرواية كمرتكز للشرعية:

منذ تأسيس الكيان، تداخل البعد القومى مع البعد الدينىفى صياغة الهوية. لكن ما كان فى السابق خلفية رمزية، أصبح اليوم مكوّنًا حاكمًا فى القرار السياسي. فتصاعد نفوذ التيارات الدينية-القومية داخل البنية الحاكمة عزز خطابًا يرى فى الجغرافيا امتدادًا مباشرًا للوعد التاريخى، لا مجرد مجال سيادى قابل للتفاوض.

هنا يتحول الأمن إلى مفهوم مركب:

- أمن عسكرىتقليدى.

- أمن ديمغرافى يحافظ على توازنات داخلية محددة.

- أمن سردى يمنع التشكيك فى الأساس التاريخىوالأخلاقى للمشروع.

حين تُفهم الدولة فى رؤية الكيان بوصفها «مشروعا تاريخيا ينبغى أن يكتمل»، فإن أى تراجع جغرافى أو اعتراف بسردية مقابلة يُقرأ كتهديد وجودى، لا كخيار سياسي.

2- التهديد الوجودى كأداة تعبئة دائمة:

يعيد الخطاب الإسرائيلى المعاصر إنتاج مقولة التهديد الوجودى بصورة مستمرة. صحيح أن البيئة الإقليمية معقدة، وأن التهديدات حقيقية فى بعض أوجهها، لكن توظيف مفهوم التهديد الوجودى يمنح صانع القرار هامشًا واسعًا لسياسات استباقية قد تتجاوز منطق الردع إلى منطق إعادة التشكيل.

فى ظل هذا التصور، لا يُنظر إلى بعض القوى الإقليمية كخصوم يمكن احتواؤها، بل كخطر يجب تفكيكه أو إضعافه جذريًا. ومن ثم، تتسع دائرة العمليات الوقائية، وتتراجع المساحات التى كانت تسمح سابقًا بتهدئة طويلة الأمد، بل قد تشعل ما هو خامدًا.

النتيجة أن الصراع ينتقل من مستوى إدارة المخاطر إلى مستوى هندسة البيئة الاستراتيجية المحيطة، أى أن الهدف لم يعد فقط منع الهجوم، بل إعادة صياغة المجال الحيوى بحيث تقل فيه احتمالات التهديد مستقبلًا، حتى لو تطلب ذلك تغييرًا فى موازين القوى الداخلية لدول الجوار.

3- من الردع إلى إعادة تشكيل المجال الحيوى:

فى المراحل السابقة، كان الردع الإسرائيلى يقوم على توجيه ضربات قاسية تعيد تثبيت خطوط الاشتباك. أما اليوم، فثمة ميل إلى توسيع نطاق الفعل، ليشمل منع تشكل أى بنية عسكرية أو سياسية يمكن أن تمثل تهديدًا مستقبليًا، حتى وإن كانت داخل أراضى دول أخرى. هذا التحول يعكس اقتناعا بأن البيئة الإقليمية لا يمكن الوثوق باستقرارها، وأن الفوضى المحيطة تبرر تدخلًا استباقيًا دائمًا. غير أن المفارقة أن هذا التدخل نفسه يسهم فى تكريس الفوضى، ويعزز سرديات مضادة ترى فى إسرائيل مشروعًا توسعيًا يجب مواجهته.

4- المظلة الأمريكية وحدودها:

يحظى هذا المسار بدعم سياسىوعسكرى واضح من الولايات المتحدة، التى تنظر إلى إسرائيل بوصفها حليفًا استراتيجيًا محوريًا رئيسيًا فى الإقليم. هذا الدعم يمنح إسرائيل هامش حركة واسعًا، ويحد من قدرة القوى الدولية الأخرى على فرض قيود فعالة وفقًا لقواعد القانون الدولي. فمظلة الحماية الأمريكية تمنح الكيان المحتل حرية حركة غير مسبوقة فى التاريخ فى العدوان على كل ما يراه تهديدًا له.

لكن المظلة الأمريكية، رغم قوتها وديمومتها، تعمل فى سياق نظام دولى يتغير، وفى ظل رأى عام عالمى أكثر انقسامًا، وضغوط داخلية أمريكية متنامية بشأن تكلفة الانخراط الخارجي. ومن ثم، فإن التعويل على تفوق أحادى دائم قد يكون رهانًا محفوفًا بالمخاطر على المدى البعيد.

5- معضلة التفوق غير المتوازن:

من المهم هنا طرح هذا السؤال الجوهرى: هل يمكن بناء استقرار طويل الأمد على أساس تفوق أحادى غير متوازن؟ التاريخ الاستراتيجى يشير إلى أن التفوق العسكرى قد يضمن ردعًا مؤقتًا، لكنه لا يخلق بالضرورة قبولًا سياسيًا أو تسوية مستدامة، بل قد يؤدى إلى تراكم احتقانات قد تنفجر فىأى لحظة اختلال أو تغير دولى مفاجئ.

إن الانتقال من أمن الحدود إلى أمن السردية يعمّق الطابع الوجودى للصراع، ويقلص فرص التسويات الوسطى. فحين تُختزل المعركة فى حماية سردية مقدسة، يصبح التراجع مكلفًا داخليًا، ويغدو التصلب خيارًا سياسيًا مفضلًا.

6-    بين القوة والشرعية:

المعضلة التىيواجهها المشروع الإسرائيلى اليوم ليست فى قدرته العسكرية، بل فى قدرته على إنتاج شرعية إقليمية مستدامة، فالقوة تستطيع فرض واقع يمنحه إياه قدراته، لكنها لا تضمن القبول. وكلما اتسعت الفجوة بين التفوق المادى والقبول السياسى، تنامت هشاشة البيئة المحيطة. من هنا، فإن تعميق الصراع تحت عنوان «تحصين السردية» قد يحقق مكاسب قصيرة الأجل، لكنه يراكم تحديات طويلة الأمد، خصوصًا فى إقليم لا يزال يعيش سيولة استراتيجية مفتوحة.

إن المشروع الإسرائيلى، فى صورته الراهنة، لم يعد مجرد كيان يدافع عن حدود دولة أنشأها بمرور التاريخ بالقوة، وبما يخالف قواعد القانون الدولى، بل كيان يسعى إلى تأمين سرديته المؤسسة عبر إعادة تشكيل بيئته الإقليمية. هذا التحول هو ما يجعل الصراع أكثر تعقيدًا، لأنه ينقل المواجهة من حيز الجغرافيا وحدها إلى حيز الهوية ووجود الآخر.

وفى إقليم تتصادم فيه السرديات بقدر ما تتصادم الجيوش، يصبح السؤال عن مستقبل الاستقرار مرتبطًا ليس فقط بميزان القوة، بل بقدرة الأطراف على الفصل بين حماية الأمن وتحويله إلى مشروع مفتوح لإعادة تعريف الجغرافيا ذاتها.

رابعا- حدود الثورة والمشروع الإيرانى:

إذا كان المشروع الإسرائيلى قد انتقل من أمن الحدود إلى أمن السردية، فإن المشروع الإيرانى، منذ انتصار الثورة عام 1979، تأسس على معادلة مختلفة، معادلة الثورة بوصفها هوية دائمة لا حدثًا عابرًا. فقيام الجمهورية الإسلامية لم يُقدَّم داخليًا وخارجيًا باعتباره انتقالا للسلطة داخل إطار الدولة القومية الإيرانية فحسب، بل باعتباره ولادة نموذج أيديولوجىذى رسالة تتجاوز الحدود.

1- من الدولة القومية إلى الدولة صاحبة الرسالة:

أدخلت ثورة 1979، بقيادة روح الله الخمينى، مفهومًا مركزيًا فى بنية النظام السياسىالإيرانى، هو ولاية الفقيه بوصفها إطارًا جامعًا بين السلطة الدينية والسلطة السياسية. هذا الدمج أنتج تصورًا يرى أن الجمهورية الإسلامية ليست مجرد دولة ذات سيادة، بل كيان يحمل مشروعًا أمميًا، خاصة فى بيئته الشيعية التى عمل بكل الطرق على إنشائها.هنا، تبرز فكرة تصدير الثورة، التى لم تُفهم أبدًا من النظام الإيرانى بوصفها تدخلًا عسكريًا مباشرًا، بل بوصفها دعمًا أيديولوجيًا وتنظيميًا لقوى تشترك فى المرجعية العقائدية. ومع مرور الوقت، تطور هذا المفهوم إلى استراتيجية أكثر براجماتية، تقوم على بناء شبكة نفوذ متعددة المستويات تمزج بين التحالفات العقائدية، والدعم العسكرى غير المباشر، والعلاقات الاقتصادية، والاختراقات الثقافية.

2- هندسة النفوذ عبر الوكلاء:

لم تعتمد طهران على الانتشار العسكرىالتقليدى بقدر اعتمادها على نموذج الشبكات أو الساحات الداعمة. واستطاعت عبر دعم فاعلين محليين فى ساحات متعددة بناء أوراق ضغط استراتيجية فى دول عربية تعانى هشاشة مؤسسية أو انقسامات داخلية. هذا النموذج أتاح لها تحقيق عدة أهداف فى آن واحد:

- خلق عمق استراتيجى يبعد التهديدات عن حدودها المباشرة.

- امتلاك أدوات ردع غير متماثلة فى مواجهة خصوم إقليميين.

- وتعزيز موقعها التفاوضىفىأى ترتيبات إقليمية أو دولية.

الميزة الأساسية لهذا النموذج أنه منخفض التكلفة مقارنة بالحروب التقليدية، ومرن فى إدارة التصعيد والتهدئة، لكنه فى الوقت ذاته يرسخ بنية صراعات ممتدة داخل الدول التى يتحرك فيها ويجعلها ساحات اشتباك غير مباشر.

3-  العقوبات ومعضلة الاقتصاد السياسى:

غير أن هذا التمدد الخارجى لم يكن دون ثمن. فمنذ الانسحاب الأمريكى من الاتفاق النووى عام 2018 فى عهد دونالد ترامب، عادت العقوبات الاقتصادية لتشكل ضغطًا هيكليًا على الاقتصاد الإيرانى، من أبرز دلائله تراجع قيمة العملة، وارتفاع معدلات التضخم، وتآكل القدرة الشرائية، وتصاعد الاحتجاجات الاجتماعية، وكلها مؤشرات على فجوة متنامية بين الطموح الأيديولوجى ومتطلبات الاستقرار الداخلى.

المعضلة هنا بنيوية، فالدولة التى تقدم نفسها بوصفها رأس حربة المقاومة تحتاج إلى موارد مستدامة للحفاظ على شبكات نفوذها،  لكن استمرار العقوبات والعزلة المالية يحدّ من قدرتها على تمويل هذا الامتداد الشبكى للساحات دون تحميل الداخل تكلفة متزايدة.

4-  التوتر بين الثورة والدولة:

ثمة تناقض داخلى عميق فى المشروع الإيرانى، فهو من جهة، خطاب ثورىأممى يرفض منطق الدولة القومية التقليدية. ومن جهة أخرى، واقع دولة تحتاج إلى استقرار اقتصادى، وانفتاح تجارى، وعلاقات دولية طبيعية.

هذا التوتر يظهر فى النقاشات الداخلية بين التيار البراجماتى، الذى يميل إلى تسويات تخفف الضغوط، والتيار الأيديولوجى، والتيار المتشدد الذى يرى فىأى انفتاح غير مشروط تهديدًا لجوهر الثورة. ومع كل أزمة، يعود السؤال: هل الأولوية لبقاء النظام بوصفه دولة، أم لاستمرار الثورة بوصفها رسالة؟

5- الحلقة المفرغة فى الصراع مع المشروع الإسرائيلى:

 المفارقة الاستراتيجية أن استمرار المشروع الإيرانى يتغذى جزئيًا على استمرار التهديد المقابل، فكل تصعيد إسرائيلى يعزز من سردية المقاومة داخل الخطاب الإيرانى، ويمنحها شرعية إضافية فى الشارع المتعاطف مع القضية الفلسطينية. فى المقابل، يُستخدم تمدد الساحات الإيرانية لتأكيد خطاب الخطر الوجودىفى إسرائيل.

بهذا المعنى، نحن أمام علاقة تناقض ظاهر وتغذية متبادلة،  فوجود كل مشروع يمنح الآخر مبرر البقاء والتوسع. إن التصعيد لا يضعف السرديتين، بل يعمقهما، وكل محاولة لاحتواء أحد الطرفين دون معالجة جذور الصراع تؤدى إلى إعادة إنتاجه فى صيغة جديدة.

6- حدود التمدد وإشكالية الشرعية:

 رغم نجاح إيران فى بناء نفوذ مؤثر، فإن هذا النفوذ يظل مرتبطًا بسياقات هشة، فهو يعتمد غالبًا على بيئات منقسمة أو دول ضعيفة. ومع أى تحسن فى بنية الدولة الوطنية التى بها تلك الساحات، قد تتقلص هوامش الحركة الإيرانية.

كذلك، فإن التوسع المفرط قد يضع طهران أمام معضلة الانتشار الزائد، حيث تتعدد الجبهات وتتعاظم التكلفة، فى وقت لا يتناسب فيه حجم الاقتصاد مع حجم الطموح. وهنا، يصبح السؤال عن الاستدامة أكثر إلحاحا من السؤال عن القدرة. المشروع الإيرانى، إذن، ليس مجرد سياسة خارجية نشطة، بل بنية فكرية-سياسية تقوم على فكرة الثورة المستمرة. إن قوته تكمن فى مرونته الشبكية وقدرته على العمل عبر أدوات غير تقليدية، فيما يكمن ضعفه فى التوتر الداخلى بين الدولة والرسالة، وبين الطموح والموارد.

وفى إقليم تحكمه سيولة استراتيجية، يظل هذا المشروع فاعلًا رئيسيًا فى تغذية الصراعات، لكنه ليس دون حدود. فالثورات التى تتحول إلى دول، تواجه دائمًا سؤال الواقعية: كيف تحافظ على خطابها التعبوى دون أن تستنزف قدرتها على البقاء؟ وهنا، يتقاطع المشروع الإيرانى مع نظيره الإسرائيلىفى نقطة جوهرية: كلاهما يسعى إلى تحصين سرديته عبر إعادة تشكيل البيئة المحيطة. وكلاهما، فى الوقت ذاته، يسهم فى تكريس معادلة صراع دائرى، لا يكسب فيها أحد نصرًا نهائيًا، بل يدير الجميع توترًا دائمًا.

خامسا-  ضرورية العدو فى ظل التماثل البنيوى للصراع الدائر:

قد يبدو المشروعان، الإسرائيلىوالإيرانى، على طرفى نقيض كامل: هوية دينية مختلفة، وسرديات تاريخية متعارضة، وتحالفات دولية متباينة. لكن عند تفكيك البنية العميقة لكليهما، يتكشف تماثل بنيوى يتجاوز التناقض الظاهري. نحن أمام مشروعين يقومان على ثلاث ركائز مشتركة: سردية تأسيسية ذات طابع ديني-تاريخى، وإحساس دائم بالتهديد الوجودى، وبنية أمنية تتقدم على السياسة.

1- السردية كأداة حكم:

فى حالة الكيان، تطورت الدولة -كما أوضحنا- من إطار قومىتقليدى إلى كيان يرى ذاته امتدادًا لوعد تاريخى، يتجاوز حدود 1948 بوصفها لحظة تأسيس إلى أفق أوسع من الاعتراف والتمكين. وفى الحالة الإيرانية، بُنى النظام بعد 1979 على تصور أن الثورة ليست حدثًا داخليًا، بل لحظة مفصلية فى مسار الأمة الإسلامية.

كلا المشروعين، إذن، لا يكتفى بإدارة دولة، بل يدير رواية كبرى، والروايات الكبرى لا تعيش فى بيئة حياد، بل تحتاج إلى نقيض دائم يثبت صدقيتها. هنا، يصبح العدو جزءًا من البنية، لا مجرد خصم خارجى.

2- التهديد الوجودى كشرط للتماسك الداخلى:

اللافت للانتباه أن خطاب الخطر الوجودى يحتل موقعا مركزيا فى الحالتين. فى الكيان، يُستدعى تاريخ الاضطهاد والتهديد المحيط لتبرير سياسات استباقية وتوسعية. وفى إيران، يُستدعى خطر المحور المعادى لتأكيد أن الثورة مستهدفة، وأن أى تراجع هو بداية تفكيك داخلى.

من منظور علم السياسة المقارن، هذه الحالة تُعرف بظاهرة الأمننة المفرطة (Over-securitization)، حيث تتحول معظم القضايا -من الاقتصاد إلى الثقافة- إلى مسائل أمن قومي. وعندما يُعاد تعريف السياسة باعتبارها امتدادًا للأمن، يصبح التنازل أو التفاوض مكافئًا للخيانة، والتسوية قرينة الضعف.

3- العدو بوصفه مورد شرعية:

فى الصراعات التقليدية، يتمثل الهدف فى تحييد الخصم أو التوصل إلى تسوية تُنهى القتال. أما هنا، فالمعادلة أكثر تعقيدًا. إن إنهاء التهديد بالكامل قد يطرح سؤالًا داخليًا خطيرًا: ما الذى يبرر استمرار التعبئة؟ وأيضًا ما الذى يمنح الخطاب التعبوى طاقته الأخلاقية؟

بهذا المعنى، يتحول العدو من خطر يجب القضاء عليه إلى مورد سياسى غير معلن، ووجوده يمنح السلطة قدرة على:

- ضبط المجال العام.

- تأجيل الإصلاحات الداخلية.

- إعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية لمصلحة المنظومة الأمنية.

- حشد الرأى العام حول سردية البقاء.

لا يعنى ذلك أن الطرفين يسعيان نظريًا إلى بقاء التهديد، لكن البنية العميقة للصراع تجعل استمراره يخدم منطق الاستقرار الداخلى لكل منهما، ولو على حساب استقرار الإقليم.

4- الصراع القائم.. لا حسم ولا سلام:

هذا النمط من المواجهة الجارية، التى بدأت فى 28 فبراير 2026، لا يشبه حروب القرن العشرين التى انتهت بمعاهدات واضحة أو بانتصار عسكرى حاسم. إنه أقرب إلى صراع دورى منخفض ومتوسط الحدة، يتصاعد عند الحاجة ويهدأ عند الضرورة دون أن يُغلق جذريا.

كل جولة تصعيد تعيد تثبيت السرديتين:

- إيران تقول إن «المقاومة ضرورة وجودية».

- إسرائيل تقول إن «العمليات الاستباقية ضرورة بقاء».

وبين الضرورتين، يتكرس نمط من التوازن يمكن تسميته توازن التوتر، لا توازن الردع المستقر. فالردع المستقر يفترض خطوطًا حُمرا متفقًا عليها ضمنيًا. أما توازن التوتر، فيفترض غموضًا دائمًا، وحدودًا قابلة للاختبار.

5- أثر التماثل البنيوى على الإقليم:

نتيجة هذا الصراع أن الشرق الأوسط أصبح مسرحًا لإدارة الصراع لا لإنهائه، تحولت الدول الهشة إلى ساحات اختبار، تُعاد فيه صياغة القضايا المحلية ضمن ثنائية المحورين، وكل محاولة لبناء نظام إقليمى متوازن تصطدم بثقل هاتين السرديتين. فى هذه البيئة، لا يسمح البناء البنيوى للصراع بقيام توازن مستقر طويل الأمد، لأن استقرارًا حقيقيًا قد يعنى تراجع الحاجة إلى التعبئة الوجودية. ولذلك، تظل المنطقة أسيرة حالة اللا حرب واللا سلم، حيث لا يُسمح بالانفجار الشامل، ولا يُتاح الإطفاء الكامل.

6- هل يمكن كسر الحلقة؟

يتطلب كسر هذا النمط تحولًا عميقًا فى تعريف الشرعية داخل الطرفين من شرعية قائمة على مقاومة تهديد دائم إلى شرعية قائمة على الأداء الداخلى والتنمية والاستقرار الاقتصادي. غير أن هذا التحول يتطلب بيئة إقليمية أقل توترًا، فيما البيئة نفسها يُعاد إنتاجها عبر منطق الصراع. وهنا، تكمن المعضلة الدائرية التى لا نعرف كيفية للخروج منها، الصراع يغذى الشرعية، والشرعية تغذى الصراع.

حين يصبح العدو ضرورة بنيوية، لا يعود السؤال: من سينتصر؟ بل كيف يمكن منع الصراع من التحول إلى انفجار شامل؟ وبين التهديد والردع، وبين العقيدة والسياسة، تدور المنطقة فى حلقة يصعب كسرها، لأن مفاتيح الخروج ليست عسكرية فحسب، بل فكرية وبنيوية فى آن واحد، بما يقلل كثيرًا من فرص كسرها.

سادسًا- المشروع العربى الغائب بين الانقسام البنيوى وأزمة الرؤية الاستراتيجية:

يمثل غياب مشروع عربى جامع إحدى أكثر الظواهر دلالة على التحولات التى يشهدها الإقليم، فالعالم العربى -الذى يمتلك موقعًا جغرافيًا فريدًا، وموارد اقتصادية، ورصيدًا تاريخيًا وثقافيًا- لم ينجح فى تحويل هذه المقومات إلى رؤية استراتيجية مشتركة. هذا الانقسام ليس حادثا طارئا، بل نتيجة تفاعلات طويلة: سياسية، ومؤسسية، وثقافية.

1- الانقسام السياسى كمعضلة بنيوية:

منذ عقود، دخلت الدول العربية فى مسارات متباينة، بعضها فضّل الانخراط فى تحالفات خارجية لضمان الأمن، وبعضها الآخر ركّز على الداخل بحثا عن الاستقرار، وبعضها الثالث وجد نفسه فى قلب صراعات إقليمية معقدة. هذا التعدد فى الاختيارات قد يكون طبيعيًا فى حد ذاته، لكنه تحول إلى انقسام حين غابت آليات التنسيق.

فلا توجد اليوم منظومة عربية قادرة على تحويل المصالح المتباينة إلى مشروع مشترك، فالمؤسسات الإقليمية التى كان يفترض أن تؤدى هذا الدور تراجعت فاعليتها، أو أصبحت ساحات للخطاب دون أدوات تنفيذ. ونتيجة لذلك، تُدار الأزمات كل على حدة دون رؤية كلية تربط بينها.

2- تباين إدراك التهديدات:

أحد أسباب غياب المشروع العربى هو اختلاف تعريف التهديد. بالنسبة لبعض الدول، يمثل الصعود الإقليمى لقوى غير عربية تهديدًا مباشرًا لمجالها الحيوي. وبالنسبة لدول أخرى، تظل الأولوية هى التنمية الداخلية واستقرار المؤسسات، وهناك من يرى أن التحالفات الخارجية هى الضمانة الوحيدة للأمن.

هذا التباين مفهوم من زاوية السيادة الوطنية، لكنه يصبح مشكلة حين يمنع تشكُّل رؤية مشتركة، فالأمن فى بيئة مترابطة لا يمكن فصله بالكامل عن أمن الدول المجاورة. وإذا تحولت كل دولة إلى جزيرة استراتيجية منعزلة، فإن الإقليم كله يصبح أقل قدرة على مواجهة التحولات.

3- الانخراط فى محاور خارجية: حماية أم ارتهان؟

اختارت بعض الدول العربية الاصطفاف مع محاور دولية أو إقليمية بدافع البحث عن مظلة حماية. هذا الخيار قد يحقق مكاسب قصيرة الأجل، لكنه يحمل مخاطر استراتيجية، فالتحالفات غير المتكافئة قد تقيد هامش القرار الوطنى، وتربط المصالح المحلية بأجندات لا تتحكم بها الدولة.

يقدم التاريخ أمثلة عديدة على أن الاعتماد المفرط على الحماية الخارجية لا يضمن الاستقرار الدائم. فحين تتغير أولويات الحليف، قد يجد الطرف الأصغر نفسه أمام فراغ استراتيجي. وهنا، يكون السؤال: من يحدد مصير الإقليم؟ الفاعلون المحليون أم القوى الخارجية؟

4- الانكفاء الداخلى وحدوده:

فى المقابل، فضّلت دول أخرى التركيز على التنمية الداخلية وتقليل الانخراط فى الملفات الإقليمية. هذا الخيار مفهوم فى سياق الأولويات الوطنية، لكنه لا يعفى من حقيقة أن الإقليم مترابط. فالأزمات العابرة للحدود -من الأمن إلى الاقتصاد- لا تتوقف عند سياجات حدود الدولة الوطنية، والانكفاء قد يحمى الدولة من التورط فى نزاعات، لكنه لا يحصنها من تأثيرات البيئة المحيطة. فإذا تُرِكت الملفات الإقليمية دون معالجة، فإن تداعياتها على الداخل قد ترتد فى شكل ضغوط اقتصادية أو أمنية. ومن هنا، تأتى الحاجة إلى توازن بين الداخل والخارج.

5- دور غياب التنسيق فى فقدان الفاعلية الجماعية:

إن المشكلة الأساسية ليست فى تنوع الخيارات، بل فى غياب آليات تنسيق تسمح بتحويل هذا التنوع إلى قوة، فالعالم العربى يمتلك مقومات اقتصادية وديمجرافية كبيرة، لكنه لا يمتلك حتى الآن إطارًا مؤسسيًا فعالًا لإدارة المصالح المشتركة. وتشير التجارب الإقليمية الأخرى إلى أن التعاون -حتى بين دول ذات اختلافات سياسية- يمكن أن يُنتِج مكاسب متبادلة، لكن التعاون يحتاج إلى إرادة سياسية، وإلى مؤسسات قادرة على التنفيذ، لا مجرد بيانات مشتركة.

6- مخاطر التحول إلى جغرافيا لصراعات الآخر:

تؤكد التجارب التاريخية أن الأقاليم التى تفقد مركزها الذاتى تتحول إلى ساحات تنافس للآخرين. فحين يغيب الفاعل المحلى، يملأ الفراغ فاعلون خارجيون، وحين تصبح الأرض مجالًا للصراع بين مشروعات لا تعبر عن سكانها، يفقد الإقليم قدرته على تعريف مستقبله. هذا هو الخطر الحقيقى، أن يتحول العالم العربى إلى مسرح لإعادة تشكيل تقررها قوى خارجية دون مشاركة فعالة من أصحابه. عندها، تُصبح الدول موضوعًا للسياسات لا فاعلين فيها.

7- نحو مشروع عربى ممكن:

إن الحديث عن مشروع عربى جامع لا يعنى إنكار التباينات، بل إدارتها ضمن إطار مشترك،  فالمصالح ليست متطابقة، لكنها ليست متناقضة بالكامل. هناك مجالات واسعة للتعاون، مثل الأمن الغذائى، والطاقة، والبنية التحتية، والتكنولوجيا، والتكامل الاقتصادي.

المشروع الممكن لا يحتاج إلى وحدة سياسية كاملة، بل إلى تنسيق استراتيجى يراعى السيادة ويحقق المصالح. وهذا يتطلب:

- إعادة إحياء المؤسسات الإقليمية وتحديثها، لتصبح أدوات عمل، لا منصات خطاب.

- بناء شبكات تعاون ثنائية ومتعددة الأطراف فى الملفات ذات المصلحة المشتركة.

- تعزيز الثقة عبر خطوات عملية، لا مجرد تصريحات.

- إدراك أن الأمن الإقليمى لا يتعارض مع الأمن الوطنى، وإنما يكمله.

8- مسئولية النخب السياسية والفكرية:

لا يمكن بناء مشروع دون قيادة فكرية وسياسية تؤمن بفكرته، فالنخب العربية مطالبة بإعادة طرح أسئلة كبرى تناقش فيها معنى الأمن فى عصر العولمة؟ كيف يمكن التوفيق بين السيادة والتعاون؟ ما موقع العالم العربىفى النظام الدولى المتغير؟ هذه الأسئلة ليست نظرية، بل شرط لفهم اللحظة. فالأمم التى تتوقف عن التفكير الاستراتيجى تتحول إلى متلقٍ للقرارات، لا صانع لها. الكارثة أن بعضا من النخب العربية قد تحول إلى بوق قوَّض القومية العربية وروج للمشروعات المعادية، وتفرغ للنيل من الدول الكبرى ومؤسساتها ونظم حكمها وثقافتها.

إن المشروع العربى الغائب ليس قدرا محتوما، لكنه يحتاج إلى إدراك صريح للواقع: الانقسام الحالى يقلص الفاعلية الجماعية، ويجعل الإقليم أكثر عرضة للضغوط. فى عالم يتغير بسرعة، لا يكفى الاكتفاء بإدارة الأزمات، بل المطلوب هو رؤية بعيدة المدى تعيد تعريف المصالح المشتركة. إن تحويل العالم العربى من جغرافيا لصراعات الآخر إلى فضاء تعاون تأخر كثيرًا ليس مهمة سهلة، لكنه ممكن، ويبدأ بالاعتراف بالتحديات، وينتهى ببناء مؤسسات ورؤى تتجاوز اللحظة، فالأقاليم التى تفقد مشروعها تصبح موضوعًا للتاريخ. أما التى تصنع مشروعها، فتظل فاعلًا فيه.

ثامنا-  دور مصر عبر الحياد الإيجابى ورشادة القرار فى معادلة التوازن:

تمثل مصر حالة فريدة فى الجغرافيا السياسية العربية، فهى ليست دولة هامشية يمكنها الانكفاء الكامل عن محيطها، ولا قوة توسعية تسعى إلى إعادة رسم الإقليم وفق رؤيتها، وتاريخها الممتد، وثقلها الديمغرافى، وموقعها الجغرافىالذى يربط المشرق بالمغرب، وكلها عناصر تجعل استقرارها مرتبطا ارتباطا عضويا باستقرار الإقليم.

   من هذا المنطلق، تتبنى القاهرة مقاربة تقوم على منع الانهيار قبل السعى إلى تغيير جذري. هذا الاختيار ليس تعبيرًا عن تحفظ سياسى أو عزوفا عن المبادرة، بل قراءة واقعية لطبيعة المخاطر، فالفوضى الإقليمية لا تبقى خارج الحدود، بل ترتد على الداخل فى صورة ضغوط اقتصادية، وتحديات أمنية، وتدفقات بشرية، وتحولات جيوسياسية قد تقوض الاستقرار.

1- فلسفة منطق التوازن:

التمييز هنا جوهرى، فالتوازن الذى تتبناه مصر لا يعنى الحياد السلبى بين الأطراف، ولا يعنى الامتناع عن اتخاذ مواقف حين تقتضى الضرورة، بل هو إدارة دقيقة لعلاقات القوة، بحيث تُحفظ المصالح الوطنية دون الانخراط فى مغامرات لا يمكن التحكم فى نتائجها.

فى بيئة تتسم بالسيولة الاستراتيجية، قد يكون الميل إلى التصلب أو الاصطفاف الكامل خيارًا مغريًا، لكنه يحمل مخاطر طويلة الأمد. فالتحالفات تتغير، وموازين القوى تتبدل، وما يبدو ضمانة اليوم قد يصبح عبئًا غدًا. لذلك، تفضّل القاهرة سياسة توازن استراتيجى تسمح بالحركة ضمن هوامش متعددة، وتحافظ على قدرة واستقلالية القرار الوطني.

2- منع الانهيار كأولوية استراتيجية:

أظهرت التجارب الإقليمية الأخيرة أن انهيار الدول لا ينتج استقرارًا، بل يفتح الباب أمام فاعلين من دون الدول، وصراعات ممتدة، وتفكك اجتماعي. إن الدولة –رغم كل تحدياتها – تظل الإطار الوحيد القادر على إدارة التعدد وضمان الخدمات وحماية السيادة. من هنا، تأتى أولوية منع الانهيار، فالحفاظ على المؤسسات ليس غاية فى حد ذاته، بل شرط لأى إصلاح مستقبلى، فالإصلاح يحتاج إلى بنية قائمة يمكن تطويرها، لا إلى فراغ تملؤه قوى متنافسة. وهذا الإدراك يفسر حرص السياسة المصرية على دعم استقرار الدول المجاورة حين تتعرض للأزمات، لأن الفوضى لا تعترف بالحدود.

3- معادلة الردع والانخراط المحدود:

لا يعنى الحياد الإيجابى والتوازن غياب الدور، فمصر تشارك فى إدارة المِلفات الإقليمية حين تتطلب مصالحها ذلك، لكنها تفعل ذلك ضمن حدود محسوبة. فالردع هنا ليس فقط عسكريًا، بل سياسىواقتصادى ودبلوماسي. إن القدرة على توجيه الرسائل الواضحة تقلل احتمالات سوء الفهم، وتحافظ على فاعلية القرار، حيث يهدف الانخراط المحدود إلى التأثير الفعال دون التورط. فالمشاركة فى المبادرات الإقليمية، ودعم مسارات التسوية، وتقديم الوساطة حين تتاح الفرصة، كلها أدوات تعزز الفاعلية دون تحميل الدولة تكلفة لا يمكن تحملها. هذا النموذج يقوم على مبدأ أن التأثير لا يحتاج دائمًا إلى الهيمنة، وإنما القدرة على إقناع الجميع بمنطق وقوة حجية السردية المصرية.

4- الذاكرة التاريخية كموجه للسياسة:

إن تاريخ مصر يحفل بالتجارب التى تؤكد خطورة المغامرات غير المحسوبة، فقد شهد فترات التورط فى تدخل خارجى، والانجرار نحو المشاركة فى اضطرابات إقليمية، إلى آثار مباشرة على الداخل، هذه الذاكرة ليست عبئًا، بل درس، فالدولة التى تتعلم من تاريخها تكون أكثر قدرة على قراءة المستقبل. من هذا المنظور، يميل صانع القرار المصرى إلى تقييم الخيارات على أساس التكلفة والعائد، لا على أساس الشعارات. السياسة هنا علم إدارة الممكن، لا فن تحقيق المستحيل، وهذا لا يقلل من الطموح، بل يضمن استدامة الإنجاز.

5- التوازن كمدخل للتأثير:

قد يحاول البعض تشويه دور الصبر والحياد والتوازن، وتصويره على أنه ضعف أو تردد. لكن فى الواقع، التوازن يمكن أن يكون مصدر قوة، فالدولة التى تحافظ على علاقات متعددة، ولا تحرق الجسور، تمتلك قدرة أكبر على التحرك حين تتغير الظروف. أما الدولة التى تختزل خياراتها فى محور واحد، فقد تجد نفسها محاصرة إذا تبدلت موازين القوى. فالتأثير الحقيقى لا يأتى من الانحياز المطلق، بل من القدرة على لعب دور الوسيط حين تتعقد الأزمات، وعلى طرح مقاربات عملية لا تكتفى بإدانة الأطراف. هذا الدور يعزز من مكانة مصر الإقليمية، ويجعلها جزءا من الحلول، لا جزءا من المشكلات.

6- تحديات المرحلة:

مع ذلك، لا يخلو مسار التوازن من تحديات، فالبيئة الإقليمية متقلبة، والضغوط الاقتصادية العالمية تؤثر فى الخيارات الداخلية، والمنافسة الجيوسياسية تفرض حسابات دقيقة، والحفاظ على الاستقرار فى ظل هذه الظروف يتطلب سياسات مرنة، وقدرة على التكيف دون فقدان البوصلة. إن التحدى الأكبر هو كيفية الجمع بين حماية المصالح الوطنية والمساهمة فى استقرار الإقليم. فالعزلة ليست خيارًا، لكن الانخراط غير المشروط ليس حلًا. المطلوب هو مقاربة وسط تجمع بين التعاون حيث يمكن، والردع حين يجب.

7- مصر كعامل استقرار:

بحكم موقعها وثقلها، يمكن لمصر أن تلعب دور عامل استقرار، ليس عبر فرض رؤيتها، بل عبر دعم ترتيبات إقليمية -كما فعلت فى العديد من المِلفات- تقلل التوتر، وتشجع الحلول السياسية، وتعزز التنمية، فالاستقرار الإقليمى يخدم المصالح المصرية، كما يخدم مصالح الجيران. وهذه المعادلة المتبادلة هى أساس أى سياسة ناجحة. فى زمن تتغير فيه خرائط القوة، يظل التوازن والصبر والحياد خيارات عقلانية، فالدول التى تسعى إلى منع الانهيار لا تتنازل عن طموحها، لكنها تدير طموحها ضمن حدود الواقع. هذا الإدراك هو ما يمنح السياسة المصرية مرونتها، ويجعلها قادرة على التعامل مع التحولات دون أن تفقد استقرارها. ونخلص إلى أن التوازن ليس موقفًا سلبيا، بل فلسفة سياسية تقوم على فهم عميق لطبيعة الصراع. وفى إقليم معقد، قد يكون هذا الفهم هو الشرط الأول للبقاء والفاعلية.

تاسعا- المستقبل بين الإنهاك المتبادل والتهدئة وإعادة التوازن:

حين نتأمل مسار الإقليم خلال العقود الأخيرة، نكتشف نمطا متكررًا: تصعيد تعقبه تهدئة، ثم جولة جديدة من التوتر. ليست دوامة دون معنى، بل انعكاس لبنية صراع لم تُحسم جذريًا. كل طرف يحقق مكاسب محدودة، لكن لا أحد يفرض إرادته بالكامل. ومن هنا، تنفتح فضاءات مستقبلية متعددة، لا يمكن الجزم بأحدها، لكن يمكن تحليل شروطها.

1- سيناريو استمرار الاستقطاب:

فى هذا المسار، يظل الصراع قائمًا وإن اختلفت أدواته. إن المواجهات المباشرة تظل قائمة، وتضاف إليها حروب الظل، مثل العمليات السيبرانية، والضغوط الاقتصادية، والشِراكات السياسية. هنا، يمنع الردع المتبادل وقوع الانفجار الشامل، لكنه لا يزيل جذور التوتر، هذا السيناريو هو الأكثر احتمالا إذا ظلت السرديات الوجودية مسيطرة. فحين يرى كل طرف أن التنازل يهدد هويته، يصبح التقدم محدودًا، وتتم إدارة الأزمة لا حلها، وتظل المنطقة فى حالة لا سلم ولا حرب طويلة الأمد.

تتمثل مخاطر هذا المسار فى استنزاف الموارد، وإضعاف التنمية، وتفاقم الأزمات الداخلية. فالصراعات الممتدة تستهلك طاقات الدول، وتؤجل الإصلاحات، وتقلص قدرة المجتمعات على مواكبة التحولات العالمية.

2- سيناريو الانفجار الواسع:

فى هذا السيناريو الثانى، يكون الوضع الإقليمى أقل استقرارًا وأكثر تكلفة، ويكون أى تصعيد فيه كما الحال مهددًا بمواجهة كبرى تعيد رسم خرائط بالقوة. يعلمنا التاريخ أن الحروب الواسعة قد تغير موازين القوى، لكنها لا تضمن سلامَا دائمًا، بل قد تخلق مشكلات جديدة، وتعيد إنتاج النزاعات فى صيغة مختلفة. هذا السيناريو ينشأ دائمًا عندما تختل معادلة الردع، أو يحدث خطأ فى الحسابات، وهو الأمر المتحقق فى هذا الصراع المعقد المعرَّض دائمًا لسوء الفهم. وقد يفضىأى قرار تكتيكى من أى طرف إلى رد فعل استراتيجى غير محسوب. وهنا، تكمن خطورة احتمال التطور فى الوضع الحالى، لأن الانزلاق إلى مواجهة شاملة يصعب السيطرة على نتائجها. فى الواقع، إن الانفجار الواسع ليس قدرًا، لكنه احتمال يجب أخذه فى الحسبان، ويتطلب التعامل معه قنوات اتصال، وآليات إدارة رشيدة للأزمة، وفهمًا دقيقًا لخطوط الاشتباك.

3- سيناريو الإنهاك وإعادة التوازن:

السيناريو الثالث، وإن كان أقل درامية، فإنه قد يكون الأكثر واقعية على المدى المتوسط، فالصراعات حين تطول تستنزف جميع الأطراف. ومن المعروف أن الموارد ليست دون حدود، والدعم الخارجى قد يتغير، والرأى العام الداخلى قد يطالب بتخفيف الأعباء. فى لحظة معينة، تُدرك الأطراف المتصارعة أن التكلفة تفوق العائد.

إن إنهاك أى طرف لا يعنى استسلامه للآخر، بل إعادة تقييم. وحين تصل الأطراف إلى هذا الحد، يصبح البحث عن توازن مصلحى جديد خيارًا عقلانيًا. فالتوازن هنا لا يقوم على الهيمنة، بل على الاعتراف المتبادل بالمصالح، لا يلغى الاختلاف، لكن يديره ضمن قواعد متفق عليها.

ويتطلب هذا المسار شروطًا، هى:

- إدراك أن الصراع الدائم لا ينتج انتصارا نهائيا.

- استعداد لتقديم تنازلات محسوبة.

- بناء آليات مؤسسية لإدارة الخلافات.

- قبول تعددية الفاعلين فى الإقليم.

إن الوصول بعد ذلك لإعادة التوازن ليس عملية تلقائية، لكنه فى هذا الصراع بالتحديد يحتاج إلى إرادة سياسية، ودعم دولى، ودور فاعل للدول الإقليمية. وتشمل الخطوات الممكنة ما يلى:

- تعزيز قنوات الحوار، حتى فى أوقات التوتر.

- تطوير ترتيبات أمنية تقلل احتمالات سوء الفهم.

- دعم مسارات التنمية التى تعالج جذور الأزمات.

- احترام سيادة الدول وعدم تحويلها إلى ساحات صراع.

تشير التجربة التاريخية إلى أن الاستقرار المستدام يقوم على مصالح متبادلة، وليس على الغلبة. وحين يدرك الجميع أن الأمن لا يتحقق على حساب الآخرين، تتسع مساحة الحلول.

4- دور الفاعلين الإقليميين:

الدول العربية، بحكم موقعها، ليست متفرجة على هذا التحول، وتعتمد قدرتها على التأثير على وحدتها وتنسيقها. وحين تتحدث بصوت واحد فى الملفات الكبرى، تصبح شريكًا لا موضوعا للقرارات. أما حين تتفرق، فإن الإقليم يفقد مركزه الذاتي. وتتطلب إعادة التوازن مشاركة عربية فاعلة، فالمصالح العربية متشابكة، وأمن أى دولة مرتبط بأمن جيرانها. هذا الإدراك هو أساس المشروع الإقليمى الممكن.

يبقى فى النهاية تأكيد أنه لا أحد يملك معرفة يقينية بالمستقبل، لكن تحليل الاتجاهات يساعد فى الاستعداد، فالسيناريوهات ليست نبوءات، بل أدوات للتفكير، تتيح لنا رؤية احتمالات مختلفة، ووضع سياسات مرنة. وإذا استمر الاستقطاب، فيجب إدارة مخاطره. وإذا وقع تصعيد، فيجب احتواؤه. وإذا انفتح مسار التفاوض والتوازن، فيجب دعمه، وعلى الجميع إعلاء المرونة التىهى مفتاح التعامل مع عالم متغير.

المستقبل مفتوح، لكنه ليس دون حدود. وحين تطول الصراعات، تصل إلى نقطة لا يستطيع فيها أحد الاستمرار بالوتيرة نفسها. عندها، يصبح التغيير ممكنا. السؤال هو: هل ننتظر الإنهاك ليقودنا إلى التوازن، أم نعمل مسبقا على بناء قواعد جديدة تقلل التكلفة وتزيد الاستقرار؟ إن الجواب يتطلب شجاعة فكرية، والاعتراف بأن الصراع الدائم لا يخدم أحدا هو الخطوة الأولى. ثم يأتى العمل على ترتيبات واقعية تعترف بتعدد المصالح. فالتاريخ يعلمنا أن الاستقرار لا يولد من الانتصار المطلق، بل من التوافق الممكن.

إعمال العقل وبناء الوعى ليسا مجرد موقف أخلاقى يُتخذ فى مواجهة الضجيج، بل هما فعل تأسيسى لإعادة تعريف الممكن. فحين تتداخل الأسطورة مع السياسة، وتتحول السرديات إلى أدوات تعبئة، يصبح الخطر الأكبر هو فقدان القدرة على رؤية الواقع كما هو. فالمعركة ليست بين شعارات متعارضة فحسب، بل بين قراءة دقيقة للوقائع وقراءة انتقائية تُرضى الرغبات. فالإقليم الذى نعيش فيه يمر اليوم بمرحلة انتقالية. إن خرائط القوة تتغير، والنظام الدولى يعيد تشكيل نفسه، والمشروعات الإقليمية تتصارع على تعريف المستقبل. فى مثل هذه اللحظات، لا تكفى إدارة الأزمات، المطلوب هو التفكير فى جذورها. الصراعات ليست قدرا أبديا، لكنها نتيجة خيارات سياسية وبنيوية يمكن تعديلها.

وتظل الدولة الوطنية -رغم كل تحدياتها- الإطار الأقدر على تنظيم التعدد وضمان الحقوق، والمصالح المشتركة ليست شعارا رومانسيا، بل أساس لأى استقرار مستدام. وحين يدرك الفاعلون أن الأمن لا يتحقق على حساب الآخرين، وأن التنمية لا تزدهر فى بيئة عداء دائم، تتسع مساحة الحلول، فلا يوجد أعداء مطلقون ولا أصدقاء دائمون فى السياسة، وهناك مصالح، وتوازنات، وخيارات. والمهمة ليست إلغاء الاختلاف، بل إدارته، فالتاريخ يعلمنا أن المجتمعات التى تحوّل خلافاتها إلى حروب تستنزف نفسها، فيما تستطيع التطور تلك التى تبنى مؤسسات وقواعد للتعايش.

إن الشرق الأوسط أمام فرصة -وإن كانت محدودة- لإعادة التفكير، وليس بالضرورة أن يتحقق التوافق غدا، لكن إدراك الحاجة إليه هو الخطوة الأولى. فالصراعات التى لا أفق لها تتحول إلى عبء على الجميع. أما الترتيبات الواقعية التى تعترف بتعدد الفاعلين، فقد تفتح بابا للاستقرار.

نحاول فى هذا القسم الخاص، الذى تم التكليف به بعد الانتهاء من الإصدار، أن نعالج ونحلل بعض الجوانب السابق الإشارة إليها، وذلك فى محاولة للفهم.

طباعة

    تعريف الكاتب

    أحمد ناجي قمحة

    أحمد ناجي قمحة

    رئيس تحرير مجلتى السياسة الدولية والديمقراطية